كنوز نت - بقلم الإعلامي ؛ ناضل حسنين 



العيش داخل الكذبة… 

حين كتب الرئيس التشيكي المفكر فاتسلاف هافل عن البقال الذي علق لافتة تقول: "يا عمال العالم اتحدوا"، لم يكن معنيًا بالشعار ولا بمضمونه الأيديولوجي، بل بالسلوك الذي يقف خلفه إبان حكم الشيوعيين في بلاده. البقال لم يؤمن بما كتب، لكنه علق اللافتة لأنه خشي العواقب. لم يفرض عليه أحد ذلك بالقوة، لكنه اختار الامتثال، وتصرف كما لو أنه مقتنع، وأقنع نفسه بأن هذا هو السلوك العقلاني لتفادي المتاعب. هافل سمى هذا السلوك: العيش داخل الكذبة.
هذه الفكرة لا تنتمي إلى زمن بعيد ولا إلى جغرافيا منقضية. نحن نراها اليوم تتجسد بوضوح في المجتمع العربي داخل إسرائيل، حيث تشكل تيار سياسي واسع يروج لنهج المهادنة القائمة على الخوف، ويغلفها بخطاب الحكمة والواقعية. هذا التيار لا يقول إنه يخشى السلطة، بل يصر على أنه يفهمها. لا يعترف بالخوف، بل يحوله إلى قناعة، ويقدمه للناس بوصفه الطريق السليم الوحيد لنيل الحقوق.
هذا التيار لا يكتفي بالصمت، بل يمارس التقارب مع الحاكم بوصفه غاية بحد ذاتها. يسعى إلى القرب من مراكز القوة، يحتضن من يمارس الإقصاء والتمييز، يسير معهم سياسيًا وإعلاميًا، ويبرر ذلك بالقول إن "الطريق يمر من هناك". لا يرى في هذا التقارب تنازلًا، بل استثمارًا، حتى وإن دفع مقابله أثمانًا سياسية وأخلاقية تفوق بكثير ما يجنيه من مكاسب.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية. هذه الفئة من المجتمع تظهر استعدادًا شبه مفتوح للتنازل عن كل ما يطلب منها: تخفيف الخطاب، شطب المطالب الجماعية، تجنب القضايا القومية، بل أحيانًا تبرير سياسات الحاكم أو الصمت عنها، مقابل تحقيق تقارب مع السلطة لا يمنحها في النهاية سوى فتات. تقارب يكلفها الكثير، ويعيد لها القليل، لكنها تصر على تسويقه كإنجاز.

في المجتمع العربي، قدم هذا التيار نفسه بوصفه تيار البراغماتيين، أولئك الذين "تجاوزوا الشعارات" و"فهموا قواعد اللعبة". هاجم من رفع صوته، واتهمه بالضوضائية، واعتبر التمسك بالثوابت نوعًا من العناد غير المجدي. وفي المقابل، قبل بما تمنحه السلطة، واعتبره منّة، متناسيًا أن ما يحصل عليه لا يشكل سوى جزء ضئيل من حقوق أصلية كان يفترض أن يحصل عليها دون مقابل.
مع الوقت، لا يكتفي هذا النهج بإدارة العلاقة مع السلطة، بل يعيد تشكيل وعي المجتمع نفسه. يعلم الناس أن يطلبوا أقل، وأن يتوقعوا أقل، وأن يشكروا على الأقل. يحول الحقوق إلى هبات، والفتات إلى إنجازات، والتنازل إلى فضيلة سياسية. وهكذا، لا تعود المشكلة في ما تمنحه السلطة، بل في ما يجرؤ المجتمع على المطالبة به.
كما في مثال هافل، لا تحتاج السلطة هنا إلى فرض الكذبة بالقوة. هذا التيار يتكفل بالمهمة. يعلق اللافتة طوعًا، يدافع عنها، ويهاجم من يحاول نزعها. يقنع نفسه والآخرين بأن هذا هو "النهج الحكيم"، حتى وإن أثبت الواقع مرارًا أن هذا النهج لا يحمي الحقوق، ولا يضمن الأمان، ولا يغير ميزان القوة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يفرغ المجتمع من قدرته على الاعتراض. حين يقبل الناس بمنطق التنازل الدائم، يفقدون القدرة على رسم سقف واضح. وحين يقايضون الثوابت بالتقارب، يكتشفون لاحقًا أن التقارب لا يمنحهم مكانة، بل يضعهم في موقع التابع المطالب بالمزيد من التنازل مقابل أقل قدر من الاعتراف.
هافل لم يقل إن نزع اللافتة سهل أو بلا ثمن. لكنه حذر من ثمن أخطر: أن يعتاد الناس العيش داخل الكذبة، وأن يدافعوا عنها، وأن يبنوا وعيهم السياسي والاجتماعي على أساسها. في حالتنا، لا يطرح السؤال نفسه حول شجاعة المواجهة فقط، بل حول جدوى التقارب الذي يكلفنا الكثير، ويعيد إلينا أقل بكثير مما ندفعه ثمنًا له.
السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: هل نعيش داخل هذا النهج لأنه يحمينا فعلًا، أم لأننا أقنعنا أنفسنا طويلًا أن التنازل هو الطريق الأقصر، حتى لو قادنا إلى خسارة ما لا يعوض؟

 بقلم الإعلامي ؛ ناضل حسنين