كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


دور الخليج في الساحة الحزبية العربية داخل فلسطين

بقلم: سليم السعدي

تتوالى الأسئلة الكبرى التي تفرض نفسها اليوم على الرأي العام الفلسطيني، أبرزها: ما الدور الحقيقي لبعض الدول الخليجية في الشؤون السياسية الداخلية للأحزاب العربية في فلسطين المحتلة؟ وما طبيعة العلاقة بين هذا الدور وبين تعميق الخلافات البنيوية بين الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني (أراضي 1948) وبين امتداداتها السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل باتت ضرورة ملحّة، لأن شعبًا غير متماسك حول قضيته الأساسية، ولا يجتمع على مصالحه العليا، يصبح عُرضة للانهيار الداخلي أو للاستغلال الخارجي. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الانقسام إلى أداة بيد أطراف تمتلك المال والنفوذ، وتستغل هشاشة البنية السياسية لفرض أجندات بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب.

أولاً: سياق التدخل… بين السياسة والمال

لم يعد خافيًا على أحد وجود تدفقات مالية وإعلامية وسياسية من دول خليجية لدعم مشاريع ومؤسسات وجمعيات وأحيانًا أحزاب داخل المجتمع الفلسطيني. جزء من هذا الدعم ظاهر، كالملاعب والمراكز الرياضية والنوادي والجمعيات. لكن المعضلة ليست في الدعم الظاهري، بل في الأجندة السياسية المرافقة له.

فحين تتحرك الأموال دون شفافية، وتتقاطع مع قرارات سياسية مشبوهة، يبدأ السؤال:
هل الهدف استنهاض المجتمع الفلسطيني، أم إعادة تشكيله بما يخدم اتفاقيات وتسويات جاهزة؟

ثانيًا: من أوسلو إلى صفقة القرن… تسلسل الأحداث يكشف الخيط

اتفاقية أوسلو كانت أول حلقة في مشروع خلق فلسطيني “مُدجّن سياسيًا”، مقبول دوليًا، وقابل للتطويع. ورغم الوعود بالمستقبل، أثبتت التجربة أن الاتفاق أضعف الموقف الفلسطيني وفتح الباب لتدخلات خارجية.

ثم جاءت مرحلة صفقة القرن، حيث اتّضح حجم التأثير الخليجي في تمرير المشروع، مباشرة أو مواربة، من خلال:

الضغط السياسي على فصائل وقيادات

دعم إعلام موجّه

خلق تيارات تعتبر “التطبيع” رؤية حداثية

تعزيز ثقافة قبول الأمر الواقع

إضعاف القدرة على الرفض العلني


لكن لحظة الانكشاف الكبرى كانت طوفان الأقصى، التي فجّرت التناقضات وفضحت المستور، وأظهرت حجم الاختراقات ودرجة التلاعب بالوعي الجمعي الفلسطيني.

ثالثًا: القيادة الفلسطينية الرسمية… بين الارتباك والتبعية

تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، التي استخدم فيها تعبيرات تمسّ كرامة شعبه، ليست إلا انعكاسًا لحالة انفصام خطير بين القيادة وقاعدة الشعب. فبدل أن تتحمل القيادة مسؤولية الأخطاء التاريخية، اختارت الهجوم على الشعب نفسه.

هذا السلوك ليس بريئًا؛ بل يعكس تواطؤًا سياسيًا مع منظومة إقليمية تريد شعبًا خاضعًا، غير قادر على رفض الحلول المفروضة.

رابعًا: الداخل الفلسطيني… ساحة صراع خفي

الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني أصبحت في السنوات الأخيرة مسرحًا لتأثيرات متعددة الاتجاهات:

بعضها خليجي

بعضها مرتبط بالسلطة الفلسطينية

بعضها خاضع للابتزاز السياسي

وبعضها يحاول الحفاظ على استقلاليته بصعوبة


ونتيجة ذلك:
عجز كامل عن بناء مشروع سياسي موحّد
وفقدان القدرة على قيادة الجماهير
وتراجع في الموقف الوطني

وشلل في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية

حتى أصبح قسم من الشارع يشعر بأن أحزابه تحولت إلى إبر تخدير سياسي أكثر منها أدوات مقاومة أو صمود.


خامسًا: الفساد كأداة… لا كعار

القضية الأخطر ليست وجود المال، بل وجود من ارتشى، ومن قبل لنفسه أن يكون أداة.
فحين تتحول فئة فاسدة إلى قناة لتنفيذ مشروع خارجي، يصبح الخطر مضاعفًا:

1. تُضعف الوعي الوطني


2. تُقسم المجتمع


3. تحول الشعب إلى جمهور سلبي


4. وتدفعه لقبول الظلم باعتباره قدرًا لا يمكن تغييره



هذا ما حدث حين سكتت جماهير واسعة عن الحصار، والهدم، والجرائم، والإبادة التي عاشها قطاع غزة.
لقد كان الصمت نتيجة تخدير سياسي منهجي، شاركت فيه قيادات كسبت المال والمكانة، وخسرت الوطن والكرامة.


---

سادسًا: ماذا الآن؟

إن مواجهة هذا الواقع تتطلب:

1. كشف مصادر المال السياسي وفضح أجنداته


2. إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس شعبي لا حزبي


3. تحرير الأحزاب العربية في الداخل من التبعية الخارجية


4. تجديد القيادة الفلسطينية عبر انتخابات حقيقية


5. إعادة الاعتبار للرفض الشعبي لأي مشروع يطمس الهوية والحق



خاتمة

القضية الفلسطينية لم تُهزم عسكريًا، بل أُنهكت بالمال السياسي والفساد والانقسام.
ومهمة الجيل القادم هي استعادة القرار الوطني من الأيدي التي باعته، سواء كانت محلية أو خليجية أو دولية.

فلا نهضة لشعب فقد وحدته،
ولا كرامة لوطن تُدار قضيته عبر الحسابات البنكية،
ولا مستقبل لأمة تُسَلَّم قيادتها لأشباه قادة.

والقضية لم تمت… بل تحتاج رجالًا لا يشترون