
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية**
تأملات امرأة تتفاوض مع الضوء”
بقلم: رانية مرجية**
يا أنت…
يا ذلك الكائن الذي لا اسم له،
وُلد من خطأٍ صغير في كيمياء الجسد،
لكنّه تمدّد في حياتي
كأنه درسٌ كونيّ
أُرسل إليّ من جهةٍ عليا
لا تسكن الأرض ولا تتقيد بالسماء.
جئتني بلا صوت،
تسير بخفّة لصٍّ
يعرف الطرقات الخفيّة إلى قلبي،
وتقيم في دمي
كما تقيم فكرةٌ قديمة
رفضت أن تُنسى.
كنت أظنّ الجسدَ وطنًا مستقرًا،
حتى دخلت أنت،
فأدركتُ أن الوطن الحقيقي
ليس ما أعيش فيه،
بل ما ينهض داخلي
حين ينهار شيءٌ مني.
يا رفيقي الذي لا أختاره،
ولا يختار الرحيل،
تعلمتُ معك
أن أُنصت إلى نبضي
كما يُنصت مسافرٌ إلى ساعة القطار،
يعرف أن الوقت ليس عدوّه،
بل الفرصة الوحيدة
لألا يفوته معنى الرحلة.
سمِّه مرضًا…
سمِّه عبئًا…
سمِّه رفيقًا ثقيلاً…
سمِّه ما شئت،
لكنّي رأيته شيئًا آخر:
نافذة صغيرة
تشقّ جدار حياتي
لتذكّرني أن الضوء
لا يحتاج إلى بوابة واسعة
حتى يدخل.
يا من ظنّ أنه سيُروّضني،
ألم تتعلّم بعد
أن الروح التي نجت من العواصف،
ومن حروبٍ لم تُكتب في الكتب،
ومن خساراتٍ
عادت منها أكثر امتلاءً بالحياة،
لن تهزمها قطرةُ سكرٍ
تاهت في الدم؟
أنا المرأة التي
تفاوضك كل صباح،
تتصالح معك دون خضوع،
وتقاومك دون ضجيج،
وتكتبك في دفترها
لا كعدوّ،
بل كمعلمٍ قاسٍ
يُجيد اختبار قدرتها
على إعادة اختراع نفسها.
أنت الذي جئت لتُبطئ خطواتي،
علّمتني أن أمشي بثقة.
جئت لتربك نومي،
فأيقظتَ فيّ وعياً
يجعل كل ليلةٍ معركة نور.
جئت لتكسر اتزاني،
فعلّمتني كيف أوازن روحي
على خيطٍ أدقّ من وريد.
يا ظلي الذي لا يختفي،
أنا لا أكرهك،
ولا أحبك،
لكني أعرفك:
تعرف كيف تُخيف الجسد،
ولا تعرف كيف تُهزم الروح.
فخذ مكانك…
اجلس على حافة حياتي،
راقبني إن شئت،
لكن تذكّر:
أنا لستُ ميدانك.
أنا الرحلة التي لا تنتهي،
والقوّة التي لا تُرى،
والضوء الذي
—كلما حاولتَ خفتَه—
ازداد اتساعًا.
لأنني ببساطة…
لا أعيش رغمك،
بل أزدهر بك،
وأخرج منك،
وأعلو فوقك،
كأنّ وجعي جناحٌ
تعلم التحليق.
28/11/2025 10:04 am 156
.jpg)
.jpg)