كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


رؤوسٌ بلا مضمون… تأمّلٌ في سقوط المعنى وصعود القشور

بقلم: سليم السعدي

في كل عصر يمرّ على البشرية، تظهر ظاهرة يمكن رصدها بعيون المتأمل قبل الباحث؛ ظاهرة الرؤوس التي تحمل الشكل ولا تحمل المضمون، وتلبس المظهر وتتجرّد من العقل. رؤوسٌ يلمع سطحها، ويُظنّ أنّ تحتها عالمًا من الفكر والرؤية، فإذا اقتربت منها اكتشفت أن كل ما فيها مجرد صرير فراغ لا صدى له.
هذه المشكلة ليست مسألة اجتماعية فقط، بل مأزق فلسفي يضرب جوهر الإنسان نفسه:
ما الإنسان إذا تُرك عقله معلّقًا، وفكره منطفئًا، وروحه بلا نور؟

1. المظهر والخداع الإنساني

لقد انشغل الناس بالمظهر حتى أصبح “الوجه” معيارًا، و”الشَّعر” قيمة، و”اللافتة” أهم من المضمون.
أصبحت الهامات تُقاس بطول الشعر وكثافته، لا بعمق الفكر ولا بصدى الكلمة.
صار الإنسان يعتني بما يراه الآخرون أكثر مما يعتني بما يراه الله في داخله، وما تراه نفسه حين تنفرد بها لحظة صدق.

وهكذا تولد طبقة كاملة من البشر:
رؤوسٌ مُنمَّقة… وعقولٌ مُهمَلة.

لكن الفلسفة القديمة، من أفلاطون إلى ابن سينا، كانت تُجمع على أن جمال الإنسان الحقيقي هو “جمال النفس” لا “تناسق الشكل”. لأن الشكل منحة مؤقتة، أما العقل فمنحة خُلِقَت لتدوم، ولتترك أثرًا في هذا العالم.

2. العقل… زينة الإنسان التي لا تُقارن

إنّ الله لم يجعل الإنسان خليفة في الأرض بفضل عضلاته، ولا بجمال وجهه، بل بفضل العقل الذي ميّزه به.
فالعقل ليس أداة معرفة فقط، بل بوصلة وجود؛ هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الوعي، والتفكير، والتساؤل، والتمييز بين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال.

لكن حين تُغلق أبواب العقل، يُصبح الإنسان كائنًا يعيش بلا وجهة؛
يمشي، يأكل، يشرب، يضحك، يضجّ…
لكن بلا أثر، بلا فكرة، بلا بصمة.

وهنا الخطر الفلسفي الأكبر:
ما الذي يميّز إنسانًا بلا عقل عن أي مخلوق آخر؟
المخلوقات جميعها تأكل وتشرب وتتحرك، لكن الإنسان وحده يفكّر.
فإذا تخلّى عن تفكيره، فقد تخلّى عن جوهر إنسانيته.

3. حين يصبح الجهل مزوّقًا… والفارغ مؤثّرًا

ليس أشدّ خطرًا على المجتمع من الجاهل الذي يظن نفسه عالمًا.
هذا ليس كلامًا أدبيًا، بل حقيقة تشير إليها الفلسفة الاجتماعية بأكملها.

المشكلة ليست في وجود الفراغ، بل في تلميع الفراغ.
في أن يصبح الصوت العالي بديلًا عن الحجة،
وأن تتحول “البهرجة” إلى منصة تُخرس الفكر،
وأن يُدفن العقل تحت طبقاتٍ من المظاهر والصور.

وهكذا يتولد في المجتمع ما يُسمّيه الفلاسفة “تشوّه الوعي الجمعي”:
يُصبح ما هو لامع أكثر حضورًا مما هو عميق،
وما هو صاخب أكثر تأثيرًا مما هو صحيح.


4. الأزمة ليست في الناس… بل في غياب الحصانة الفكرية

حين ذكرنا الحصانة الاجتماعية، فإن جوهرها الحقيقي يبدأ من الحصانة العقلية.
فالمجتمعات لا تنهار بسبب الحروب فقط، بل تنهار حين يصعد إلى مقدمة المشهد أصحاب الرؤوس الفارغة، ويتراجع أهل الفكر والحكمة.

إن المجتمع الذي لا يحمي العقل،
ولا يربّي على التفكير،
ولا يزرع السؤال،
يُسلّم نفسه لمن يملك الصوت لا لمن يملك المعرفة.

وهذه هي هزيمته الكبرى.

5. الإنسان بين الارتفاع والسقوط

الفلسفة الوجودية تقول إن الإنسان يعيش دائمًا بين خيارين:
إمّا أن يكون وجوده صعودًا نحو المعنى،
وإمّا أن يكون سقوطًا نحو العادة والتكرار والفراغ.

ومن أعظم تجليات السقوط:
أن تتحول الحياة إلى مجرّد دورة أكل وشرب وسعي بلا وعي.
أن يعيش الإنسان “كائنًا جسديًا” بلا روح عقلية.
أن يملأ بطنه ويترك عقله فارغًا.

وهذا ما وصفه القرآن حين شبّه من فقد عقله بـ”الأنعام”، لا تقليلًا من قدر الحيوان، بل تكبيرًا لقيمة العقل الذي ضيّعه الإنسان.

6. معركة الإنسان اليوم: استعادة المعنى

إن المعركة الحقيقية في هذا الزمن ليست سياسية ولا اجتماعية فقط، بل فلسفية:
معركة لاستعادة قيمة العقل.
معركة لردّ الاعتبار للفكر.
معركة لاستبدال الضجيج بالحكمة، والمظاهر بالجوهر، والفراغ بالمعنى.

المجتمع الذي ينهض لا ينهض بشَعرٍ مُصفّف، بل بعقلٍ مُنضَّج.
لا ينهض بصورٍ تُنشر، بل بأفكارٍ تُصنع.
لا ينهض بمن يرفع صوته، بل بمن يرفع مستوى وعيه.



الخاتمة: 
العقل هو التاج… وما سواه زينة زائلة

إنّ الإنسان بلا عقل لا يملك سوى هيئة من لحمٍ وشَعر،
أما العقل فهو التاج الذي يرفع رأسه،
والنور الذي يُنضج مساره،
والقيمة التي بها يحيا ولا يمرّ في الدنيا مرور العابرين.

فمن عطّل عقله فقد عطّل رسالته،
ومن أهمل فكره فقد أهمل نفسه،
ومن اكتفى بالقشور عاش ومات من غير أن يترك أثرًا في كتاب الوجود.