
كنوز نت - بقلم: سليم السعدي
الحصانة الاجتماعية: عنوان الصمود ومفتاح حماية المجتمع
بقلم: سليم السعدي
كثيرًا ما يردّد الناس مصطلح «الحصانة الاجتماعية»، لكن القليل يدرك معناه العميق ودوره في حماية المجتمع من الانهيار. فمع تفاقم الأزمات اليومية وازدياد الضغط الاقتصادي والاجتماعي، أصبح النسيج المجتمعي هشًّا وقابلًا للتصدّع، خصوصًا في مجتمع يعتمد بشكل كبير على المخصصات وليس على شركات ومصادر عمل مستقرة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن مستعدون فعلًا لبناء حصانة اجتماعية حقيقية؟ وهل نمتلك الأدوات القانونية والمالية لتحقيق ذلك؟
الحصانة الاجتماعية هي قدرة المجتمع على الصمود أمام الصدمات—اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية—والقدرة على استعادة التوازن بسرعة، بحيث لا تتحول الأزمة الصغيرة إلى انهيار عام. وهي تقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة: شبكات دعم اجتماعي حقيقية، خدمات أساسية متاحة للجميع، وفرص اقتصادية تضمن الحد الأدنى من الكرامة والاستقلال.
لكنّ الواقع يشير إلى أن هذه الأعمدة ضعيفة اليوم: البطالة مرتفعة، الاعتماد على المخصصات أصبح نمطًا، العلاقات الاجتماعية تتآكل، والاستقطاب السياسي ينهش الثقة بين الناس. هذه العوامل مجتمعة تهدد استقرار المجتمع، وتفتح الباب أمام العنف والجريمة وتفكك العائلات وضعف الانتماء.
إطلاق برنامج حصانة اجتماعية ليس قرارًا نظريًا؛ بل مشروع يحتاج إلى تمويل، مؤسسات قادرة، وبيئة قانونية تسمح بالعمل. وهنا تكمن التحديات الأكبر: كيف نجمع الأموال لبدء مشروع يحمي المجتمع، في وقت تفرض فيه الأنظمة قيودًا على جمع التبرعات، وتخضع المنظمات لمراقبة مشددة، وتُثقلها البيروقراطية وشبهات التمويل غير القانوني؟ وكيف نمنع استغلال هذه البرامج سياسيًا؟ ومن يضمن وصولها للمجتمع وليس لجيوب الأفراد؟
رغم هذه العقبات، فإن بناء الحصانة الاجتماعية ممكن إذا وُضعت خطة مدروسة تستند إلى الشفافية والمشاركة. الخطوة الأولى هي إطلاق صندوق اجتماعي للطوارئ بتمويل متنوع: مصادر بلدية، شركاء من القطاع الخاص، دعم منظمات دولية، وصناديق مجتمعية (مثل الأوقاف والزكاة). هذا التنوع يحمي المشروع من الانقطاع. يلي ذلك مشروع تجريبي في منطقة محددة، يقدم دعمًا نقديًا مؤقتًا، برامج تشغيل، تدريب مهني، ودعمًا نفسيًا-اجتماعيًا، بإدارة تخضع للتدقيق والمتابعة.
نجاح هذا المشروع يتطلب حوكمة قوية: مجلس إدارة تمثيلي من المجتمع والبلدية والقطاع الأهلي، سجلات مالية منشورة، تدقيق خارجي دوري، ومعايير واضحة لتحديد المستفيدين. كما يتطلب التزامًا بعدم تسييس الموارد، لأن الحصانة الاجتماعية يجب أن تكون ملكًا للمجتمع، لا ورقة ضغط لأحزاب أو جهات نافذة.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يُقاس نجاح الحصانة الاجتماعية بمؤشرات واقعية: انخفاض نسبة الأسر المتضررة، ارتفاع نسبة التشغيل، تحسن خدمات الأحياء، زيادة الثقة بالمؤسسات، وتراجع مظاهر العنف والفوضى. هذه المؤشرات وحدها تكشف إن كان المشروع يُحدث تغييرًا حقيقيًا أو مجرد إعلان إعلامي.
في النهاية، الحصانة الاجتماعية ليست مشروعًا عابرًا، بل هي ضرورة وطنية لحماية المجتمع من التفكك. وإذا لم نتحرك اليوم لبناء شبكة حماية متينة، فلن يرحمنا الغد حين تتراكم الأزمات وتتآكل الروابط. ما نحتاجه هو إرادة جدية، وشفافية، وتعاون بين كل مكوّنات المجتمع. فالحصانة ليست ترفًا، بل شرط وجود.
25/11/2025 01:57 pm 144
.jpg)
.jpg)