كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فلسطينييّ الـ48
  • بقلم: رانية مرجية
في مدننا، لا يوقظنا صوت الرصاص بقدر ما يوقظنا الصمت الذي يليه. صمتٌ لا يشبه الحزن، بل يشبه التكيّف؛ كأنّنا لم نعد نفاجأ بالموت، بل نُعيد ترتيب حياتنا حوله. هنا، لا يحدث القتل كحادثة، بل كزمنٍ يتكرّر حتى يرسّخ نفسه كجزءٍ من المشهد.
ما يجري ليس “عنفًا عابرًا” ولا “موجة مؤقتة”، بل نظامٌ كامل لإنتاج العنف—نظامٌ يتغذّى من غياب، ويتمدّد في فراغ، ويعيد تشكيل المجتمع من الداخل. الرصاصة فيه ليست البداية، بل النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة: مالٌ بلا رقابة، خوفٌ بلا حماية، وصمتٌ يتحوّل إلى بيئة.
الأمان حين يفقد معناه
الأمان، في تعريفه البديهي، حق. لا يُشترى ولا يُساوَم عليه.
لكن في واقعنا، انقلبت القاعدة: صار الأمان امتيازًا مشروطًا. تدفع لتنجو، تصمت لتستمر، وتتعلم كيف تتجنّب بدل أن تعيش.
لم يعد السؤال: “هل نحن آمنون؟”
بل: “كيف نؤجّل الخطر؟”
وهنا، لا يكون الدم جريمةً فحسب، بل لغةً تُستخدم لإدارة الحياة—وسيلة لفرض النفوذ، وترتيب العلاقات، وتحديد من يبقى ومن يُقصى.
أمّ تختصر العالم في غرفة
في بيتٍ ما، تُطفئ أمّ الأنوار قبل أن يحلّ الليل. لا لأن الظلام جاء، بل لأن الخوف سبقه. تجمع أبناءها في غرفةٍ واحدة، كأنها تختصر العالم إلى مساحة يمكن السيطرة عليها.
لا تشرح لهم ما يحدث، لكنها تغيّر لغتها:
لا تسألهم ماذا يريدون أن يصبحوا، بل أين يذهبون ومتى يعودون.
هكذا، لا يقتل العنف أجسادًا فقط… بل يُعيد صياغة الحياة نفسها.
حين تغيب الدولة كمعنى
الدولة، في معناها الأول، وعدٌ بالحماية. لكن ماذا يحدث حين يصبح هذا الوعد انتقائيًا؟
نحن أمام مفارقة واضحة:
حضورٌ قوي حين يتعلّق الأمر بالضبط والسيطرة، وغيابٌ مقلق حين يتعلّق بالحماية اليومية.
في هذا الفراغ، لا تبقى الساحة خالية. تظهر بنية بديلة: الجريمة المنظّمة.
لا كاستثناء، بل كمنظومة تُقرض، تُحصّل، تُعاقب، وتفرض قواعدها الخاصة.
ومع كل جريمة لا تُحلّ، لا يتراجع الأمن فقط… بل تتآكل الثقة، ويتحوّل القانون من مرجعية إلى احتمال.
الخطاب حين ينفصل عن الواقع
في الخطاب الرسمي، يُرفع شعار “فرض النظام” كحلٍّ حاسم. لكن الواقع يكشف مفارقة قاسية: الصوت أعلى من نتائجه.
شخصية مثل إيتمار بن غفير تجسّد هذا التناقض:
خطابٌ مكثّف عن الأمن، يقابله واقعٌ يتّسع فيه الشعور بانعدام الحماية في المجتمع العربي.
كلما ارتفع الخطاب، ازداد السؤال بساطةً وحدّة:
أين التغيير الفعلي في حياة الناس؟
حين لا يلمس الناس أثر السياسة في تفاصيل يومهم، يصبح الأمن سرديةً لا تجربة.
الجريمة كنظام
ما نراه ليس فوضى، بل تنظيمًا من نوع آخر:
“الخاوة” تتحوّل إلى نظام جباية مستقر
القروض السوداء تُنشئ علاقات تبعية طويلة
العنف يُستخدم كوسيلة ضبط وتنفيذ
هنا، لا تعمل الجريمة ضد النظام… بل داخل فراغه.
السؤال الأخطر
حين تفشل الدولة في فرض تعريفها للأمان، وتنجح العصابات في فرض تعريفها، يظهر سؤال لا يمكن تجاهله:
من يملك تعريف الحياة؟
هل الحياة قيمة ثابتة؟
أم امتياز يتغيّر حسب القدرة على الدفع والحماية؟
في هذه اللحظة، تتحوّل الأزمة من أمنية إلى أزمة معنى.
لأن المجتمع الذي لا يملك تعريفًا واضحًا للحياة، لا يستطيع الدفاع عنها.
الأخلاق في زمن الخوف
الخوف لا يفرض الصمت فقط، بل يعيد تشكيله كخيار عقلاني.
الابتعاد يصبح حكمة، والتجنّب يصبح نجاة.
لكن هذه “النجاة” الفردية تُنتج هشاشة جماعية:

كل صمتٍ يفتح مساحة أوسع للعنف، وكل انسحابٍ يترك فراغًا أكبر.
ما الذي يجب أن يتغيّر؟
المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في التعامل مع النتائج بدل الأسباب.
أي معالجة جدية يجب أن تبدأ من الجذور:
تفكيك البنية الاقتصادية للجريمة
استعادة الثقة عبر عدالة فعّالة
الحدّ من انتشار السلاح
خلق بدائل حقيقية للشباب
مساءلة سياسية تقيس النتائج لا الخطابات
استعادة الحياة
المعركة ليست فقط ضد القتل… بل ضدّ تحوّله إلى أمر عادي.
ضدّ أن يصبح الخوف جزءًا من الهوية، والرصاص جزءًا من الصوت اليومي.
استعادة الأمان تعني استعادة المعنى:
أن تعود الحياة حقًا، لا امتيازًا.
وأن يعود الإنسان إنسانًا، لا احتمالًا.
خاتمة
المجتمعات لا تنهار حين تُصاب بالعنف…
بل حين تعتاد عليه.
وربما أخطر ما نواجهه اليوم ليس عدد الضحايا،
بل قدرتنا المتزايدة على التكيّف مع غيابهم.