كنوز نت - الطيبة
د. بديع القشاعلة - اخصائي نفسي وباحث
مدير قسم رياض الاطفال في بلدية رهط
-----------------------
احد الوالدين يتسائل:
"هل يعتبر العقاب وسيلة للتربية ... احياناً اجد ان هذه الطريقة سهلة .. واحصل على ما اريد من طفلي بسهولة ... كثير من الاطفال لا يسمعون الكلام بدون عقاب .. فهل هذا الامر صحيح ؟ "
الجواب:
لأجيب على هذا السؤال أود اولاً ان اطرح حديثاً شريفاً من احاديث محمّد رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم، والذي يتكلم في موضوع العقاب:
عن عمر بن شعيب، عن أبيه،عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بنيهم في المضاجع ". رواه احمد وأبو داود والحاكم، وقيل : صحيح على شرط مسلم.
ان في قوله، عليه الصلاة والسلام: ".. اضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً... "
تحديد عجيبٌ للفترة الزمنية التي قد تكون مناسبة كي يتلقي فيها الطفل العقاب وفهم معناه، وبالتالي فان اثره على تعديل السلوك يكون كبير.
ان عملية تعديل السلوك الانساني تحتاج الى تعزيز الجوانب المرغوبة، وفي الوقت ذاته عدم تعزيز الجوانب الغير مرغوبة. ان عملية العقاب كلما قلت، كلما زاد مفعولها واثرها في عملية تهذيب السلوك. والعقاب بصورة عامة يعلم الطفل ما هو ممنوع، ولا يعلمه ماذا يفعل، لذا وجب علينا دائما تقديم الشرح والتفسير لاسباب العقاب واعطاء البدائل السلوكية المرغوبة وتعزيزها.
وعندما نتحدث عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ".. اضربوهم.." فان ان المقصود هنا الضرب الخفيف والذي يهدف إلى الردع وتقويم السلوك، وذلك ما يطلق عليه كبار علماء النفس باسم "العقاب" ضمن نظرية واسعة في علم النفس يطلق عليها نظرية "الثواب والعقاب".
ولفهم هذه المرحلة علينا التعرف على المرحلة الزمنية ما بين 9- 12 سنة والتي يطلق عليها مرحلة: " الطفولة المتأخرة " أو يطلق عليها أيضا اسم مرحلة " قبيل المراهقة".
في هذه المرحلة يصبح سلوك الطفل أكثر جدية، ويميز هذه المرحلة تعلم المهارات اللازمة لشؤون الحياة، وتعلم المعايير الخلقية والقيم والاستعداد لتحمل المسؤولية وضبط الانفعالات ،وهذا يكون إعداداً لمرحلة المراهقة. ويعتبر علماء النفس ان هذه المرحلة هي من انسب المراحل لعملية التطبيع الاجتماعي،كما ويلاحظ أيضا نمو الضمير والرقابة الذاتية على السلوك. وفي هذه المرحلة يستمر التفكير المجرد في النمو ويستطيع ان يقوم بالتفسيرات بدرجة أفضل من قبل، كما ويستطيع ان يلاحظ الفروق الفردية. كما ويزداد مدى الانتباه وتزداد القدرة على التركيز وتتطور الذاكرة ويصبح بمقدوره التذكر عن طريق الفهم. ويثبت الخبراء ان الطفل بحاجة إلى تقبل السلطة لانه يحتاج إليه فسلوكه وتصرفاته ما زالت غير ناضجة وخبراته فجة، ولا بد لنا ان نراعي حزمنا مع أطفالنا وان تكون معاملتنا حنونة وهي حازمة. كما وعلينا ان نراعي أيضا نقطة هامة جداً، والتي شدد عليها الخبراء في الصحة النفسية، ألا وهي عدم استخدام العقاب بمفرده كوسيلة للتعليم وانما يجب ان يكون هناك أيضا الثواب، وكي نفهم هذا بصورة أوضح علينا ان نتطرق لقانون الثواب والعقاب في علم السلوك. لقد اهتم جمع كبير من علماء النفس بقضية الثواب والعقاب وكانت هناك عدة بحوث تجريبية في هذا الموضوع وكانت النتيجة كالأتي: ان الثواب أقوى وأبقى أثراً من العقاب في عملية التعلم وان المدح اقوي أثراً من الذم بوجه عام. وذلك يعني انه إذا ارتكب طفل ذنباً ما، وعاقبناه (بصورة خفيفة) يجب علينا ان نثيبه عندما يقوم بجهد أو عمل طيب. أي ان العملية تداولية وليست تقتصر على العقاب أو الثواب. وقد توصل العالم النفسي الشهير ثورندايك وغيره إلى ان اثر الجزاء – ثواب كان أم عقاب – يبلغ أقصاه حين يعقب السلوك مباشرة، ولكن أثره يضعف كلما طالت الفترة بينه وبين السلوك. ولكي يكون الجزاء مثمر وذو نتيجة يجب ان يكون عاجلاً ومباشراً، أي حينما يقوم الطفل بعمل جيد نثيبه مباشرة لفظيا ًكان أم عملياً، وان أذنب علينا ان نعاقبه مباشرة حتى يكون الجزاء مثمراً. ان العقاب المعتدل المعقول مدعاة في كثير من الأحيان إلى أخذ الحيطة والحذر وتجنب الأخطاء. أما العقاب الجسدي القاسي والذي يجرح كبرياء الطفل أو الذي يأخذ شكل التوبيخ العلني فهو ذو نتائج سلبية ودون فائدة، بل ويزيد من الأضرار النفسية كالكراهية، والشعور بالنقص وفقدان الثقة بالنفس والخجل وهو ممنوع دون شك. كما وان العقاب الشديد يعيق العملية التعليمة بدل من المساعدة عليها. لذلك حينما قال محمّد عليه الصلاة والسلام: "واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا"، كان يقصد العقاب المعتدل الذي لايصل الى الشدة التي تؤثر سلباً على سلوكه بل تهدف الى تعديله،كما وان استخدام الضرب الخفيف كعقاب في فترات متباعدة يعطي نتيجه كبيرة في تعديل السلوك المراد تعديله. لذا من المفضل استخدامه في فترات متباعدة وفقط حين نرى انه لا بد منه مع الحذر الشديد ، وقد أمر رسول الله بذلك فقط حينيصل الطفل إلى سن العاشرة وليس قبل ذلك، أي لا يجوز لك ضرب طفلك قبل بلوغه العاشرة ، وذلك لان جميع العمليات العقلية والمعرفية تكون قد تطورت أكثر وان المبنى الجسدي أصبح أكثر تحملاً. وبما ان هذه المرحلة العمرية والتي تسمى "قبيل المراهقة" هي مرحلة مهمة، إذ ان الفترة التي تأتي بعدها هي المراهقة، والمراهقة فترة حرجة في حياة الانسان إذ يقول السيكولوجي الشهير اريكسون، ان التغيير الجوهري في مرحلة المراهقة هو الإحساس بالهوية فان تكتلت عليه المشاكل يحدث عنده ما يسمى بتشتت الدور، أي لا يعرف ماذا يريد وإلى أين يسعى. لكن إذا تمكن المراهق من التوفيق بين الأدوار المختلفة والمتنوعة، والقدرات والقيم، وكان بإمكانه إدراك استمراريتها في الماضي والمستقبل فان إحساس الهوية لن يفسح المجال لظهور تشتت الدور. لذا فان محاولة أعداد الطفل وتعليمه بشيء من السلطة يعطي الطفل الإحساس بالمسؤولية وان الحياة ليست فوضى وانما هناك ما يجب فعله وهناك ما يجب الابتعاد عنه. هذا الأمر يؤدي إلى إعداد الطفل لمرحلة المراهقة وهي المرحلة التي يبدأ فيها بالتقرب إلى عالم الراشدين والشعور بالمسؤولية وتوسع أبواب الحياة عليه ودخول عالم اكبر وأوسع، لذلك كان يجب عليه ان يعلم ان الحياة ليست كلها ثواب وانما هناك شيء من العقاب، ان نحن تمادينا في اللامبالاة وعدم الاكتراث.
05/12/2015 01:23 pm
.jpg)
.jpg)