كنوز نت - بقلم : سليم السعدي

"الفوضى القادمة: هل تُقاد أوروبا وأمريكا نحو حرب عالمية ثالثة لخدمة أجندات دينية وصهيونية؟"

في السنوات الأخيرة، يواجه الغرب – أوروبا والولايات المتحدة – أزمات متشابكة غير مسبوقة: أزمات اقتصادية عميقة، تصاعد في معدلات التضخم والبطالة، موجات هجرة عابرة للقارات، صعود التيارات اليمينية المتطرفة، إضافةً إلى صراعات مفتوحة مع روسيا والصين. هذه التحديات تبدو، للوهلة الأولى، انعكاسًا طبيعيًا لدورات اقتصادية وسياسية، لكن ثمة من يقرأها في سياق أوسع: سياق صناعة فوضى منظمة، قد تُفضي إلى حرب عالمية ثالثة تُستخدم كذريعة تاريخية ودينية، خاصةً لدى بعض القوى الصهيونية والإنجيلية، لتهيئة الأرض لما يسمونه "قدوم المسيح المخلّص" أو "معركة هرمجدون".

الأزمات المتلاحقة: صورة الغرب المتصدّع

منذ جائحة كورونا، شهدت الولايات المتحدة وأوروبا انهيارات اقتصادية متتالية. معدلات التضخم وصلت إلى أرقام قياسية، وأسواق الطاقة والغذاء تأثرت بشدة نتيجة الحرب في أوكرانيا، فيما تعاني شعوب كاملة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية. بالتوازي، تضاعفت أعداد المهاجرين إلى أوروبا، ما فجر خلافات داخلية حادة بين الحكومات وأشعل صعود الأحزاب اليمينية التي تلوّح بسياسات متطرفة قد تدفع القارة إلى مزيد من الانقسام.

أما الولايات المتحدة، فهي تواجه انقسامات غير مسبوقة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وأزمات اجتماعية متصاعدة حول الهجرة والضرائب والعنصرية. هذه الانقسامات باتت تهدد بانفجار داخلي، وهو ما يجعل بعض المراقبين يعتقدون أن دفع هذه القوى نحو صراع خارجي سيكون وسيلة لتوحيد الداخل الأمريكي خلف قيادته، كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

البعد الديني الخفي: هرمجدون ونبوءة دانيال

في خلفية هذا المشهد، توجد عقيدة راسخة لدى بعض الحركات الصهيونية والإنجيلية: أن حربًا كبرى لا بد أن تقع في الشرق الأوسط، وأحيانًا على نطاق عالمي، قبل ظهور "المسيح المخلّص". يستند هؤلاء إلى نصوص من التوراة مثل ما ورد في سفر دانيال (11:40): "في وقت النهاية يحارب ملك الجنوب فيثور عليه ملك الشمال فيجتاح كالزوبعة بجيشه"، وهي نبوءة يفسرها البعض بأنها تشير إلى مواجهة عالمية تسبق قيام "مملكة الرب" الموعودة.

ويستشهد آخرون بحديث النبي محمد ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة". يُوظف هذا الحديث في بعض القراءات لاعتبار أن صراع القوى الكبرى اليوم، رغم وحدة مصالحها الكبرى، سيقود إلى مذابح غير مسبوقة، وكأنها تحقيق للنبوءة.

الفوضى الخلّاقة: أداة لا غاية

مصطلح "الفوضى الخلّاقة" الذي برز في أدبيات السياسة الأمريكية منذ حرب العراق (2003) لم يكن مجرد نظرية، بل أداة لإعادة تشكيل مناطق كاملة سياسيًا وديموغرافيًا. واليوم، يبدو أن هذا المنهج يُعاد تطبيقه، لكن في قلب أوروبا وأمريكا نفسها، عبر إدارة أزمات الهجرة، التصعيد مع روسيا والصين، وإذكاء الاستقطاب السياسي والاجتماعي، لدفع الشعوب نحو قبول نظام عالمي جديد، وربما حرب واسعة تُقدَّم كـ"ضرورة خلاصية".

الأهداف الكامنة: بين الهيمنة والقداسة

لا يمكن فصل الأهداف الاقتصادية عن العقائدية. فالحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستكون فرصة لإعادة تشكيل النظام المالي العالمي، وإعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية. في الوقت ذاته، ستُقدَّم، من قبل التيارات الصهيونية والإنجيلية، على أنها "حرب نهاية الزمان"، حيث تُستغل الأزمات لتعبئة الشعوب خلف إسرائيل بوصفها "المركز المقدس للخلاص".


لكن الحقيقة أن هذه الأيديولوجيات ليست سوى غطاء يخدم مصالح نخبوية؛ فالمجتمعات الغربية، شأنها شأن بقية العالم، تُساق إلى صراعات لا تخدم سوى القلة المسيطرة على المال والسياسة.

نحو موقف عربي موحّد

في ظل هذه التطورات، يصبح لزامًا على العالم العربي – حكومات وشعوبًا – أن يدرك خطورة الانجرار إلى هذه اللعبة العالمية. المطلوب ليس الانعزال، بل بناء موقف موحد يرفض تحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، ويرفض الانخراط في صراع يخدم أجندات غربية وصهيونية.

إن الدعوة اليوم موجهة لكل القوى العربية الواعية لتشكيل جبهة سياسية ودبلوماسية واقتصادية، تعيد ترتيب الأولويات، وتحمي شعوبنا من أن تكون ضحية لمخططات "الفوضى الخلّاقة" التي تُدار بأدوات الدين والسياسة معًا.

سليم السعدي
باحث وكاتب سياسي

"تحذير من دفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة: صراع مُصطنع لخدمة أجندات دينية وصهيونية"

في ضوء الأزمات المتلاحقة التي تضرب أوروبا والولايات المتحدة – من التضخم الاقتصادي، أزمات الطاقة، موجات الهجرة، وصعود التطرف السياسي – تبرز مخاوف حقيقية من أن هذه الفوضى قد تكون مُدارة عمدًا لتهيئة الشعوب الغربية لصراع عالمي جديد.

هناك تيارات صهيونية وإنجيلية مؤثرة في الغرب تعتقد أن حربًا كبرى، ربما عالمية، يجب أن تقع قبل "قدوم المسيح المخلّص"، مستندة إلى نصوص مثل نبوءة دانيال (11:40) وحديث النبي محمد ﷺ عن اقتتال "فئتين عظيمتين". هذه العقائد تُستَغل سياسيًا لتبرير دعم إسرائيل، وإشعال النزاعات في الشرق الأوسط، وربما إشعال حرب عالمية ثالثة تُقدَّم للشعوب على أنها "قدر مقدّس" أو "طريق للخلاص".

في الواقع، الفوضى الحالية ليست حتمًا نتيجة طبيعية للأزمات، بل قد تكون أداة لإعادة تشكيل النظام العالمي، وفرض أنظمة مالية وأمنية جديدة، وتبرير صراعات تعيد توزيع القوة والموارد لصالح نخب محدودة.

أمام هذه المخاطر، ندعو إلى موقف عربي موحّد، يرفض تحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، ويواجه الأجندات التي توظف الدين والسياسة لجرّ شعوبنا إلى صراع لا يخدم إلا القوى الكبرى.

على الشعوب والحكومات العربية أن تعي أن "الفوضى الخلّاقة" التي تُطبّق اليوم ليست سوى مرحلة جديدة من مشروع قديم يهدف إلى إضعافنا وإشغالنا، فيما تُعاد صياغة العالم على أنقاضنا .
سليم السعدي