كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


القدّيسة ريتا… حين يصبح المستحيل صديقًا للرجاء
بقلم: رانية مرجية

في زمنٍ تُقطّع فيه القلوب أكثر مما تُقطّع الخبز، في زمنٍ صار فيه الرجاء مجرّد هاشتاغ على صور مبتذلة، تظهر لنا ريتا — قدّيسة المستحيلات — كأنها همسة سماوية تقول: لا تيأسوا بعد، فهناك في الألم معنى، وفي الصبر قداسة.

ريتا… تلك التي وُلِدت بين جبال كاشيا الإيطالية في أواخر القرن الرابع عشر، لم تُولد وفي فمها ملعقة من فضة، بل وُلدت وفي قلبها مسمار. لا، ليس مجازيًا، بل مسمارُ الحياة. حُكم عليها بالزواج من رجلٍ عنيف، صعب الطباع، لا يعرف من الحنان سوى اسمه. ومع ذلك، لم تردّ القسوة بالقسوة، بل ردّتها بصبر الأنبياء… فأحبّها رغم صمته، وتغيّر رغم جراحها.

لكنّ الحياة لا تُكافئ الحالمين سريعًا. فحين قتلوا زوجها، وحين أراد أولادها الانتقام، لم تصلِّ القديسة من أجل موت أعدائها، بل صلّت أن لا يُدنّس قلبا ولديها بالكراهية. تخيّلوا أمًّا تصلي أن يأخذ الرب أولادها بدل أن تراهم قتلة. مَن غيرها قدّيسة في هذا العالم القاسي؟
من غيرها تفهم أن العدل الإلهي ليس انتقامًا، بل تطهيرًا؟

دخلت الدير بعد صراعاتٍ مريرة مع مجتمعٍ لا يسامح، وراهباتٍ لم يفتحْنَ لها الأبواب بسهولة. لكنها دخلت… لا لأنها اقتحمت، بل لأن السماء اقتربت منها واقتربت هي منها.

ريتا لم تصنع المعجزات لأنها أرادت الشهرة، بل لأنها نسيت نفسها في الألم. جُرحت في جبهتها كما جُرح المسيح، وبقي الجرح ينزف ثلاث عشرة سنة. رائحة الدم امتزجت بعطر الورود التي لم تذبُل. ريتا كانت وردة، لكنها لم تكن رومانسية… كانت وردة فيها أشواك الرجاء، وأوراق العذاب.


يقولون عنها: “شفيعة المستحيلات”،
وأنا أقول: هي شفيعة من لم يعودوا يصدقون أن في القلب مكانًا للرجاء.
هي ريتا التي لا تصنع لك المعجزات فحسب، بل تعلّمك أن تتقبّل الوجع دون أن تنكسر.
تعلمك أن تصرخ إلى السماء من تحت الركام، لا من فوق المذبح فقط.

في زمنٍ نرتّل فيه آيات التسبيح ونذبح بعضنا على أبواب الكنائس، نحتاج إلى ريتا.
نحتاج إلى تلك التي آمنت أن الله ليس صوتًا خارجيًّا، بل نبضًا داخليًّا.
إلى تلك التي حولت الألم إلى صلاة، والخذلان إلى انتصارٍ داخلي.

فيا ريتا،
يا وردة كاشيا،
يا من جعلتِ من العدم احتمالا،
يا شفيعةَ من لا شفيع لهم…
علمينا أن ننتظر، دون أن نموت من اليأس.