
كنوز نت - بقلم : سليم السعدي
في جنازة كلمة "عيب".. من يرث الحياء؟
- سليم السعدي
1. موتٌ ليس ككلّ موت
لم تكن كلمة "عيب" مجرد لفظٍ عابر في ألسنة الأمهات والجدات. كانت نبضًا أخلاقيًا، جرس إنذار داخلي، وجدار صدّ يحول بين الإنسان والانفلات. لكنها اليوم، غابت بهدوء، دون ضجيج، دون وداع لائق. رحلت كما ترحل القيم في زمن التبرير السريع والتغيير المُشوّه.
2. من هي "عيب"؟
كلمة صغيرة، ذات حرفين، لكنها كانت بمثابة سيدة الوقار. إذا نطقت، سكتت الأصوات. إذا حضرت، اختفت الفوضى. كانت "عيب" مربية اجتماعية لا تحمل عصًا، لكنها تؤثر أكثر من ألف قانون. لم تكن قمعًا كما يصورها البعض اليوم، بل كانت بصيرة فطرية تعلّمك ألا ترفع صوتك على أمك، أن لا تسخر من فقير، ألا تعبر عن جسدك إلا بستر، لا خوفًا بل احترامًا.
3. كيف عاشت "عيب" بيننا؟
•في البيت: كانت الأم تنظر بعيونها فقط، وتكفي تلك النظرة المملوءة بـ “عيب" لتقوم سلوكياتنا.
•في المدرسة: كان المعلم يُدرّس الأدب قبل اللغة، ويُلقّن الضمير قبل القواعد.
•في الشارع: لم نكن نلتقط صورة إلا ونحن نرتب هندامنا احترامًا لنظرة عابرة من جار أو عجوز.
•في العلاقات: كنا نتحفظ على بعض الكلمات، لا لأن القانون يمنعها، بل لأن "عيب" تردعها.
4. بدايات المرض: متى بدأت "عيب" تحتضر؟
بدأ الأمر حين صعدت فكرة "أنا حر" إلى العرش دون مرافقة من المسؤولية. صار كل نقد يُوصف بأنه "وصاية"، وكل تنبيه يُرجم بأنه "رجعية". ثم جاءت مواقع التواصل، لتجعل من الخصوصي عامًا، ومن الحياء عبئًا، ومن الوقار ضعفًا.
بدأنا نضحك علنًا على ما كنا نستحي أن نهمس به في خفاء. ثم صار كل شيء مباحًا، من اللباس إلى اللفظ إلى التصرف. وقفت "عيب" في الزاوية، تنظر حولها ولا أحد يصغي. كانت تنادي: "هذا لا يليق بكم"، لكنهم قالوا: "اصمتي... لقد تغيّر الزمن".
5. إعلان الوفاة: يوم دُفنت الكلمة
لم يُرفع لها نعش، لم يُقرأ عليها الفاتحة، لكنها دُفنت فعليًا. في كل مرة يُبرر فيها سوء الأدب باسم الحرية، يُهال على "عيب" حفنة تراب. في كل برنامج ترفيهي يسخر من الكبار، تُكسر ضلع من أضلاعها. في كل مشهد يُفرغ من الحياء، تُطفأ شمعة من حضورها.
ماتت "عيب" حين صار الإنسان لا يستحي من شيء، بل يفتخر بجرأته، ويطلب الإعجاب على "خرقه للسائد". ماتت حين تحوّلت الأخلاق إلى اختيارات لا توجيهات، إلى موضة لا قيم.
6. من يرث الحياء؟
برحيل "عيب"، لم يعد هناك رادع داخلي عند كثيرين. لكن السؤال هو: هل انتهى كل شيء؟ الجواب: لا. هناك من بقي من أبناء وبنات "الحياء"، يرثونها بفطرةٍ سليمة، ويعيدون صياغة صوت "عيب" بلغة العصر: لا قمع، بل وعي. لا إكراه، بل احترام للذات والآخر.
المجتمع اليوم محتاج لبعث جديد، لا للكلمة فقط، بل لجوهرها. ليس المطلوب إعادة إنتاج العيب كأداة خوف، بل استعادتها كبوصلة أخلاقية نابعة من القلب.
7. الختام: مرثية "عيب"
سلامٌ على كلمةٍ ربّت أجيالًا، ولم تترك لهم ديونًا. سلامٌ على صوتٍ كان يعلو دون أن يجرح، ينبه دون أن يفضح. سلامٌ على "عيب"، يوم وُلدت فطرية، ويوم احتضرت بين شاشات الهواتف، ويوم يُبعث الحياء من جديد، على يد من يعرف أن الحرية بلا خلق… خراب معلن.
فلنقم من عزاء الكلمات، ونبدأ من جديد.
سليم السعدي
كاتب وفنان فلسطيني
02/05/2025 10:33 am 607
.jpg)
.jpg)