كنوز نت - سيمون عيلوطي


تُراثنا الغنائيّ الفلسطينيّ إلى أين؟!(13)

  • سيمون عيلوطي
  • (الحلقة الثالثة عشر)

توضيح:

"دبَّاكي يا دبَّاكي" هي واحدة من الأغنيات التي اشتهرت في الناصرة، وغنَّاها كما جاء في حلقة سابقة المطرب خليل موراني، غنَّاها أيضًا المطرب صباح فخري، ولكنَّها جاءت عنده بكلمات أخرى، وبتصرُّف في اللحن، فأصبحت "يلبقلك شك الألماز".


أمَّا النَّقلة الابداعيَّة في الكلمات واللحن لنفس هذه الأغنية، فقد تمَّت على أيدي الأخوين رحباني، غناء فيروز، اخترتها لأدلل على ضرورة تطوير أغاني الفولكلور من ناحية، ولدعوة أصحاب الفن عندنا أن يسيروا هم أيضًا باتِّجاه هؤلاء الكبار على طريق التَّجديد وليس التَّقليد. ولعلَّ أغنية "البنت الشلبيَّة" التي أعدَّها الرَّحابنة لفيروز، تشكِّل المثل البارز لضرورة التَّجديد عند تناولنا لأغاني التُّراث، فهي بحسب الرَّحابنة تعود إلى التُّراث الحلبي، ويوجد من يقول إنَّها هنديَّة، وآخر يدَّعي أنها فارسيَّة، وهناك من يعتبرها إسبانيَّة، أمَّا الأتراك فقد سرقوها. مِنْ بين هؤلاء جميعًا لم نجد مَنْ يُخبرنا كيف دخلت على الأغنية مُفردة "شلبيَّة" المستعملة في اللهجة الفلسطينيَّة فقط، ولكن من الملاحظ أن النَّكهة في هذه الأغنية كانت تختلف من مطرب لآخر عند غنائها
مع أجراء بعض التَّجديدات التي أضافت إليها الكثير من الجمال، ما ساعد على انتشارها، وضمَّتها إلى التُّراث الإنسانيّ من بابِهِ الواسع.

هل يكفي أن نواصل تقديم تراثنا الغنائيّ كما هو بعفشه ونفشه؟

نلاحظ مِمَّا وردَ سابقًا أن إحياء تراثنا الغنائيّ الشَّعبيّ الفلسطينيّ لم يتوقَّف على مدى الخمسين سنة الماضية، ولم يزل المطربون والفنَّانون، لا سيَّما في الآونة الأخيرة، يُضاعفون من تقديمه. لكن السُّؤال الذي يطرح نفسه، هو: ألم يحن الوقت لأن نعمل على تطوير هذا الترُّاث الغنائيّ، وبالتَّالي عدم الاكتفاء بتقديمه كما هو بعفشه ونفشه، حتى من دون محاولة اختيار الأجمل منه؟، ثم هل إصرار بعض الأصوات الغنائيَّة على ساحتنا المحليَّة على تقديم هذا النَّوع من الغناء التُّراثيّ-الشعبيّ، نابع من سهولة هذا الغناء الذي لا يحتاج إلى قدرات صوتيَّة كغناء الموشَّحات والقصائد والأدوار، ولا يحتاج أيضًا، لكثرة ترديده وحفظه، إلى مراجعات كثيرة مع الفرقة الموسيقيَّة، ناهيك على أنَّ هذا الغناء يكفل تقديمهم للجمهور على أنهم من المحافظين على تراث شعبهم، وملتزمين بقضاياه الوطنيَّة على مختلف الأصعدة، وأنا لا أدَّعي عكس ذلك بالطَّبع، لكنَّني أقول إنَّ نسبة نجاح الحفلات المُخصَّصة لأغاني التُّراث مضمونة إلى حد كبير ، لا تنطوي على مغامرة الأغاني الخاصَّة بهذا المطرب أو ذاك، وهي بالتَّالي ليست بحاجة إلى إلزام إيّ طرف بدفع أتعاب المُؤلِّف والملحِّن وغيرهما.

فلماذا بعد ذلك كله لا يخوضون غمار هذا النَّوع من الغناء المُربِح من جميع النَّواحي... "وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّ الْقِتَال؟".

ثمَّ أن التَّطوير الذي أجراه البعض على أغنياتنا التُّراثيَّة، كان بطيئًا في حركته، مقارنة مع الكم الهائل من اجترار نفس تلك الأغاني، كما هي في الأصل، عند البعض الآخر، ولم يضف التَّطوير عند هؤلاء جديدًا يُذكر بالشَّكل المطلوب عند الإقدام على هذه الخطوة الهامة عامَّة.

    لمحة عن التَّجديد في أغاني التُّراث:

بعض الفنَّانين من حولنا في الوطن العربيّ تنبّهوا إلى ضرورة تطوير تراثهم الغنائيّ، فأخذوا يُسكنونه بقوالب جديدة سواء من حيث الكلمات، أو الَّلحن. حين ننظر إلى تجربة المطرب العراقيّ ناظم الغزالي، نراه قد وضع لمسات جديدة على الأغنيات التًّراثيَّة العراقيَّة التي غنَّاها، أذكر منها على سبيل المثال: "طالعة من بيت أبوها"، و "حيَّاك بابا "حيَّاك"، و "فوق النخل فوق"، و "قُلّي يا حلو"، وغيرها. حتَّى أغنياته الخاصَّة به، مثل: "أيّ شيء بالعيد أهدي اليكِ" فقد حرص أن تحاكي أجواء هذا التُّراث الخالد.


أمَّا التَّجربة الغنيَّة في هذا المجال، فقد رأيناها بأبهى تجلِّياتها في لبنان عند الأخوين رحباني اللذين لم يكتفيا بتقديم أغنيات تراثهما كما هو، بل عملا على تطويره وإلباسه ثوب العصر، إذا استمعنا مثلًا إلى أغنييِّ فيروز، "عَ الرُّوزنا"، و "تحت الرُّمانِة"، نجد روح التَّجديد ظاهرة في الأغنيتين، ولكنَّها جاءت بمهنيَّة عالية سايرت الطَّابع التُّراثيِّ الأصيل لهاتين الأغنيتين.

وهناك الكثير من الأغاني الخاصة بالأخوين رحباني، جاءت منسجمة تمامًا مع أجواء أغاني التُّراث اللبنانيّ، ما يُدل على وضوح الرُّؤية الفنيَّة لدى هذين الفنَّانين المتميِّزين.

إذا توقَّفنا عند الملحِّن الكبير بليغ حمدي، وهو صاحب النَّقلة الثَّانية في تجديد الموسيقى المصريَّة-العربيَّة، بعد سيِّد درويش، نجد أنَّ اعجابه بأغاني تراث بلاده، دفعه إلى العمل على تطويره خاصَّة تجربته في هذا المجال مع المطرب محمد رشدي الذي خصَّه بالعديد من الأغاني الشَّعبيَّة المُستَلهَمَة من "الفولكلور" الغنائيّ المصريّ، أذكر منها: "تحت الشَّجر يا وهيبة"، "عدويَّة"، "طاير يا هوى"، "مغرم صبابة"، وغيرها الكثير. كما أنَّه خاض نفس هذه التَّجربة مع الفنَّانة شادية حين طوَّر لها عن "الفولكلور" الغنائيّ الشَّعبيّ مجموعة من الأغنيات، منها: قولوا "لعين الشمس ما تحماشي"، "أبو عيون عسليَّة"، "آه يا أسمرانى اللون"، والقائمة تطول. نحو انطلاقة جديدة في الابتكار والإبداع

لم أضف جديدًا حين أقول: إنَّ هذا التصرُّف باللحن، أو هذا التَّطوير يُتيح المجال أمام المطرب الذي يشدو به أن يضيف هو من عنده شخصيَّته الفنيَّة، ويطبع بصمته الخاصَّة به بأسلوب الغناء، وبالشَّكل الذي يميِّزه عن غيره من المطربين.

فهل ستحظى أغنياتنا الفولكلوريَّة الفلسطينيَّة ذات يوم على أيدي فنَّانينا ومطربينا المحليِّين، على مثل هذا التَّطوير الذي يُجسِّد شخصيِّتهم، وينطلق بهم من ظُلمة التَّقليد والتَّقليديَّة، إلى نور الابتكار والابداع؟!.

 
(يتبع)