.jpg)
كنوز نت - خالديه أبو جبل - الجليل الفلسطيني
قراءة في قصة الخراف
قراءة في قصة الخراف "من المجموعة القصصية " دمشق الحرائق" للكاتب السوري المبدع زكريا تامر
- خالديه أبو جبل
زكريا تامر الحداد والكاتب السوري الذي يطرق بقلمه على اعوجاجات وانحناءات شعبنا بكل جرأة وبلا كلّل، كما يطرق بسندانه إعوجاج الحديد.
لكن المُفارقة أن الحديد يلين ويستقيم اعوجاجه ذات صهر وطرق، أمّا اعوجاجات وفجوات شعبنا أعيّت الأقلام والمحابر، في ظلّ ما يعيشه الإنسان العربي من جهل وتجهيل وفقر وتجويع وقمع للحريات، وسيطرة الفكر المتدين المتعصب، والذي هو أبعد ما يكون عن الدين، أمّا عن هيمنة الغرب على مقاليد الخارطة الفكرية والسياسية والدينية، والجغرافية والاقتصادية في شرقنا الكئيب فحدث ولا حرج ، وهي التي كان نتاجها إنسان خاضع مهزوم فاقد للارادة خانع مقهور.
نعوت قاهرة اختزلها الكاتب في كلمة واحدة هي عنوان قصتنا " الخراف" وهل أكثر من الخراف تدجينا ورضوخًا والتصاقًا بالقطيع؟
الخراف قصة تطرح قضيّة التعصّب الديني والغلّو والتدين تُنبّه وعي المتلقي لضرورة التغيبر...
من خلال سرد تم تطويعه للدلالة على موقف صريح ينتقد به واقعنا بقسوة...
يشّدنا من أولى كلماته التي توحي بالتنبيه والإستنفار، وجعلت مقدمة القصة تحمل الحدث الأهم، الذي ترتبت وتوالت على أثرها أحداث القصة.
حملّق، فعل ماضي يفيد بمعناه وطاقته الحاضر، ويثير في المتلقي الانتباه والذهول وحبّ الاستطلاع، تبعته أفعال مضارعه، تمشي، يغطي،...
استطاعت الطاقة الفعلية للجملة في المقدمة، أن تقول الكثير، وأن تقدح شرارة المفاجأة في مخيّلة المتلقي،( مذهولين يوم أبصروا عائشة الصبية ابنة عبدالله تمشي مرفوعة الرأس دون ملاءة سوداء......) كما استطاعت أن تضيء على المكان( الحارة)، وأفادت الإبهار " لا يغطي رأسها سوى منديل ذي لونين أحمر وأسود" والإضاءة الأهم على الشخصيات ، رجال الحارة المذهولين، وعائشة المرفوعة الرأس ، والتي لم تشفع رأسها المرفوعة بكرامة وثقة، من تداعيات اللونين الأحمر والأسود، بدلالتهما السلبية، الدم والحداد، فما تراه عائشة فكرا مستنيرا، يرونه رجال الحارة تمردا وشرا مستطيرا.
ولعل في إسم عائشة الكثير من الرمزيات، والتي تجعل المتلقي يسترجع قصة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها " حديث الإفك" وما اسم أبيها عبد الله إلّا للدلالة على تقوى الرجل وصلاحه...
يُتابع الكاتب سرده بلغة اتسّمت بالإنغعالية مُفعمة بالحدّة والتوتر ، من خلال جمل خبرية مقتضبة كثيفة" ولما غابت عائشة عن أعينهم، هزّوا رؤوسهم آسفين، واستولى عليهم استنكار شديد..."
سرعة في نقل الحدث وبراعة في تشكيل صور تعبيرية ورمزيّة بانسيابية رائعة.
"وما أن أقبل اللّيل حتى هرعوا الى بيت الشيخ محمد، وقبّلوا يده المعروقة، ورمقوا بحب وإجلال لحيته البيضاء"فاللّيل مرتّع للّخشوع... وقد يكون للمؤامرة والخنوع...! يدّه المعروقة... من كثرة التسبيح والصلاة! لحيته البيضاء... رمز الوضوح والاستقامة والنقاء...!
إذن فهم قد رفعوا شكوتهم الى راعي أمورهم ومدبّرها، فالحديث الشريف يقول: "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته"
فهل يصّح فينا حديثك يا رسول الله؟
هل صان فينا الراعي الأمانة وحفظها؟
أم كان السّبب فيما نحياه من ضلال وفتن؟
فها هو الشيخ يُخرج عائشة من ملّة المسلمين ، ويرى في خلعها للملاءة خروج عن الأخلاق والأعراف ..." لا أصدق ما أسمع ، عبد الله الحلبي رجلٌ ورع صالح لا تفوته صلاة، صدق من قال إن الوردة تلّد الشوكة" "ماذا نفعل يا شيخنا؟ أرشدنا"
الحث لاتخاذ القرار السريع، بسبب خطورة الموقف ، وللّحد من انتشاره.
وعلى هذا يستمر الكاتب بخطواته السريعة الإيقاع المتوافقة مع خطورة الموقف.
يُمارس الشيخ سلطته الدينية، لترسيخ مفهوم الطاعة، وقد سخّر له الكاتب لغة إفهامية إقناعية مباشرة واضحة"تحدثوا إلى أبيها أو إلى أخيها" وما أن كان مساء اليوم الثاني ،حتى كان الجو مكتّظًا بالمشاعر المتباينة .التي تستقطب المتلقي، غضب رجال الحارة وصدمتهم من موقف الأخ المُناصر لأخته. متهمين إياه بالطيش والحماقة، وما يزدهم ردّ الأب إلّا غضبًا وشراسة، من إجابة جاءت مُخالفة لكل توقعاتهم من رجل ورع!!
حيث تساءل ساخرًا" إذا ارتدت عاهرة ملاءة، فهل تصير شريفة فاضلة؟" في هذا المقطع جاءت رسائل الجمل الانفعالية قوية ذات دلالات استفهامية
تخفي وراءها الكثير، قال بصوت متهدج... هذا التهدج في الصوت دلالة على تلقي الضربة الأولى وعلى أثرها إعلان الحرب.
" في آخر الزمان .. النساء يهجرن الملاءات ويمشين في الطرقات حاسرات الرؤوس، مرتديات ثياب الرجال، فلا يستطيع المرء التفريق بين الرجل والمرأة" إذن فالخوف من خلع الملاءة ليس إلا خوفًا من التحرر ومن المساواة بين الرجل والمرأة ، هذه المساواة التي تقضي على أسُس العرض والطلب، التي تحوّل المرأة إلى بضاعة رخيصة، يُقدّر ثمنها بالنقد،( المال) ويكمل الشيخ ابتزاز مشاعر الرجال، وهذه المرة توسلا" يا رب نجّنا من ذلك اليوم المشؤوم" ليس اليوم الذي سيسلّط الله غضبّه على البشرية قطعا!!
إنه اليوم الذي ترفع به النساء رؤوسهن ليتنشقن نسيم الحرية، ليدركن أن ما يعشنّه من عبودية ، ما أنزّل بها كتاب ولا سنتها سنة.
تمتم الرجال بصوت واحد " آمين" " يا أيّها اللذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم" 59سورة النساء.
إنه استغلال سافر لايات الله ، يُطوعونه حسب أهوائهم، يؤججون فيها مشاعر البسطاء من الناس ، ويكرسون بهم الجهل والتخلّف والخوف.
في هذا التصعيد الإنفعالي والخطابي الذي برع به الكاتب، يصل الشيخ مراده في بثّ سموم قاتمة اللون ، حين جعل من أمّه وأخته وابنته وزوجته، مخلوق فاسد في طبعه، كافرا بقدسية ما خلق الله، مستغلا عمى الرّجال ، فيدخلهم ظلمات فوق ظلماتهم.
قال أحد الرّجال:" وإذا سكتنا اليوم ، فسيأتي يوم نجد فيه نساءنا كعائشة" هذه العبارة هي بيت القصيد في هذه القصة، إذ يعلم الرجل قدرة المرأة وقوتها في داخل نفسه، وانها إذا تحررت، ستنافسه في كلّ مجالات الحياة ، وقد تتفوق عليه وتبدع، وقد تنتزع حق القوامّة منه." الرجال قوامون على النساء..."
فمن الطبيعي أن تكون مصلحته في إقصائها وكبتها، تحت ذريعة الدين والشرف والأخلاق.
وقد استطاع أن يعزف عزفه النشاز على وتر العلاقات الجنسية، ويُعزّز مسؤولية المرأة عن وقوع الرجل في الزنى، وهنا يُقّر بطريقة غير مباشرة بحيوانية الرجل وانحسار تفكيره في الجنس أنى كان.
"..تخيلوا ما سيحدث إذا مشت المرأة دون ملاءة سيظهر جسدها بكل تقاطيعه، وإذا نظر إليه الرجل فسيغويه إبليس ، ويجعله راغبًا في الزنى" وكأنه غير مُطالب بغض البصر!
" يا أولادي وإخواني، الساكت عن المنكر كمرتكب المنكر، فاعملوا ما ترونه صوابًا والله الموفق"
نداءٌ فيه التحبب والتزلّف، لدرجة الاستعطاف، يتبعه أمر مضمونه مخفي مفهومه معلن.
الرخصّة ببدء العمل بين أيديهم ، ولهم حق التصرف بأي طريقة يروونها مناسبة... يدخلون الباب القذر ، بحجة الحفاظ على الشرف ، يعتدون على الشرف، فهو الطريقة الأسهل والأقرب لاستفزاز عائشة وأهلها.
يوظفون ثلاثة من الشبان لتحقيق الهدف ، والذي كان مفاده ترحيل عائشة وعائلتها من الحي وقاية من شرها!
فيتعاملون معها كبائعة هوى ، يساومونها على شرفها وهم مدركون لعفتها، لكنهم مدركون أكثر لخطتهم، حين يصل الأمر لأخيها ، وتثور حفيظته بلسان من يعقل الأمور ويفهمها بلغة إنفعالية إستفهامية خاطبهم:" ألا تخجلون؟ لماذا تحرشتم بأختي ؟ أليس لكم اخوات بنات؟"
فكان الرد بلغة آمرة إستعلائية نافيّة إذ قال أحد الشبان" إخرس، واحد حقير مثلك لا يجوز له الكلام عن أخواتنا الشريفات" تلك هي أكثر الطرق استفزازا نفي الشرف ونفي الرجولة ، لتقود الى قتال باتت فيه الغلبة للأكثرية أمرا حتميّا.
أمّا ما أنهى بّه الكاتب قصته من كلام فجاء ليصف الواقع الذي وإن تزحزح قليلا إلى الأفضل ، إلا أن الظلام والظلاميين لا زالوا ملوك الموقف...
ولا زال الإنقياد الأعمى يغشى السواد الأعظم من شرقنا الكئيب، ولا تطلع شمس وتغيب إلا وكان اللون الأحمر والأسود يغطيان سماءنا ببشاعة وألم.
" ولما غابت الشمس وأقبل ظلام الليل، اصطفّ رجال حارة السعدي وراء الشيخ محمد، وأدوا صلاة العشاء بخشوع بينما كانت عائلة الحلبي ترتدي ثياب الحداد"
خالديه أبو جبل
الجليل الفلسطيني
27/3/2023
30/04/2023 03:59 pm 800
.jpg)
.jpg)