
كنوز نت - محمد البريم
- الحلقة الرابعة والأخيرة
العوامل المانعة لتأسيس دولة فلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية
- د. محمد جبريني
يعتقد الإسرائيليون أن لدى منظمة التحرير الفلسطينية وثيقتين توجهان عملها للمدى البعيد، وقد صُودِقَ على الوثيقتين في مؤتمرين هامين للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة -الأول لدى تأسيس المنظمة عام 1964، والثاني بعد ذلك بعشر سنوات.
الوثيقة الأولى: الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي يتضمن الهدف السياسي المتمثل بالقضاء على إسرائيل. والوثيقة الثانية هي: مشروع المراحل ويتضمن تفصيلاً للأسلوب الذي يؤدي إلى تحقيق الهدف الأساسي. وقد صيغت في إطار الوثيقتين مجمل الحقوق التي يسعى الفلسطينيون إلى تحقيقها.
- 1. خدعة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني:
يقول "نتنياهو" بإن الحرب المستقبلية، التي تعتزم منظمة التحرير الفلسطينية المبادرة إليها من داخل الدولة الفلسطينية التي ستقام في الضفة والقطاع، ليست السهم السام الوحيد في جعبة أسهم المنظمة. فقد وضعت المنظمة على رأس قائمة مطالبها، مطلبان آخرين هما "حق العودة" و"حق تقرير المصير".
1. حق العودة:
إن تنمية هذا الحلم الخيالي، لدى أجيال متعددة من الأولاد المحاصرين في مخيمات اللاجئين، يُعتبر من أبشع المؤامرات التي قامت بها المنظمة منذ نشأتها. ففي هذه المخيمات، تحمّل المنظمة إسرائيل مسؤولية التعاسة الإنسانية التي تسببت بها الدولة العبرية عندما رفضت استيعاب اللاجئين. إن استمرار وجود المخيمات يضمن عدم التئام جرح عام 1948، صحيح أن كثيرين من اللاجئين تركوا المخيمات واندمجوا في المجتمعات العربية المحيطة بهم، لكن الكثيرين أيضاً أُرغموا على البقاء في هذه المخيمات، نتيجة لضغوط من جانب منظمة التحرير والدول العربية.
في تلك المخيمات، علّمت المنظمة أبناء اللاجئين أن الطريق الوحيد للخروج، هو العودة إلى حيفا ويافا– وهكذا ضمنت المنظمة لنفسها جيلاً جديداً من المجندين لصفوف منظمات "القتلة". وهكذا أصبحت مخيمات اللاجئين سلاحاً سياسياً، هدفه إذكاء الطموح لتحقيق "حق العودة"، وإثارة معارضة الدول الغربية لهجرة اليهود إلى إسرائيل.
خلاصة القول، يُكرر العرب باستمرار القول، كيف أن العربي الذي وُلِد في يافا، لا يستطيع العودة إلى أرضه، في حين أن يهودياً من أوديسا، والذي لم يسبق أن وطأت قدمه إسرائيل، يستقبل هنا بالترحاب؟
لذا، فشعار "حق العودة" ما هو سوى خدعة هدفها القضاء على الدولة اليهودية. لم يسبق أن تخلت منظمة التحرير الفلسطينية عن مطالبتها بحق العودة، ولا يزال هذا الطلب على رأس شروط السلام التي تضعها المنظمة. لقد أوضح عرفات هذه المسألة جيداً بقوله: "لن تنتهي الثورة الفلسطينية، إلا بعد الحصول على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق العودة". كما أن موافقة المنظمة على حق إسرائيل في الوجود (وفقاً لقرار 242) مشروطة بحق العودة للفلسطينيين. وبنفس المعنى، تحدث "عرفات" عام 1991، مؤكداً أن حق العودة هو شرط مسبق لتحقيق السلام في الشرق الأوسط كله: "لن يحل السلام والاستقرار في المنطقة طالما ظلوا يتجاهلون الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والتي لا يمكن التخلي عنها، وبضمنها حق العودة، وحق تقرير المصير، وانشاء دولة مستقلة عاصمتها القدس".
2. حق تقرير المصير:
يقول "نتنياهو": "إن مصطلح (تقرير المصير) موجه إلى الجمهور العربي في إسرائيل، الذي سيطالب هو أيضاً، بعد إقامة الدولة الفلسطينية، بحق تقرير المصير (أي الاستقلال)، في المناطق التي توجد فيها أغلبية عربية، مثل الجليل والنقب. وإذا كان اقتطاع هذه (الأعضاء) لن يؤدي إلى نهاية دولة إسرائيل، فإن (حق العودة) سيضمن إغراق ما تبقى من اليهود في فيضانات اللاجئين العرب".
فيما يقول الناشط الصهيوني "أهارون ليفران"، بشأن التأثير الخطير لتأسيس الدولة الفلسطينية على عرب إسرائيل، بأن واحدة من المخاطر الجسيمة التي تُشكلها إقامة دولة فلسطينية على إسرائيل هي إمكانية تجنيد المواطنين العرب في إسرائيل للانضمام إلى المعركة المستمرة ضد الدولة اليهودية.
قطاعات واسعة من السكان العرب الإسرائيليين الذين يصطفون وطنياً مع أخوتهم في "المناطق" مهيأة، للانضمام إلى المعركة بسبب مشاعر ذاتية من التمييز والنزعات المتطرفة.
فبعد ثلاثة أشهر من توقيع اتفاق القاهرة عام 1994، وبعد أن منحت حكومة "رابين-بيريس" قواعد لــ "عرفات" في غزة وأريحا، وجه "عرفات" رسالة إلى العرب الإسرائيليين مبيناً أن ... أنشطة السلطة الفلسطينية سوف تنتشر داخل حدود إسرائيل، وسوف يركز على العرب الفلسطينيين في الداخل. وبأنه سيوكل هذه المهمة لأحمد الطيبي (عضو كنيست عربي) ... يجب أن يتحقق ذلك في تكتم، وبعيداً عن وسائل الإعلام ورجال الدولة.
ومن جانب آخر يقول الباحث "ديفيد ماكويل"، تتركز إحدى أبرز المخاوف الإسرائيلية على ردة فعل العرب الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية عند تأسيس دولة فلسطينية في الجوار. ويذهب أحد التقديرات الموثوق بها إلى أن نسبة الفلسطينيين في إسرائيل ذاتها ستزيد مع مرور الوقت وتصل إلى أكثر من ربع السكان. والحق أنهم يُشكلون الآن أكثرية في بعض المناطق. فالبقعة الواقعة شمالي الخط الممتد من شمالي حيفا إلى الضفة الغربية قد باتت فلسطينية بنسبة تفوق 50% منذ أواخر عام 1985.
ومن المقدر أن تغدو النسبة 60% مع مرور الوقت. ومما يزيد الأمور تعقيداً، من المنظور الإسرائيلي، أن بعض هذه المناطق قد خُصّص للدولة العربية في مشروع التقسيم لسنة 1947، ومن ضمن ذلك بعض أجزاء الجليل.
أما الباحث "بول لالر" فيقول، إن الفلسطينيين في إسرائيل ما زالوا يعملون إجمالاً ضمن أطر الدولة الإسرائيلية ومقاييسها، فقد تحوّلوا إلى مزيد من التطرف من جرّاء اتصالهم بأهالي الضفة والقطاع منذ سنة 1967، ومن جرّاء ما يعانوه من حرمان اقتصادي واجتماعي قياساً بمستوى المعيشة في إسرائيل. فإسرائيل تخشى أن ينضم هؤلاء، في آخر المطاف، إلى إخوانهم بالأراضي المحتلة في المطالبة بحق تقرير المصير، لا سيما في الجليل حيث قد يُوفّر مشروع التقسيم لسنة 1947، سابقة قانونية لمطلب الانفصال. ويُثير هذا الإمكان شبح انتفاضة داخل إسرائيل نفسها، سيكون من الصعب جداً احتواؤها.
ويُلخص "نتنياهو" مواقفه من منظمة التحرير والحقوق الفلسطينية المشروعة بالقول، إن الثلاثي، غير المقدس، هذا، والمتمثل بالأهداف العليا للمنظمة (دولة مستقلة، وتقرير مصير، وحق عودة) وإلى جانبها أدوات التنفيذ الثلاثية (الميثاق الوطني الفلسطيني، ومشروع المراحل، والكفاح المسلح) تُشكل معاً عقيدة منظمة التحرير الفلسطينية، منها يستمد تلاميذها وأعوانها توجهاتهم، وإيحاءاتهم، وأهدافهم أيضاً؛ المتمثلة بالجهاد، وهدفها تدمير دولة إسرائيل بصورة نهائية. وحتى بعد بدء مفاوضات السلام بين إسرائيل والعرب في مدريد عام 1991، ظل "عرفات" يمتدح "الجهاد"، حلمه المنشود منذ تأسيس منظمة التحرير عام 1964.
- ب. السلام وسيلة لاسترداد الأراضي:
ويُعمم "نتنياهو" عدم ثقته بالعرب ويقول، إن بعض الزعماء العرب الذين يعلنون رغبتهم في تحقيق السلام، لا يعتبرونه هدفاً في حد ذاته، إنما مجرد وسيلة فقط، لاسترداد الأراضي التي فقدوها في الحرب، أو لضمان الحصول على مساعدات عسكرية من الغرب. إن السلام في نظر الكثيرين من الزعماء العرب، هو مجرد كلام يُقصد به تحقيق غاية ما. الأمر الذي يجعل بالإمكان التخلي عن السلام بالظروف المناسبة، وقد لا تطول المدة التي يحل فيها السلام. وهكذا، يمكن التوقيع على اتفاقية سلام اليوم، والتنكر لها غداً. بعد الحصول على ثمن هذا السلام، وهذا الأسلوب "المرن" لتحقيق السلام يتناقض مع أسلوب مواطني الدول الغربية، وبضمنهم الإسرائيليون، الذين يعتبرون السلام هدفاً لا يرقى إليه الشك.
ويضيف، إن بعض العرب الذين تنسجم وجهة نظرهم بشأن السلام، مع النظرية الغربية، يجدون أنفسهم في مواجهة مع شرائح مهمة من المجتمع العربي. فنظرية السلام التي تفهمها هذه الشرائح، تنسجم مع السلام الذي يعرضه عرفات على إسرائيل: "سلام صلاح الدين"!، وما هو إلّا هدنة تكتيكية في حرب مستمرة، أو أنه كما قال في مسجد جوهانسبرغ عام 1994، "لا يتعدى الاتفاق الذي وقعه النبي محمد مع قبيلة قريش". أي سلام مؤقت، تمهيداً للقضاء التام على العدو.
وفي نفس السياق كانت "جولدا مائير" قد قالت أن سيناء وقطاع غزة، والضفة الغربية، والجولان، وشرقي القدس، كانت عام 1967 بأيدي العرب، لذلك فمن السخرية استمرار الجدال بأن الوجود الإسرائيلي على تلك الأراضي منذ عام 1967 كان سبب التوتر في الشرق الأوسط، أو كان سبب حرب يوم الغفران (حرب تشرين أول عام 1973). وعندما يصر العرب على انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل حزيران عام 1967، فمن المتوقع أن يتساءل المرء:
إذا كانت تلك الخطوط مقدسة عند العرب، فلماذا خاضوا حرب الأيام الستة لتدميرها، فقد عُقد في آب عام 1967، مؤتمر قمة في (الخرطوم)، وناقش المؤتمرون الوضع الراهن، وأقروا بإصرار ثلاث لاءات (لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات مع إسرائيل)، وأكدوا وجوب انسحاب إسرائيل دون قيد أو شرط من الأراضي التي احتلتها في حرب الأيام الستة، وأضاف المجتمعون عبارة تنص على وجوب تدمير إسرائيل حتى ضمن حدود 1948، وكان هذا موازياً لقرار إسرائيل: "لنعش بسلام ومساواة، وليكن لقاؤنا مختلفاً عن مواقف الغالب والمغلوب، ولنتفاوض للسلام، ولننسى من الذي بدأ الحرب، ولننسى من الرابح". بالنسبة للعرب، لم يتغير من قراراتهم شيء، لكن إذا لم يتعلموا شيئاً، فنحن قد تعلمنا الكثير من الأشياء، خاصة وأننا لم نكن مستعدين لإعادة ما حصل عام 1956. نعم للمفاوضات والتسوية، ولا ثم لا للعودة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967.
إجمال:
يرى رافضو الدولة الفلسطينية من الإسرائيليين أن دولة فلسطينية متطرفة، أو دولة فاشلة، من شأنه أن يضيف مصدراً رئيساً آخر لعدم الاستقرار في المنطقة. من دون حكومة مستقرة ذات سيادة تمتلك الاحتكار الفعّال للاستخدام الشرعي للقوة، يمكن أن تصبح مثل هذه الدولة ملاذاً لميليشيات ولجيوش غير حكومية صغيرة، والتدريب على "الإرهاب" في الشرق الأوسط. سيكون لإيران وحلفائها عندئذٍ، تأثيراً مزعزعاً للاستقرار وسيؤثر جداً على ميزان القوى في المنطقة. أكثر من خمسين عاماً من "الإرهاب" والعنف الفلسطيني، وغالباً بالتنسيق مع الجماعات المتطرفة والدول العربية؛ لم يُبقِ مجالاً كبيراً للتفاؤل بشأن التأثير الإقليمي للدولة الفلسطينية. وأي نظرة واقعية لتأثير الدولة الفلسطينية ستوصل لاستنتاج سريع بأن مثل هذه الدولة سوف تُصبح بسرعة متحالفة مع نفس القوى المتطرفة التي دعمت (وغالباً ما توجه) مختلف الجماعات الفلسطينية على مرِّ السنين. تاريخ التعاون والمصالح المتبادلة بين الفلسطينيين وقادة الدول الراديكالية في المنطقة قوي وعميق ولا يمكن تجاهله. على هذا الأساس، فإن إنشاء دولة فلسطينية من المرجح أن يُفاقم التوترات والصراعات في المنطقة. وستكون هذه الدولة مركزاً "لـلإرهاب" والتطرف، ومع سيطرة تلك الدولة المتحالفة مع أعداء إسرائيل على الأراضي المحاذية لإسرائيل، فإن ذلك سيزيد التحديات العسكرية في السياق الإقليمي الأوسع.
13/04/2023 02:05 pm 877
.jpg)
.jpg)