
كنوز نت - محمد البريم
الحلقة الثالثة
العوامل المانعة لتأسيس دولة فلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية
- د. محمد جبريني
الفقرة الثانية: تهديد سياسي
يعتقد الكثير من الإسرائيليين أنه بعد أن فشل العرب بالقضاء على إسرائيل، وخصوصاً بعد هزيمة حرب عام 1967، والنتائج المحدودة التي حققوها في حرب عام 1973. تولد لديهم اعتقاداً بأنهم غير مضطرين للتسليم بوجود إسرائيل، وأن باستطاعتهم مواصلة السعي للقضاء عليها، وإن لم يكن بمقدورهم تدمير إسرائيل ضمن حدودها الحالية، فيجب إعادتها أولاً إلى الحدود الضيقة التي سبقت حرب الأيام الستة عام 1967، ومن ثم شن هجوماً مدمراً على "الدولة اليهودية"، وهو ما عرف بنظرية المراحل.
ومن أجل إعادة إسرائيل إلى خطوط عام 1967، يجب العمل ضدها عن طريق الدمج بين الهجمات "الإرهابية" والعنف، ومن ثم الانتفاضة. بالإضافة إلى ممارسة ضغوطاً عربية على الدول الغربية التي ستحمل إسرائيل على الانسحاب؛ وهو ما جعل الكثير من الإسرائيليين لا يثقون بمنظمة التحرير الفلسطينية ويعتقدون بأن خطتها الجديدة المغلفة بالاعتدال التكتيكي تنطوي على تهديد سياسي بالغ ضد إسرائيل.
أولاً: نظرية المراحل
تبنت منظمة التحرير الفلسطينية وفقا "لنتنياهو" بشكل رسمي "نظرية المراحل" في 8 حزيران/ جوان عام 1974، وبناءً على هذه النظرية؛ تُقيم منظمة التحرير الفلسطينية في المرحلة الأولى دولة فلسطين على أية منطقة من الأرض يُخليها "العدو الصهيوني". وفي المرحلة الثانية، يتم إبرام أحلاف عسكرية بين دولة فلسطين، وبين دول المواجهة الأخرى، بغية شن هجوماً مشتركاً على إسرائيل المصغرة، لتدميرها.
1. تدمير إسرائيل:
لاحظ الكثير من الإسرائيليين أنه طيلة مدة حكم المملكة الأردنية للضفة الغربية، الذي استمر نحو 19 عاماً، لم يتفوه الحكام العرب أو أجهزة الدعاية العربية بأي كلمة عن "وطن" للعرب الفلسطينيين في الضفة الغربية، ولا عن "حقوقهم المشروعة". وكذلك الحال بالنسبة للحكم المصري في قطاع غزة. وعندما كان الزعماء العرب يتحدثون عن "حقوق الفلسطينيين"، كانوا يقصدون دائماً إسرائيل داخل حدود عام 1948؛ أي حيفا ويافا وعكا، وكان الاستنتاج الطبيعي لهذه الأقوال واضحاً: لكي نحقق تلك "الحقوق المشروعة" يجب أولاً تدمير إسرائيل.
ويجتزء الكثير من السياسيين الإسرائيليين بعض أقوال القادة الفلسطينيين لإثبات استنتاجهم بشأن نوايا العرب والفلسطينيين، فها هو ياسر عرفات يقول: "إن مسألة الحدود لا تعنينا، ففلسطين ليست سوى نقطة واحدة في المحيط العربي الواسع...، أمتنا، هي الأمة العربية الكبرى الممتدة من المحيط الأطلنطي إلى البحر الأحمر وما وراءه". وكذلك قال زهير محسن، عضو اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية: "لا يوجد فرق كبير بين أردنيين، أو فلسطينيين، أو سوريين ولبنانيين، كلنا شعب واحد". ولكن بعد حرب الأيام الستة (1967) بوقت قصير، بدأ العالم العربي يتحدث عن الشعب الفلسطيني الذي أُحتلت أراضيه، وكأن أمة فلسطينية قد خُلِقت فجأة من العدم.
ويقول "نتنياهو" بهذا الصدد، قبل كل شيء؛ تُعتبر إسرائيل في نظر الميثاق الوطني الفلسطيني، كياناً غير شرعي. وبناء على مبدأ أن (قيام إسرائيل باطل) فهذا يعني إلغاء وجود الدولة اليهودية، دون أية علاقات لحدودها وحجمها. فهكذا ألغت المنظمة بمسحة يد، تعلق الشعب الإسرائيلي بأرض إسرائيل طيلة 3500 سنة، منذ عهد "التناخ" وحتى "وثيقة الاستقلال". ويخلص "نتنياهو" إلى أن الهدف الأساسي لميثاق المنظمة هو القضاء على وجود إسرائيل. ويُعزز ما خلص إليه بالقول:
بدأت حرب العرب ضد اليهود في مطلع القرن العشرين، وتؤكد المنظمة ذاتها، أن تبلور الوعي الفلسطيني ومقاومة الاستيطان اليهودي بدأ في العشرينيات والثلاثينيات، وهي الفترة الحاسمة التي سبقت قيام دولة إسرائيل. وطيلة تلك السنوات، شنت عصابات عربية هجمات دامية على المستوطنين اليهود، وقتلت معارضيها المعتدلين في الوسط العربي، ورفضت كل التنازلات ومحاولات السلام من جانب اليهود.
ورغم أنه قُتل في تلك الحرب الوحشية والطويلة مئات اليهود، فإن أحداً لم يذكر أياً من الذرائع التي تُسْمع اليوم لشرح أسباب العداء العربي لإسرائيل:
في تلك الفترة، لم يكن هنالك "لاجئون"، ولا "مناطق محتلة"، أو "حدود". زِد على ذلك، أنه لم يكن مطروحاً نهائياً مبدأ "تقرير المصير" الفلسطيني أو العربي؛ إذ في تلك الأيام، لم يقل العرب أن هذا هدفهم. حتى أنهم رفضوا الاستقلال الذي عُرض عليهم، بمقتضى قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947. وفعلاً، لم يكن النزاع يتغذى من هذه العناصر، بل من الرفض العربي لأي وجود يهودي، مهما كان، في إسرائيل.
- 2. أسباب تحول موقف منظمة التحرير من إسرائيل:
يقول "نتنياهو" بأنه في مطلع عام 1988، انحدرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى أسفل نقطة وصلت إليها منذ تأسيسها؛ إذ لم تستطع من موقعها النائي في تونس أن تطبق دعوتها لمواصلة الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وبدأت تندفع بسرعة نحو مكانة سياسية عديمة التأثير والأهمية. وفي مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في عمان في تشرين الثاني 1987، لم تعد القضية الفلسطينية تمثل المركز الأول على جدول أعمال المؤتمر (كان الموضوع الرئيس في المؤتمر، الحرب الإيرانية–العراقية التي كانت قد دخلت آنذاك عامها الثامن).
قررت منظمة التحرير الفلسطينية تغيير صورتها "الإرهابية" لدى الغرب بسرعة وبصورة جذرية، وإيجاد طرق أخرى تثبت فيها أنها لا تزال قادرة على تحرير فلسطين. واتضح للمنظمة أنه لكي تكون مقبولة لدى الدول الغربية، لا يكفي أن تنفي تورطها في الأعمال "الإرهابية"، إنما يجب عليها أن تُثبت للولايات المتحدة أنه طرأ تغييراً أساسياً أيضاً، في نظرتها تجاه إسرائيل. لذا، بدأ الناطقون بلسان المنظمة يستخدمون صيغاً تُعبّر عن هذا التوجه لدى مخاطبتهم العالم الغربي، في حين كان كل ناطق عربي يستطيع تفسير هذه الصيغ بصورة مختلفة من حيث الغاية.
وكما هي الحال في كل واحدة من الاستراتيجيات السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان الهدف الرئيس للمنظمة من لعبة "الاعتراف بإسرائيل" وفقاً للاعتقاد الإسرائيلي هو كسب ود واشنطن؛ إذ قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بوقت طويل، كان قد أدرك كثيرون من زعماء المنظمة أن الطريق لممارسة الضغط الحقيقي على إسرائيل لا تمر عبر الكرملين، إنما عبر البيت الأبيض، والرأي العام الأمريكي.
ويُحلل "نتنياهو" الاستراتيجية الفلسطينية التي اعتمدتها منظمة التحرير والقائمة على مبادئ التقليص والتشويه التي تبنتها الدعاية العربية، التي أثبتت فعاليتها دون أدنى شك، بعد أن تم تقليص النزاعات في الشرق الأوسط لتقتصر على الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. وإبراز المنظمة كطرف يُمثل حلول الوسط والسلام في النزاع، في حين تُمثل إسرائيل العقبة أمام تحقيق السلام". ويستعرض "نتنياهو" خطة منظمة التحرير على هذا الصعيد:
بعد أن تنتهي هذه المرحلة من الإقناع بصورة ناجحة، ستشرع الولايات المتحدة بإجراء اتصالات مع منظمة التحرير "المعتدلة"، وتُمارس الضغط على إسرائيل "الرافضة". ولكن كي تنطلق هذه الحملة يتوجب على منظمة التحرير تجاوز حاجزاً مرتفعاً. ففي عام 1975، وقع وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، هنري كيسنجر، على مذكرة مع إسرائيل، تلزم الولايات المتحدة بالامتناع عن إجراء مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية طالما لم تعترف الأخيرة بحق إسرائيل بالوجود، وبقرار الأمم المتحدة رقم 242. وفي وقت لاحق، التزمت الولايات المتحدة أيضاً بعدم إجراء اتصالات مع المنظمة، إلاّ في حالة توقفها عن ممارسة أعمال "الإرهاب".
لذا، ومن أجل تجاوز هذه العقبة، ولكي تكون المنظمة مقبولة كطرف في الحوار مع واشنطن، كان يجب عليها أن تُخفي هدفها (القضاء على إسرائيل)، وتدين (الإرهاب) التي ظلت تنادي به، الأمر الذي جعل المنظمة تقر "الاعتدال" وتختار تكتيك اللغة المزدوجة، والتصريحات التي تستطيع نفيها بسهولة أمام الجماهير العربية.
وفي عام 1988، تم التحول أخيراً إلى صيغة الخلاص التي جعلت منظمة التحرير تحظى بالأمل المنشود من الولايات المتحدة. لقد تجادل عرفات حتى اللحظة الأخيرة حول كل نقطة في ورقة التفاهم مع الولايات المتحدة، حتى تم الاتفاق أخيراً على صيغة تُرضي الطرفين. وكان من المقرر أن يُدلي عرفات أمام المجلس الوطني الفلسطيني الذي سيعقد في الجزائر في نفس العام، بتصريح يكون مقبولاً لدى الولايات المتحدة، ثم بعد ذلك ببضعة أيام، يُكرر تصريحه مع بعض التعديلات المتفق عليها مع الأمريكيين خلال مؤتمر صحفي في جنيف. وفي المقابل، كان من المقرر أن تشرع الولايات المتحدة بإجراء حوار مع المنظمة.
ثانياً: انعدام الثقة بمنظمة التحرير الفلسطينية
ونتاج فهم "نتنياهو" لاستراتيجية وخطط ومناورات منظمة التحرير الفلسطينية عبّر في مناسبات عديدة عن عدم ثقته بها لسوء ما تضمره من نوايا تجاه إسرائيل:
خلال السنوات الأولى التي تلت تأسيس المنظمة عام 1964، آمن زعماؤها بإمكانية القضاء على إسرائيل بضربة واحدة، إن تمكنوا فقط من التسبب في اندلاع حرب شاملة بينها وبين الدول العربية. حتى أن هزيمة العرب عام 1967، على فداحتها، لم تُقنع المنظمة بضرورة التحوّل عن هذه السياسة. لقد كانت المنظمة متأكدة وواثقة من أن الدول العربية ستعيد تسليح نفسها، وتستأنف الهجوم على إسرائيل. وهكذا فعلت مصر وسوريا في حرب "يوم الغفران" عام 1973 فعلاً. غير أن نتائج تلك الحرب كانت بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية مخيبة للآمال، أكثر من حرب 1967. فالملك حسين، فضّل عدم الانضمام لحرب 1973، وإسرائيل، كانت تتمتع بعمق استراتيجي في الجولان وسيناء، مكّنها من امتصاص الهجوم العربي المفاجئ. وعلى الرغم من ظروف بدء الحرب القاسية جداً، ففي غضون ثلاثة أسابيع، كان الجيش الإسرائيلي يقف على أبواب دمشق والقاهرة. وهنا بدا لمنظمة التحرير، أن أحلامها بشأن تحرير حيفا وعكا أصبحت صعبة التحقيق أكثر من أي وقت مضى.
بعد هزيمة العرب في حرب "يوم الغفران" ببضعة أشهر، اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة لإعادة تقييم الوضع. وفي ضوء نتائج الحرب، توصل المجلس إلى استنتاج يقضي بأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بإسرائيل من خلال هجوم عسكري جبهوي على حدود ما بعد 1967. لذا فإن هنالك ضرورة لمرحلة انتقالية، تعود فيها إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967، التي من خلالها فقط يصبح بالإمكان توجيه ضربة مميتة لها. وهكذا، وُلِد مشروع المراحل الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني في ذلك المؤتمر عام 1974.
- وكان لمشروع المراحل مبدآن أساسيان وفقاً لـ "نتنياهو" هما:
أولاً؛ تُقام دولة فلسطينية في أي منطقة تنسحب إسرائيل منها (بند/2):
(تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل، وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها. وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله).
ثانياً؛ الدولة التي ستقام، تُستخدم قاعدة لهجوم عسكري شامل على إسرائيل المقزّمة (بند/8):
(تناضل السلطة الوطنية الفلسطينية بعد قيامها، من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، كخطوة على طريق الوحدة الشاملة).
ويرجع "نتنياهو" للوراء ويُحلل أسباب التحول في موقف المنظمة ويقول:
في عام 1987، بلغت المنظمة مرحلة متقدمة من "التعفن"، الأمر الذي تطلب منها العمل بسرعة على ايجاد دمج جديد بين العنف والدبلوماسية بغية إنقاذ مكانتها. عندئذ اندلعت الانتفاضة، لم تُبادر المنظمة إليها، لكنها أثارت المنظمة وبعثت فيها حياة جديدة، وهدفاً جديداً. وقد نجم عن الانتقادات اليومية التي تعرضت لها إسرائيل ضغطاً شديداً لإرغامها على إخلاء الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي جعل مؤيدي مشروع المراحل في المنظمة يتفوقون على المشككين فيه.
كان واضحاً بالنسبة لمؤيدي مشروع المراحل، أن الضغط الدعائي الذي نشأ في أعقاب الانتفاضة قد يساعد على تجنيد الولايات المتحدة في سبيل تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع -إقامة دولة بزعامة المنظمة في الضفة والقطاع. وهكذا حُسم الخلاف نهائياً في مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني الذي عُقد في الجزائر عام 1988، حيث اتحدت كافة الفصائل الرئيسة في المنظمة وراء عرفات وأبو إياد (صلاح خلف)، وتبنت نظرية القضاء على إسرائيل على مراحل. كانت نتائج مؤتمر الجزائر نصراً شخصياً لأبي إياد، الذي كان أكبر مؤيد لهذه الاستراتيجية، فقد قال أبو إياد عام 1987: "وفقاً لمشروع المراحل، نُقيم دولة فلسطينية في أي جزء من فلسطين ينسحب العدو منه، وستكون الدولة الفلسطينية مرحلة في نضالنا المستمر لتحرير كل أرض فلسطين، ولن نستطيع تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل بإقامة دولة فلسطينية في كل فلسطين دون أن نُقيم أولاً دولة فلسطينية على جزء من الأرض". وبعد بضعة أيام فقط من "اعتراف" المنظمة بإسرائيل، في جنيف، أوضح أبو إياد النوايا الحقيقية للمنظمة بقوله: "في البداية، دولة صغيرة، وبعون الله ستكبر وتتسع شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً... إنني أريد تحرير فلسطين خطوة، خطوة". وفي مناسبة أخرى قال أبو إياد باختصار: "ستكون الدولة الفلسطينية نقطة انطلاق لتحرير يافا وعكا، وفلسطين كلها".
ويضيف "نتنياهو"، مرة أخرى يمكننا أن ندرك أن عرفات لم يُحدد في تصريحاته باللغة العربية هدف الفلسطينيين بتحرير مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، إنما وسعه ليشمل فلسطين كلها، من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط. وهكذا فعل بقية زملاء عرفات:
قال فاروق القدومي، رئيس الدائرة السياسية في المنظمة: "إذا أُعيد إلينا جزءاً من أرضنا، فلن نتنازل بسببه عن أرضنا... سنقيم خيامنا في المواقع التي تصل إليها حرابنا ... وستكون الخيمة نقطة انطلاق لتحقيق المرحلة القادمة. وكذلك الشيخ عبد الحميد السائح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني قال: "حتى لو نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في إقامة دولة بالضفة الغربية وقطاع غزة، فإن ذلك لن يمنع استمرار النضال من أجل تحرير فلسطين كلها ... إذا نجحنا في الحصول على جزء من فلسطين نُقيم عليه دولة، نستطيع بعد ذلك، ونحن على أرض فلسطين مطالبة العالم بالعمل من أجل نيل حقوقنا كاملة وكشعب ... نحن نسعى لتحقيق ما هو ممكن في المرحلة الحالية ... ومن ثم سنطالب بالمزيد".
ويستطرد "نتنياهو"، لقد أيدت كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بما فيها المتطرفة والرافضة هذه السياسة "المعتدلة" الرامية إلى القضاء على إسرائيل على مراحل:
ها هو بيان منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي سبق أن عارضت بشدة مشروع المراحل، يقول: إن إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، سيكون بداية سقوط المشروع الصهيوني. نستطيع الاعتماد على هذه الهزيمة من أجل استكمال النضال وتحقيق هدفنا الكامل، ألا وهو تحرير أرض الوطن الفلسطيني بكاملها". كما أدلى نايف حواتمه، زعيم الجبهة الديمقراطية، بأقوال مماثلة: "يجب أن يُوجه النضال الفلسطيني حالياً نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وغزة، وهذا لن يمنعنا من تحقيق هدفنا النهائي – تحرير فلسطين كلها".
لدى تبني "مشروع المراحل"، تلاشت جميع الخلافات في الرأي حول الاستراتيجية بين المتطرفين والمعتدلين داخل المنظمة. والآن، ومن خلال انسجام لم يسبقه مثيل بين كافة فصائل المنظمة، انتقل الخلاف الأيديولوجي حول مسألة "مشروع المراحل" من صراع داخلي داخل المنظمة نفسها، إلى صراع خارجي بينها وبين الحركة الإسلامية المتعصبة "حماس"، التي ارتفعت قوتها بسرعة في أوساط الفلسطينيين، الأمر الذي جعل الكثيرين في العالم الغربي يحثّون إسرائيل على الإسراع في إبرام "صفقة" مع المعتدلين في المنظمة قبل أن تجد نفسها مرغمة على التفاوض مع المتدينين المتطرفين. ولكن يجدر بأولئك الذين يريدون مصلحة إسرائيل أن يصغوا لما يقوله رفيق النتشه، أحد النشطاء الرئيسيين في حركة فتح في سياق تلخيصه للخلافات القائمة بين منظمة التحرير وحركة حماس، "تقول حماس: "فلسطين كلها لنا، نريد تحريرها من البحر وحتى النهر في ضربة واحدة. لكن "فتح" تعتقد بأنه يجب العمل وفقاً لمشروع المراحل. إن الطرفين متفقان بشأن ما يتعلق بالهدف النهائي، لكن الخلافات تتركز فقط حول الطريق المؤدية لتحقيق هذا الهدف"".
هنالك من أدعى والقول لـ "نتنياهو"، أنه في ضوء التطرف السائد، سيتمثل الاعتدال بالأشخاص الذين ستعيّنهم منظمة التحرير الفلسطينية من بين سكان الضفة الغربية وغزة، كمندوبين عنها في المحادثات السلمية التي كانت جارية آنذاك بين العرب وإسرائيل. ولكن مع مزيد من الأسف، لم ينحرف الناطقون الذين عينتهم المنظمة من بين سكان الضفة والقطاع عن خط المنظمة الرسمي. فها هو أبرز هؤلاء الناطقين، فيصل الحسيني، يقول في مقابلة مع صحيفة أردنية مفصّلاً نظريته السياسية، قبل بضعة أسابيع من توجهه لمقابلة الرئيس "بوش" في البيت الأبيض في كانون الأول 1992:
"إن المرحلة التي نعيشها حالياً -كفلسطينيين وأردنيين وكعرب– تُمثل فرصة تاريخية لن تعود لفترة طويلة قادمة، إنها تذكرنا بالوضع الذي كان سائداً في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية – تلك الفترات التي شهدت شطب شعوب ودول من على وجه خريطة العالم. لذا يجب علينا ... العمل بحرص شديد، في ضوء هذه الظروف التاريخية الجديدة، أن نضع أنفسنا في موقع ... نستطيع من خلاله إبرام أحلاف جديدة تقرّبنا من تحقيق استراتيجيتنا العليا... يجب علينا أن نذكر أن شعار المرحلة الحالية ليس هو "من البحر إلى النهر" ...، ولكننا لن ولم نتنازل عن أي من التزاماتنا التي لا تزال قائمة منذ أكثر من 70 عاماً. لذلك يجب علينا التذكير بأن المجتمع الفلسطيني والعربي الموحّد، قادر على منافسة المجتمع الإسرائيلي الذي لم يكتمل بعد ... وعاجلاً أم آجلاً، سنرغم المجتمع الإسرائيلي على التعاون مع مجتمع أكبر منه، مجتمعنا العربي، وبعد ذلك سنعمل على تفكيك الكيان الصهيوني تدريجياً.
10/04/2023 01:58 pm 798
.jpg)
.jpg)