كنوز نت - محمد البريم

الحلقة الثانية


العوامل المانعة لتأسيس دولة فلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية
                                                                           
  •  د. محمد جبريني

ثانياً: تهديد جيواقتصادي
  
سعت إسرائيل منذ بداية احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، إلى استغلال الموارد الاقتصادية الفلسطينية وتسخيرها لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، فاستولت على جميع الأراضي العامة في الضفة والقطاع، وصادرت أملاك الغائبين، ونشرت المستوطنات في أهم المراكز الاستراتيجية وبين التجمعات السكانية الفلسطينية. فقد صادرت نحو 60% من مساحة الضفة الفلسطينية، ونحو 40% من مساحة قطاع غزة خلال الفـــترة (1967-2002)، وبلغ مجموع ما صادرته نحو (3506) كيلو متر مربع خلال الفترة المذكورة، تمثل نحو 58.8% من إجمالي مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
 واستطاعت إسرائيل إضافة إلى تحكمها بالأرض الفلسطينية التحكم بالموارد المائية الفلسطينية، فمن بين (600-800) مليون متر مكعب من المياه المتوفرة في الضفة الفلسطينية، تستحوذ الســلطات الإسرائيلية على نحو 81%، ولا تترك للفلسطينيين سوى نحو 19% فقط. وقد بلغ استهلاك الفرد الفلسطيني من المياه نحو (85) متر مكعب سنوياً، مقابل (357) متر مكعب للمستوطن الإسرائيلي في المستوطنات، ويدفع الفلسطيني حوالي خمسة أضعاف ما يدفعه المستوطن ثمناً لكل متر مكعب من المياه.

 بالإضافة إلى ذلك، فتحت إسرائيل أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة على مصراعيهما للمنتجات الإسرائيلية حتى أصبحت ثالث أكبر الأسواق للمنتجات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كما استفادت إسرائيل من الأيدي العاملة الفلسطينية، حيث بلغ عدد العاملين الفلسطينيين في إسرائيل نحو119 ألف عامل قبل اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987. علما بأن إسرائيل تُعامل الأراضي الفلسطينية باعتبارها جزءاً من سوق العمل المحلية بقدر ما يتعلق الأمر بالاحتياجات الإسرائيلية، بينما تعتبر إسرائيل الأراضي الفلسطينية كمورد لليد العاملة الأجنبية الرخيصة فيما يتعلق بالاحتياجات الفلسطينية. وتجدر الإشارة إلى أن العمال الفلسطينيين كانوا يعملون في المهن الدنيا وبأجور لا تزيـد عن 40% من الأجر الذي يتقاضاه العامل في الاقتصاد الإسرائيلي، علما بأن التكلفة التي تدفعها إسرائيل نظير خدمات العمل للفلسطينيين تستردها مضاعفة وبسرعة كبيرة عندما تحصل على دخل عوامل الإنتاج في شكل ثمن السلع الاستهلاكية التي تصدرها إلى السوق الفلسطينية.

 إلى جانب ذلك قامت إسرائيل بإهمال متعمد وتدمير مبرمج للبنى التحتية للأراضي الفلسطينية وربطها بشبكات البنى التحتية الإسرائيلية من شبكات الطرق والكهرباء والماء والاتصالات ومختلف الخدمات، وذلك بتمويل من الضرائب التي تُجبى من السكان الفلسطينيين دون أن يكون لهم تأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في السياسات الاقتصادية الإسرائيلية.

 وبما أن الموارد الاقتصادية في الضفة الغربية ضئيلة جداً، ولا تكاد تكفي احتياجات جزء من السكان؛ لذا فإن الاهتمام الإسرائيلي تركز في هذه المنطقة على الجانب الوحيد المتوفر فيها، ألا وهو (موارد المياه).

  تُشكل مصادر المياه عنصراً أساسياً للبقاء، وأحد أهم مقومات الأمن القومي الذي لا يمكن الاستغناء عنه لأي دولة، ولا داعي إلى التأكيد بأن منطقة الشرق الأوسط تعاني من مشكلة المياه. وإسرائيل، شأنها شأن غيرها في المنطقة، تعاني من ذات النقص، وفي كل سنة تستهلك كميات أكبر من تلك التي يتم تعويضها من مصادر طبيعية.

  • 1. فلسطين وحدة إيكولوجية واحدة:
  تُعتبر فلسطين التاريخية، من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، وحدة إيكولوجية واحدة. ويتدفق الماء إليها من خلال مجارٍ تحت أراضيها دون نظر للاعتبارات السياسية، وتُعتبر المياه "الجوفية الجبلية" أكبر وأنظف تلك المصادر. يدخل إسرائيل سنوياً ما متوسطه 600 مليون متر مكعب من مياه الأمطار المنسابة من تلال الضفة الغربية. ويتدفق الماء في جميع الاتجاهات عبر مجارٍ تحت الأرض، ويستقر في طبقات المياه الجوفية الكبيرة التي تمتد على جانبي "الخط الأخضر"، وقد استفادت إسرائيل من هذه المياه منذ عام 1948. فمياه الأمطار الساقطة على غرب الضفة الغربية، تتسلل عميقاً في باطن الأرض إلى الطبقات الصخرية المتجهة غرباً حتى تصل إلى المياه الجوفية الساحلية، التي تعتبر حيوية جداً للتجمعات السكانية الأساسية في إسرائيل.
 تُغذي مياه الأمطار المتساقطة على المنحدرات الغربية للضفة الغربية مصادر المياه الساحلية الممتدة من قطاع غزة وحتى ضواحي الخضيرة. وقبل حرب عام 1967، استخدم سكان الضفة الغربية 5٪ فقط من تلك المياه، بينما استخدمت إسرائيل 95% منها. ومنذ ذلك الحين، رفعت إسرائيل حصة السكان العرب من 5% إلى 17%. وقد بنت إسرائيل لنفسها نظام مياه معقد يدعم اقتصادها وبنيتها التحتية والاجتماعية. وتعتمد إسرائيل اليوم كلياً على الخزان الجوفي لأغراض التنمية الاقتصادية والاستمرار في البقاء. علما بأن 40% من إجمالي استخدامات المياه في إسرائيل، ونحو 50% من مياه الشرب تأتي من تلك المصادر تحت الأرض.

 وفي ظل الأزمة المائية التي تواجهها إسرائيل، فإن ضمان انسياب مياه الأمطار الساقطة على الضفة الغربية إلى المياه الساحلية في إسرائيل، يعد أمراً حيوياً جداً للقطاع المائي الإسرائيلي. وخاصة في ضوء تطور معدات ووسائل ضخ المياه الجوفية، التي يمكنها أن تضخ مياه الأمطار الساقطة على الضفة الغربية، وهي لا زالت في حضن الجبل، وقبل وصولها إلى المياه الجوفية الإسرائيلية، وبالتالي حرمان إسرائيل من هذا المورد الحيوي جداً لزراعتها.
  • 2. التهديد المائي:
  وما يزيد الأمر خطورة؛ هو أنه ووفقاً للاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، فإن منطقة الحكم الذاتي سوف تتوسع لتشمل معظم مناطق الضفة الغربية. ستوضع إسرائيل تضاريسياً عندئذٍ في وضع صعب جداً. على الرغم من أن المياه التي تستخدمها إسرائيل تضخ من الآبار الجوفية من داخل إسرائيل (حدود ما قبل عام 1967)، فإن 80% من المياه الجوفية التي تدخل النظام المائي الإسرائيلي تأتي من تلال الضفة الغربية. هذا الضخ سيتقلص مع مرور الوقت؛ وبالتالي، من يُسيطر على الماء في الضفة الغربية يُسيطر على المياه في تل أبيب.

 وفي المحادثات متعددة الجنسيات، طالب الفلسطينيون بحقوق بنسبة 100% من الماء الذي يدخل الأراضي في الضفة الغربية. وحجج إسرائيل أن الماء يستقر في المقام الأول على الجانب الإسرائيلي من "الخط الأخضر" لم تُقنع الفلسطينيين ولم تؤثر على مواقفهم. ورغم إدراكهم لحاجة إسرائيل لتلك المياه واعتمادها الكلي عليها، رأوا في إسرائيل أنها تسرق مياههم، ولاحقاً سيطالبون بالتعويض عن المياه التي ضُخت منذ عام 1948، أو على أقل تقدير، منذ عام 1967.

 يوجد لدى الفلسطينيين سبب للمطالبة بجميع الماء لأنفسهم. فإن كان الاتفاق السياسي معهم سينفذ، سيعود مليون أو أكثر من اللاجئين؛ وقد خُصصت لهم أجزاء كبيرة من المساعدات المالية الدولية للتنمية الزراعية وللتنافس مع المزارعين الإسرائيليين. وكذلك فإن البنية التحتية الصناعية التي تم التخطيط لها في الضفة الغربية سوف تحتاج أيضاً للمياه. يعرف الفلسطينيون أن نمط الحياة الذي يتوقعونه لن يتحقق أبداً دون المياه التي تستخدمه إسرائيل اليوم، فهم توقعوا أنه بحلول نهاية عام 1995، سيكون بمقدورهم استخدام 80 % من مياه حوض الجبل، مما سيتسبب في فقدان إسرائيل 25% سنوياً من المياه (ما يوازي استخدام ثلاثة أشهر من المياه لكامل إسرائيل). حقيقي جداً أن أهم مصدر مياه في إسرائيل بات في خطر شديد جداً. فهل يمكن لإسرائيل البقاء على قيد الحياة مع خسارة من هذا القبيل؟ بوضوح لا.

 فقط قبل بضع سنوات، واجهت إسرائيل أزمة مياه كبرى بعد عامين من قلة سقوط الأمطار. قيدت الحكومة عملية ري الحدائق، ورفعت أسعار المياه، وخفضت كمية المياه المخصصة للزراعة، وأصبحت مشكلة المياه جزء من التحدي الوطني. فكيف إذاً ستكون الحياة في إسرائيل مع خسارة 40% من المياه، سيكون تصور الأمر أغرب من الخيال.


 مرة أخرى التضاريس هنا تلعب دوراً هاماً، وضع السكان في السهل الساحلي بيئياً تحت رحمة سكان الأراضي المرتفعة في الضفة الغربية. فمياه الصرف الصحي المنسابة من نابلس ومدن أخرى قد تصل في النهاية إلى طبقات المياه الجوفية في إسرائيل وتسبب كارثة بيئية.

 يحذر الجيولوجي "أرنون سوفير"، من الإفراط في استهلاك المياه في الضفة الغربية، لأن ذلك سيخفض مستوى منسوب المياه الجوفية تحت سطح البحر، مما سيُسبب تدفق المياه المالحة من البحر إلى ساحل إسرائيل. وسيكون ذلك سبباً مباشراً في تدمير دائم لطبقات المياه الجوفية والأرض.
 في ضوء ما سبق، فإن أي حل للنزاع في الأراضي المحتلة، لن يكون حقيقياً، ما لم يتضمن تسوية لهذه المسألة. ولكن كيف؟ إذا كان هذا المصدر الحيوي تحت سيادة دولة معادية، فلا بد من أن يؤدي إلى مشاكل كثيرة. فقد تواجه إسرائيل، مثلاً: إمكانية "ابتزاز مائي" وهو احتمال مخيف في حد ذاته. كما أن مصادر المياه الجوفية هذه، قد تتلوث لسبب ما، عن قصد، أو غير قصد. وقد يؤدي هذا التلوث إلى أمراض وأوبئة في أوساط السكان، أو ربما لأضرار لا يمكن إصلاحها في الحوض المائي نفسه.

 ويجمل "نتنياهو" التهديدات الجيوعسكرية-اقتصادية التي تواجه إسرائيل بالقول:

بعد أن نأخذ بعين الاعتبار الأهمية الحاسمة للعمق والارتفاع الاستراتيجيين، والعوائق الطبوغرافية والجغرافية التي ستواجهها قوة غازية، وأهمية السيطرة على مصادر المياه، لا بد أن نتوصل إلى استنتاج قاطع بأن مناطق الضفة الغربية حيوية لمستقبل دولة إسرائيل. وسيتوصل إلى هذا الاستنتاج القاطع كل من يقف في يوم صافٍ على قمة جبل "ياعل حتسور "(تل العاصور) في "السامرة"، ليرى كل البلاد من أقصاها إلى أدناها. من غور الأردن وحتى البحر المتوسط. إن "أرض إسرائيل الغربية"، أي المنطقة الموجودة حالياً تحت سيطرة إسرائيل، هي وحدة إقليمية واحدة، فيها سلسلة جبلية واحدة، تُشرف على سهل ساحلي واحد. وكل من يقترح تقسيم هذه المنطقة إلى دولتين ينقصهما الاستقرار والأمن، ويحاول الدفاع عما هو غير قابل للدفاع، يكون كمن يدعو لكارثة.

المصادر محفوظة