كنوز نت - محمد البريم


الحلقة الأولى

العوامل المانعة لتأسيس دولة فلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية
                                                                          
د. محمد جبريني


  • التخوف من تهديد وجود دولة إسرائيل
 يعتقد قادة إسرائيل، وفي مقدمتهم "بنيامين نتنياهو"، بأن تأسيس دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدود عام 1967، يُشكل تهديداً جيوستراتيجياً لدولة إسرائيل. لأن مثل هذه الدولة؛ ستُلغي نهائياً قيمة المنطقة العازلة الموجودة حالياً على الجبهة الشرقية التي تفصل إسرائيل عن الأردن، وستحرم إسرائيل من الموارد الاقتصادية ومصادر المياه التي تحصل عليها من الضفة الغربية. وستُجسد المرحلة الأولى من استراتيجية المراحل الفلسطينية التي تهدف لتدمير إسرائيل.

 وبغض النظر عن الخلافات السياسية في الرأي داخل إسرائيل، فإن معظم الجمهور الإسرائيلي يُؤمن بأن إسرائيل لا تستطيع العودة إلى حدود حزيران عام 1967، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني دون أن تُعرض وجودها للخطر.
سنتناول في هذا البحث، عناصر التهديد الجيوستراتيجي الذي يُشكله تأسيس دولة فلسطينية، ويشمل: التهديد الجيوعسكري- إقتصادي (الفقرة الأولى)، والتهديد الجيوسياسي (الفقرة الثانية).
  • الفقرة الأولى: تهديد جيوعسكري-إقتصادي
  اهتمت إسرائيل بالعوامل الجيوعسكرية المرتبطة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وبحثت في المركز الاستراتيجي لإسرائيل في أوقات الحرب والسلم، وركزت على عنصر الأرض وطبوغرافيتها في تحقيق أهدافها العسكرية في حالتي الدفاع والهجوم. وكذلك اهتمت بالموارد الطبيعية وخاصة مصادر المياه وتأثيرها على المسارات والأنشطة الاقتصادية اللازمة لتغطية احتياجاتها الحيوية. وقد وظفت إسرائيل العناصر الجيوستراتيجية في الضفة الغربية لجهة رفض الانسحاب منها أو السماح بتأسيس دولة فلسطينية على أراضيها.
  • أولاً: التهديد الجيوعسكري
 تُسيطر الضفة الغربية (المنطقة الجبلية) على الجزء المنبسط من السهل الساحلي (المنطقة المنخفضة التي لا يزيد ارتفاعها عن سطح البحر على بضع عشرات الأمتار). ولكون هذه المنطقة المنخفضة الضيقة والساحلية تُشكل المنطقة الحيوية لإسرائيل باحتوائها على أكبر عدد من السكان الإسرائيليين والأماكن الحيوية الإسرائيلية؛ تُشكل الضفة الغربية وفقاً للمفهوم العسكري الإسرائيلي تهديداً كبيراً عليها في حال تعرضت لأي هجوم من جهتها.
  تُعتبر الضفة الغربية العمود الفقري الجبلي الأوسط المطل على إسرائيل، وتمتد سلسلة الجبال الكبرى في الضفة الغربية على طول (130كم) وعرض متوسط قدره (40كم)، وهذا يعني من الناحية العسكرية، سيطرة الضفة الغربية عسكرياً على المناطق الساحلية الغربية، الأمر الذي يُسهل على الجهة المتواجدة فيها شن عمليات عسكرية ضد إسرائيل.

  ويصف الخبير العسكري "أرييه شاليف" الأهمية الاستراتيجية الدفاعية للضفة الغربية بالنسبة لإسرائيل:

إن منطقة الضفة الغربية منفصلة جغرافياً عن الأردن بواسطة النهر والغور، بينما لا يوجد بينها وبين إسرائيل أي حدود "مادية"، وبسبب هذه الحقائق: هناك أهمية كبرى للضفة الغربية لأمن إسرائيل (لأن طول الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل (أكثر بنحو 260 كم عن حدود الضفة الغربية مع الأردن)، ولهذا فإن خط الدفاع الإسرائيلي على طول نهر الأردن يتطلب قوات أقل، وسيكون المهاجم من الأراضي الأردنية في وضع أسوأ من المهاجم عبر الضفة الغربية.

  يُضاف إلى ذلك، أن هناك مدناً إسرائيلية عديدة لا تبعد أكثر من 15كم عن حدود “الخط الأخضر”، ومن بينها نتانيا (14 كم)، والخضيرة (11 كم)، وكفار سابا (7،5 كم)، وبيتح تكفا (8 كم)، ورمات غان (15 كم)، والقدس (أقل من كيلومتر واحد)، وكريات غات (15 كم)، ومطار اللد (10 كم) … هذه المعطيات تشير إلى مدى تعرض هذه المدن للإصابة في حالة وقوع هجوم عليها من منطقة الضفة الغربية.

وهناك عدة اعتبارات جيوعسكرية جعلت قادة إسرائيل يرفضون من حيث المبدأ تأسيس دولة فلسطينية على حدود عام 1967، أبرزها:

1. الطابع الطوبغرافي واعتبارات المهاجم من الشرق والمدافع من الغرب:


  ويقسم "شاليف" المحاور التي يمكن للمهاجم من الجبهة الشرقية استخدامها لشن أي هجوم على إسرائيل، إلى خمسة محاور ممتدة من غور الأردن إلى منطقة "ظهر الجبل" في الضفة الغربية، وتسمح هذه المحاور بشن هجوم بوساطة خمس فرق على الأقل في آنٍ واحد. وفي المرحلة الابتدائية يرى "شاليف" أن القوات المهاجمة ستسعى إلى الاستيلاء على المناطق الرئيسة الممتدة في تلك المحاور الطولية الخمسة والسيطرة عليها، وبسبب قلة المحاور العرضية التي تسمح بنقل قوات من محور إلى آخر، سيكون الاستيلاء السريع على “طريق آلون” الذي يمر من الجنوب إلى الشمال على طول القاطع الشرقي من جبال الضفة الغربية، والمنطقة المحاذية لنهر الأردن ذا تأثير حاسم في تطور الهجوم.

 وفيما يخص اعتبارات الجيش الإسرائيلي في الدفاع، تناول "شاليف" ستة خطوط رئيسة يمكن إقامتها كخطوط دفاعية باتجاه أي هجوم من جهة الأردن: خط دفاعي بمحاذاة حافة النهر على التلال المنبسطة الكائنة في غور الأردن، واستغلال الحاجز المائي لإعاقة عبور القوات العربية عبر غور الأردن وتأخير اقتحامها. وخطوط دفاعية على التلال الكائنة في السفوح الشرقية للمنطقة الجبلية المسيطرة على المحاور في الأماكن التي تمر بها الطرق من قلب نهر الأردن وتصل إلى المنطقة المرتفعة الواقعة في بداية المنطقة الجبلية. وخط دفاعي على طول طريق "آلون" في المناطق المسيطرة على مفارق الطول شرقاً مع طريق "آلون"، وخط دفاعي بين "طريق آلون" والمنطقة الجبلية. وخط دفاعي في منطقة الجبل في مداخل المناطق المأهولة بالسكان مثل مداخل رام الله ونابلس، وأخيراً خط دفاعي بين المنطقة الجبلية و"الخط الأخضر".

 وتحتوي السفوح الغربية للمنطقة الجبلية باتجاه إسرائيل على عدد أكبر من محاور الهجوم بسبب قلة انحدارها بالمقارنة بالسفوح الشرقية.

2. مكونات نظام الدفاع العسكري الإسرائيلي:

 تعتمد قدرة إسرائيل على الردع من وجهة النظر العسكرية الإسرائيلية، على ثلاثة عناصر رئيسة: قوتها العسكرية، مقابل القوة العسكرية العربية، والمدة الزمنية للإنذار المبكر المتوفرة لديها لتمكينها من تجنيد قوات الاحتياط لديها، والحد الأدنى من المساحة المطلوبة للجيش الإسرائيلي كي يستطيع الانتشار لمواجهة أي خطر محتمل.

 ويقول "نتنياهو" في كتابه "مكان تحت الشمس": "إن تفوّق العرب على إسرائيل من حيث القوة العسكرية في التسليح والوسائل القتالية، آخذ بالتزايد منذ سنوات. فمنذ حرب "يوم الغفران" (تشرين أول 1973)، أنفق العرب ما يزيد على (150) مليار دولار على شراء الأسلحة وإنشاء المنشآت العسكرية".

 ويضيف "نتنياهو"، بأن هذه الفجوة الكبيرة لصالح العرب، في مجالي السلاح والطاقة البشرية، والتي لا يمكن لإسرائيل تغطيتها، تزيد من أهمية عنصري المدة الزمنية للإنذار المبكر، ومن مساحة انتشار الجيش الإسرائيلي. فالمدة الزمنية للإنذار المبكر، تُعتبر شرطاً ضرورياً لبقاء إسرائيل؛ إذ أن إسرائيل بحاجة ماسة إلى وقت كافٍ لتعبئة جنود الاحتياط الذين يُشكلون القوة الرئيسة في الجيش. وهذه التعبئة، تتطلب استدعاء مواطنين من بيوتهم في جميع أنحاء إسرائيل في وقتٍ واحد، وتجميعهم في وحداتهم، وتزويدهم بالأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى، وتوجيههم، ومن ثم نقلهم إلى خطوط الجبهة. وهي مهمة صعبة جداً، لا يمكن، بأي حال من الأحوال تنفيذها بأقل من (48-72) ساعة.

 وحتى يتم الانتهاء من عملية تعبئة الاحتياط، تكون مسؤولية المحافظة على بقاء إسرائيل، ملقاة على كاهل القوات النظامية المرابطة على خطوط الجبهة. وإذا فشلت هذه القوة النظامية في الاحتفاظ بهذه الخطوط ريثما يتم إلحاق قوات الاحتياط، فقد تصل الحرب بسرعة كبيرة إلى المستوطنات والمدن الكبيرة في إسرائيل.

 والأخطر من هذا، وفقا لـ "نتياهو"، هو المجال الجوي؛ فالطائرة المقاتلة التي تُقلع من مطار عسكري في غرب العراق، أو سوريا تحتاج ما بين (5-10) دقائق فقط للوصول إلى التجمعات السكانية في إسرائيل، وأقل مدة زمنية مطلوبة لإقلاع طائرة معترضة لمواجهة طائرة مهاجمة هي ثلاث دقائق، وهذا طبعاً إذا كانت الطائرة المعترضة في حالة تأهب قصوى على مدرج المطار. بعبارة أخرى، بدون إنذار مسبق، قد تتعرض المدن الإسرائيلية والمطارات فيها للقصف الجوي دون أية مقاومة. والدليل على حدوث مثل هذه الإمكانية، هو أن إسرائيل وجدت نفسها في حرب الخليج الثانية عام 1991، مضطرة للاحتفاظ بجزء من سلاحها الجوي، محلقاً في الجو. فقد كانت الطائرات المقاتلة تُحلق في سماء إسرائيل ليلاً نهاراً طيلة فترة حرب الخليج الثانية. وقد تمكنت إسرائيل من اتخاذ هذا الإجراء لأن الولايات المتحدة أبلغتها سلفاً بموعد بدء الحرب.

 وأكد "نتنياهو" على أهمية محطات الإنذار المبكر لحماية أمن إسرائيل بالقول:

  إن المستوى المطلوب من التأهب لسلاح الجو الإسرائيلي، لصد هجوم مفاجئ يحتاج إلى أنظمة مراقبة الكترونية، تمكنه من توفير دقائق ثمينة، وهنا تكمن أهمية "محطات الإنذار المبكر" التي أقامتها إسرائيل على قمم جبال نابلس وهضبة الجولان. فقد أُقيمت تلك القواعد على ارتفاعات توفر إمكانية مراقبة تحركات الجيش السوري، وكل جيش عربي يتحرك داخل الأراضي الأردنية. وكذلك النشاطات الجوية في هاتين الدولتين. ولو أن دولة معادية نجحت في السيطرة على هذه المرتفعات، لأصبح الوضع معكوساً: سيكون باستطاعة العرب مراقبة كل ما يجري على السهل الساحلي والجليل، ولأصبحت إسرائيل عمياء وفاقدة لجزء كبير من قدرتها على تحقيق الإنذار المبكر. لذا فإن لهذه المحطات، أهمية حاسمة، ولا بديل لها في حالة الاستعداد لمواجهة هجوم عراقي أو سوري. ولو كانت هذه المواقع في جبال نابلس أو الجولان بأيدي العرب خلال حرب الخليج، لكانت محطات الإنذار هذه تُزود صدام حسين بكل ما يجري في إسرائيل.

 صحيح أن إمكانيات المراقبة بواسطة الأقمار الاصطناعية والطائرات قد تحسنت كثيراً، غير أن هذه الوسائل الاستخبارية معرضة لتقلبات الجو، والأعطال، وصعوبة الصيانة، بالإضافة إلى أثمانها المرتفعة. كما أن العدو قد يُسقط الطائرات التي تحمل أجهزة الإنذار المبكر. لذا، لا زالت إسرائيل لا تجد بديلاً عن قمم مرتفعة كمصدر للحصول على معلومات استخبارية.

 ويؤكد الخبراء العسكريون الإسرائيليون بأن أحد أهم الثروات المتوفرة لدى الجيش الإسرائيلي خلال الساعات الــ (72) الأولى الحاسمة في الحرب، هي المجال الأرضي؛ فالجيش الإسرائيلي بحاجة إلى مساحة جغرافية تمكنه من الاستعداد على صعيدي الطاقة البشرية والسلاح، بعد اندلاع الحرب. ولهذا، فإن الجيش الإسرائيلي المضطر حالياً لضغط نفسه داخل الحدود الحالية لإسرائيل، لن يستطيع الانتشار بفعالية فيما لو حُرم من مناطق الانتشار المتوفرة في الضفة الغربية، وكنتيجة لهذا سيجد نفسه مضطراً للانتشار في شوارع القدس ومداخل تل أبيب. والأسوأ من هذا هو أن كل مناطق التجمع والانتشار للجيش ستكون ضمن مدى قذائف مدفعية العدو التي تستطيع إطلاقها من جبال الضفة الغربية إلى أي موقع في إسرائيل؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تشويش خطير في شبكة التجنيد بأسرها. وبالتالي فإن سور الضفة الغربية؛ الحاجز الطبيعي الذي يحمي السهل الساحلي من أي هجوم، لا يحمِ بصورة مباشرة سكان إسرائيل الذين يعيشون على الساحل فحسب، وإنما يمنح الجيش الإسرائيلي الوقت المطلوب لنقل قوات الاحتياط إلى الجبهة.

  ويُوضح الخبراء العسكريون بأن الشيء الأهم الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار لدى الحديث عن منطقة عازلة عسكرية هو: مسافة تمنح الوقت؛ فالمسافة التي سيضطر العدو لقطعها قبل أن يتغلغل داخل المناطق الإسرائيلية المأهولة بالسكان، ويلحق بها خسائر فادحة، تساوي من حيث القيمة والأهمية الوقت اللازم لتجنيد قوات الاحتياط الإسرائيلية. وكلما اتسعت المنطقة التي سيضطر العدو لاجتيازها ازدادت احتمالات نجاح الجيش الإسرائيلي في وقف تقدم العدو، من خلال الهجمات الجوية والبرية، والحصول على وقت ثمين لتعبئة الاحتياط، والاستفادة من العمق الاستراتيجي الذي يوفر إمكانية استخدام تكتيك الإعاقة.

 إن طبوغرافية جبال الضفة الغربية تتلاءم جيداً مع عمليات الإعاقة المطلوبة للدفاع عن إسرائيل. فهذه السلسلة الجبلية تُشكل عائقاً يصعب جداً اجتيازه بالنسبة للمهاجم من جهة الشرق. لأن القوة المهاجمة ستدخل إلى مناطق الضفة الغربية عن طريق غور الأردن؛ الأكثر انخفاضاً في العالم، (يزيد على 300 م تحت سطح البحر). ومن هناك ستضطر القوة المهاجمة لتسلق تلك المرتفعات الصعبة من خلال القتال. وهذه المنطقة غير قابلة تقريباً للاجتياز بالدبابات والآليات الثقيلة الأخرى، ما عدا بعض المحاور الصعبة والملتوية. وأي نظام إلكتروني، مهما كان حديثاً، لن يستطيع أن يحل محل جدار جبلي يزيد ارتفاعه على ألف متر، كحاجز أمام قوة مهاجمة.

 إن مساحة إسرائيل وعدد سكانها لا يقارنان بمساحة وعدد سكان الدول العربية، وعلاوة على ذلك، تسمح عائدات النفط الضخمة للدول العربية بشراء ترسانة هائلة من الأسلحة الحديثة. ويبلغ حجم الجيش الإسرائيلي حوالي السدس فقط، مقارنة بحجم الجيوش العربية المرابطة على حدود إسرائيل، وحوالي "السُبع" من حجم جيوش كل الدول العربية. ولهذا، لم يشهد تاريخ الحروب من قبل نموذجاً واضحاً إلى هذا الحد، لحقيقة: "داوود مقابل جالوت".


 ويحذر "نتنياهو" من خطورة مواجهة الأعداء على الجبهة الشرقية بالقول:

 منذ قيامها، وإسرائيل مرغمة على مواجهة جبهة شرقية تتكون من أعداء قادرين على أن يستخدموا، خلال وقت قصير، آلاف الدبابات والطائرات والمدافع والصواريخ، وملايين الرجال، على غرار الجبهة الشرقية التي كانت تواجه حلف "الناتو". ولكن مقابل (1600 كم) كانت تفصل بين خطوط حلف وارسو وبين المحيط الأطلسي، لا يزيد عرض إسرائيل من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط على (65 كم)، وكأن هذا الوضع ليس خطيراً بما فيه الكفاية لتوجه إلى إسرائيل مطالب لا تُحصى من جانب دول مختلفة، بشأن تقصير هذه المسافة إلى (15 كم) فقط (ويشارك في هذه المطالب أيضاً إسرائيليون، فقدوا أي صلة لهم بالواقع). وإذا وافقت إسرائيل على تلك المطالب فلن يكون بمقدورها العيش طويلاً.

  كما يؤكد "نتنياهو" على خطورة التخلي عن جبال الضفة الغربية ويقول:

 خلال الانتفاضة الأولى، اضطُرت إسرائيل لمواجهة آلاف الشباب الفلسطينيين الذين قذفوا الحجارة على تلال "السامرة". وليس من الصعب أن نتخيل أنه بدلاً من هؤلاء قاذفي الحجارة، يظهر يوماً ما، آلاف المقاتلين من منظمة التحرير الفلسطينية، لا يحملون الحجارة، بل الصواريخ المضادة للطائرات.
 وخصوصاً أن مطار اللد يبعد عن الحدود القديمة مسافة أربعة كيلو مترات فقط، وأن جميع المطارات العسكرية، باستثناء واحد، تقع في مرمى صواريخ قصيرة المدى من أنواع مختلفة. لذا لن يكون من الصعب نصب صواريخ كهذه في الضفة الغربية.

 بدون استمرار بقاء إسرائيل في الضفة الغربية لا يمكن تجريد المنطقة من أسلحة صغيرة لكنها فتاكة جداً. ولن تستطيع إسرائيل منع تهريب صواريخ قصيرة المدى، وقطع أسلحة أخرى لا يزيد حجمها على حجم الحقيبة، إلا إذا كانت موجودة فعلياً هناك. إن هذا النوع من الأسلحة يمكن إحضاره بسيارات شاحنة أو سيارات خاصة، أو نقله جواً بطائرات ركاب مدنية. فاليوم ورغم وجود إسرائيل الفعلي وسيطرتها المطلقة على مداخل الضفة الغربية، وحرص جنود الجيش الإسرائيلي الشديد على تفتيش السيارات المتنقلة عبر نهر الأردن، لا تستطيع أن تمنع نهائياً تهريب أنواع مختلفة من الأسلحة إلى مناطق الضفة الغربية وغزة، وليس من الصعب التكهن بما سيحدث فيما لو انسحبت إسرائيل من الضفة الغربية وتلاشت وسائل المراقبة هذه نهائياً.

   إذا انسحبت إسرائيل من الضفة الغربية، فستكون بحاجة إلى جيش نظامي أكبر بكثير من الجيش الإسرائيلي بحجمه الحالي، لأن الحدود المتعرجة بين إسرائيل والضفة الغربية، هي أطول بحوالي أربعة أضعاف الحدود الحالية التي تمر في خط مستقيم تقريباً على طول نهر الأردن. كما أن التكاليف المالية المتعلقة بالدفاع عن جبهة طويلة كهذه، ستلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإسرائيلي، وتُحدث نقصاً في الطاقة البشرية الحيوية. وعندئذٍ أيضاً، ليس أكيداً أن تتوفر للجيش الإسرائيلي مساحة من الأرض بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، لتمكينه من الانتشار فيها والاستعداد للمعركة.

ويخلص "نتنياهو" إلى القول: "إن الدولة الفلسطينية، مثلها مثل اليد الممدودة لخنق شريان الحياة لإسرائيل الممتد على طول ساحل البحر من حيفا وحتى أشكلون. لذا، فليس من الغريب أن تجد معظم الإسرائيليين يرفضون هذه الفكرة، ويرون فيها خطراً مميتاً للدولة".
  • 3. الدولة الفلسطينية تُهدد الأمن والسلام الإقليميين:

 يقول "نتنياهو": "إن الاقتراح بشأن اقتطاع المناطق التي تُشكل الدرع الواقي من إسرائيل، وضغطها ضمن قطاع ضيق على طول ساحل البحر المتوسط، يؤدي إلى الاستنتاج بأن إسرائيل ستضطر لاستخدام وسائل غير تقليدية للدفاع عن نفسها. إن فكرة وضع (جدار) نووي على طول حدود إسرائيل بحيث يكون هذا الجدار فقط ضماناً لأمنها، ما هي سوى ثمرة لنقص في التفكير وانعدام المسؤولية. إذ أن مثل هذا الإجراء، من شأنه تعريض إسرائيل والعالم بأسره لخطر يتمثل بسلسلة من التطورات الخطيرة، التي لا يستطيع أحد التنبؤ بها، ولا السيطرة عليها. علاوة على ذلك: ما هي الأهداف التي سنقصفها بالقنابل النووية؟ نابلس؟ القدس الشرقية؟ فبالإضافة إلى الدمار الفظيع الذي سيحدثه مثل هذا السلاح سيأتي في أعقابه الغبار الذري الذي سيُسمم المنطقة كلها، ويُودي بحياة آلاف العرب واليهود معاً. إن الغبار الذري لا يعترف (بالخط الأخضر).

 هناك من يعتقد بأنه من الممكن الاحتفاظ بوجود عسكري إسرائيلي في المناطق الخاضعة لسيادة عربية. لكن المصريين لم يسمحوا، في حينه، لإسرائيل بالاحتفاظ ولو بقاعدة جوية واحدة في سيناء، ولا يعقل بأن أية دولة عربية أخرى، ستتصرف على غير هذا النحو.

 ورداً على الإسرائيليين الذين يدعون بأن إسرائيل تستطيع السيطرة على المجال الجوي للدولة الفلسطينية، يقول "نتنياهو" بأن هذا الأمر لو حصل في البداية فإنه سينهار في نهاية الأمر نتيجة لضغط السيادة. على غرار ما حدث بالنسبة لسيطرة الولايات المتحدة على قناة بنما، وسيطرة بريطانيا على قناة السويس، وحالات أخرى شهدها القرن الماضي. عندئذ، ستقف إسرائيل عاجزة في ضوء وجود جيوش كبيرة ترابط على بعد كيلومترات معدودة من مدنها ومستوطناتها. لذلك فمن يريد السيطرة على منطقة جبلية مثل الضفة الغربية، التي تتزاحم فيها المواقع الاستراتيجية مع مراكز التجمعات السكانية، يجب أن يحتفظ بسيطرة عسكرية وسياسية في آنٍ واحد، لأن من يتخلى عن السيطرة السياسية، لا بد وأن يتخلى في نهاية الأمر عن السيطرة العسكرية أيضاً.