
كنوز نت - محمد البريم
الحلقة الرابعة
إسرائيل وسياسة إنكار وجود الشعب الفلسطيني
د. محمد جبريني
ثانياً. تمكين اليهود من فلسطين
- 1. مؤتمر "سان ريمو" عام 1920 والانتداب على فلسطين:
تم توقيع معاهدة "سان ريمو" عام 1920، التي حددت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية في المشرق العربي. ونتيجة لموقف إنكلترا وفرنسا من مقررات المؤتمر السوري العام المنعقد في عام 1920، انعقد المجلس الأعلى للحلفاء -الذي يعتبر امتداداً لمؤتمر لندن المنعقد في شباط 1920 في مدينة سان ريمو الإيطالية-في المدة ما بين التاسع عشر والخامس والعشرين من نيسان 1920؛ للبحث في شروط الحلفاء للصلح مع تركيا طبقاً لـ"معاهدة سيفر"، والمصادقة عليها بعد إعلان سوريا استقلالها ومناداتها بالأمير فيصل ملكاً عليها في المؤتمر السوري العام في الثامن من آذار 1920.
وقد بحث المؤتمر "معاهدة سيفر" التي رسمت مستقبل المنطقة العربية التي تضم العراق وسوريا الطبيعية بما فيها لبنان والأردن وفلسطين، والتقسيمات والانتدابيات حسب مصالح دول الحلفاء؛ بحيث تُقسم سوريا الكبرى إلى أربعة أقسام: سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، على أن تكون سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق والأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني مع الالتزام بتنفيذ "وعد بلفور". وقد جاء ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، سعياً لتحقيق "وعد بلفور" لليهود فيها. ولم يكن قرار الانتداب في "سان ريمو" إلا تطبيقاً لاتفاقية "سايكس-بيكو" المشهورة عام 1916، وإصراراً قوياً من فرنسا على احتلال سوريا.
يقول "نتنياهو" معقباً على نتائج المؤتمر: "تم التعهد لليهود في (سان ريمو)، ببيت قومي في فلسطين، على أرض تبلغ مساحتها خمسة أضعاف مساحة (أرض إسرائيل) حالياً. وقد أُعطي هذا التعهد في أعقاب اعتراف دولي واضح بحق اليهود في العودة إلى الأرض التي أُخرجوا منها رغم إرادتهم، معززاً بتعاطف العالم مع المعاناة الفظيعة التي لحقت بالشعب اليهودي أثناء فترة تشرده الطويلة".
وقد جاء ذلك حسب "نتنياهو"، عندما أدرك سياسيون واعون، أمثال: "ووردو ويلسون" و"لويد جورج"، الوضع المهمل في "أرض إسرائيل". وبعد أن أدركوا أن الوجود العربي القليل في هذه البلاد، والذي لا يستغل الأراضي الخالية لسد الاحتياجات المتواضعة للسكان، لا يمكن أن يكون عنصراً حقيقياً مقابل مطالبة ملايين اليهود من كل أنحاء العالم بدولة لهم. خاصة، إذا أخذنا بالاعتبار المنطقة العربية الواسعة (التي تبلغ مساحتها 500 ضعف "أرض اسرائيل") التي تشكل الوطن القومي للعرب.
أبدت بريطانيا التزاماً تجاه المطلب التاريخي لليهود في فلسطين، تعبيراً عن الاعتراف بمساهمتهم في المجهود الحربي، وبحقوقهم التاريخية. لذا لم يكن مستغرباً أن يؤكد السياسيّون البريطانيون حقوق اليهود في إطار كتاب الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، ولم يواجه هذا التأييد أي اعتراض، نظراً لأن كثيرين آخرين، كانوا يعترفون بتلك الحقوق.
كما عبَّر "وينستون تشرشل" عام 1921، عن حقوق اليهود تلك، عندما قال: "واضح للغاية أن العدالة تقضي بأن يكون لليهود الموزعين، مركز قومي ووطن قومي يتّحدون فيه من جديد، وأين يمكن أن يكون مثل هذا الوطن، إن لم يكن في فلسطين، التي يرتبطون بها ارتباطاً وثيقاً وعميقاً، منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة؟ نحن نعتقد أن هذا الأمر سيعود بالفائدة على العالم، وعلى اليهود، وعلى الامبراطورية البريطانية وعلى العرب أنفسهم الذين يعيشون في فلسطين ... سيكون هؤلاء شركاء في خير وتقدم الصهيونية".
- 2. مؤتمر عصبة الأمم عام 1922 وإقرار صك الانتداب:
ما أن صدر قرار مؤتمر "سان ريمو" لدول الحلفاء عام 1920، بالموافقة على "وعد بلفور" وانتداب بريطانيا على فلسطين حتى سارعت الدبلوماسيتان البريطانية والصهيونية إلى العمل في عصبة الأمم للحصول على صك الانتداب البريطاني، ليكون بمثابة تصديق رسمي لذلك القرار، ويتضمن الخطوات الكفيلة بتنفيذ تصريح "بلفور"، أي: بناء الوطن القومي اليهودي بإشراف الانتداب البريطاني. وقد وُضعت مسوّدات صك الانتداب، كــ "وعد بلفور"، بالتشاور السري بين الحكومة البريطانية والمنظمة الصهيونية العالمية، وبمعزل تام عن عرب فلسطين.
وكان الوفد البريطاني إلى مؤتمر الصلح في باريس قد طلب من المنظمة الصهيونية العالمية صوغ مقترحاتها بشأن الانتداب على فلسطين في مشروع متكامل، فوضعته وقدمته إلى الحكومة البريطانية في 15 تموز1919، التي أدخلت فيه بعض التعديلات وقدمته إلى عصبة الأمم في 6 كانون الأول 1920. وفي آب 1921، قدمته الحكومة البريطانية إلى البرلمان البريطاني، فأدخل فيه تعديلات أخرى، وجوبه بمعارضة داخلية قوية، ورفضه مجلس اللوردات في حزيران 1922، كما ورد ذكره. ولكن الحكومة أحالته على مجلس العموم، الذي وافق عليه. وفي 24 تموز 1922، صادق عليه مجلس عصبة الأمم، ووُضع موضع التنفيذ في 29 أيلول 1923.
وكان من أسباب التأخير في إقرار صك الانتداب أيضاً، محاولة تسوية المسائل السياسية العالقة في نطاق المصالح الاستعمارية المتنافسة لدول الحلفاء: فتم تسوية مشكلة الحدود السورية الجنوبية بين بريطانيا وفرنسا، وتقرر فصل شرقي الأردن في إمارة خاصة.
تألف صك الانتداب من مقدمة و28 مادة، وكان بمثابة الدستور الذي حكمت به بريطانيا فلسطين طوال فترة الانتداب. وقد تضمنت المقدمة نص "وعد بلفور"، ومصادقة عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين مع تخويلها مسؤولية تنفيذ الوعد، وتأكيد الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، والأسباب التي تدعو إلى إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد. وقد اختصت المواد الثانية والرابعة والسادسة والسابعة والحادية عشرة والثانية والعشرون بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وشكلت مخططاً متكاملاً لتحقيق ذلك من النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية.
فقد نصت المادة الثانية على إعطاء الدولة المنتدبة السلطة التامة في الاشتراك والإدارة، واعتبرتها مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي... وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين.
ونصت المادة الرابعة على إنشاء وكالة يهودية معترف بها لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الأمور التي تُؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي.
ونصت المادة السادسة على تسهيل هجرة اليهود... وأن تشجع حشدهم في الأراضي الأميرية والأراضي الموات، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع الفئات الأخرى من السكان.
أما المادة السابعة فنصت على أن يشمل قانون الجنسية نصوص تُسهل اكتساب اليهود للجنسية الفلسطينية.
فيما نصت المادة الحادية عشرة على أنه يمكن للإدارة البريطانية أن تتفق مع الوكالة اليهودية على أن تقوم الوكالة بإنشاء أو تسيير الأشغال والمصالح والمنافع العمومية وتطوير مرافق البلاد الطبيعية.
ونصت المادة الثانية والعشرون على أن "تكون الإنكليزية والعربية والعبرية اللغات الرسمية لفلسطين.
أما المادة الخامسة والعشرون فقد أعطت الدولة المنتدبة الحق، بموافقة عصبة الأمم، في أن تُرجئ أو تُوقف تطبيق ما تراه غير قابل للتطبيق من هذه المواد على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن، ومن ثم وافق مجلس عصبة الأمم على استثناء منطقة شرقي الأردن من تطبيق مواد صك الانتداب المتعلقة بإنشاء الوطن القومي اليهودي، كما وافق على تخويل بريطانيا المسؤولية الكاملة عن الانتداب على شرقي الأردن.
هذا وقد كانت الوكالة اليهودية إبان الانتداب البريطاني بمثابة حكومة يهودية مستقلة، حيث أشرفت على إدارة وتسيير المرافق التعليمية والاقتصادية الصهيونية في فلسطين وإدارات العلاقات الخارجية للاستيطان الصهيوني ومتابعة الوكالة ونشاطاتها بعد إعلان قيام الدولة من خلال مشاريع استيعاب المهاجرين الجدد ودعم النشاط الاستيطاني ومتابعة الهجرة اليهودية وتوفير الدعم المالي لعدد كبير من المؤسسات التعليمية والاجتماعية اليهودية.
نرى مما سبق، أن صك الانتداب وثيقة سياسية بالغة الخطورة، والمستند الذي أبرزت به بريطانيا سياستها الصهيونية، على أساس أنه تعهداً دولياً ملزماً فوضت عصبة الأمم إليها أمر تنفيذه. فقد تضمنَّ هذا الصك مخططاً مدروساً لإقامة الوطن القومي اليهودي الذي نص عليه تصريح "بلفور" وخصصت مواده الرئيسة لضمان المصالح الصهيونية والبريطانية.
وتجاهل صك الانتداب الأكثرية العربية الساحقة ولم يأتِ على ذكر وضعها وحقوقها، إلا بشكل منقوص جداً وعرضي، في الوقت الذي كان عددها في فلسطين يفوق 90% من مجموع السكان، واليهود دون 10% ولا تكاد ترتفع أملاكهم إلى 2% من الأراضي وقت صدور الصك. كما كان الصك خرقاً لاتفاقية "حسين-مكماهون" التي تعهدت بريطانيا بموجبها باستقلال البلاد العربية بعد الحرب، على الرغم من الادعاء البريطاني بأن فلسطين قد استثنيت من تلك الاتفاقية،
كذلك، كان الصك مخالفة لميثاق عصبة الأمم" بحسب ما جاء في المادة الثانية والعشرين الذي جعل لرغبة السكان الأصليين المقام الأول في اختيار الدول المنتدبة؛ فالعرب، وهم السكان الأصليّون والأغلبية الساحقة، لم يختاروا بريطانيا، بل إن المنظمة الصهيونية العالمية هي التي اختارتها.
أما الحركة الصهيونية، فقد رأت أن بريطانيا انتزعت في مؤتمر عصبة الأمم، شرق الأردن من منطقة الوطن القومي اليهودي وأقامت إمارة شرق الأردن على جزء كبير من الأراضي المخصصة للشعب اليهودي (ما يقارب 77% من هذه الأراضي)، وتم إغلاق شرق الأردن بكاملها في وجه الاستيطان اليهودي.
ورغم الاجحاف الذي ألحقته مقررات المؤتمر بحق اليهود، إلا أنه تم التأكيد مجدداً على حقهم بإقامة وطن قومي لهم في "أرض إسرائيل الغربية".
واعتبر قادة إسرائيل لاحقاً أن انتزاع شرق الأردن من منطقة الوطن القومي اليهودي، شكل تنازلاً مسبقاً من جانب الحركة الصهيونية، وهو بمثابة تعويض للفلسطينيين الذين يشكلون أغلبية سكانية به، وهناك من اعتبر بأن الأردن هو الدولة الفلسطينية القائمة بالفعل، مما يُبطل ادعاءات الفلسطينيين بأنهم بلا دولة، وينفي أحقيتهم بدولة ثانية في الأراضي المحتلة عام 1967.
إجمال
مما سبق، يتضح أن قادة الحركة الصهيونية وفيما بعد قادة إسرائيل، نظروا إلى الشعب الفلسطيني بصورة استعلائية وعدائية، حتى قبل أن يتبلور الصراع، ويتوطن، ويأخذ أبعاده وأشكاله، وتتحدد عوامله ومستوياته المختلفة، إذ أنكروا منذ وقت مبكر وجوده كشعب له جذور عميقة، وأصول تاريخية، وتجليات حضارية انبثق عنها هوية جماعية وتطلعات وطنية، رغم خضوعه لسيطرة دول وإمبراطوريات كثيرة، على امتداد حقب زمنية طويلة، سبقت الانتداب البريطاني.
ومع تبلور الصراع على الأرض، بين الفلسطينيين الموجودين أصلا، وبين المهاجرين اليهود الجدد الطامحين لبناء دولتهم الجديدة على أنقاض وجود الشعب الفلسطيني وآماله وتطلعاته للمستقبل، رفض الفلسطينيون فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين تحقيقاً لوعد "بلفور". وازدادت حدة العداء والتناحر، وتغذت بعوامل خارجية (توازنات ومصالح الدول الكبرى)، إلى جانب عوامل الصراع المحلية بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية. ووصل الصراع ذروته عند صدور قرار التقسيم عام 1947، الذي وافقت عليه الحركة الصهيونية لتثبيت وجودها على الأرض واكتساب الشرعية الدولية، في حين رفضه الفلسطينيون الذين تعاملوا معه كصدمة سياسية وعاطفية، أملتها معطيات السياق التاريخي في ذلك الوقت.
لم تلتزم إسرائيل بمضامين واشتراطات قرار التقسيم بموضوعات الحدود والقدس واللاجئين الفلسطينيين.
استغلت إسرائيل نتائج حرب عام 1948، وقامت بتوسيع حدودها بما يتجاوز قرار التقسيم، واستولت على 78% من أرض فلسطين "الانتدابية". وتزامن ذلك مع ضربات قاسية وُجِّهت للكيانية الوطنية الفلسطينية، بعد أن تم ضم الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، وإلحاق قطاع غزة بالحكم المصري.
وبعد أن قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وأراضٍ عربية أخرى عام 1967، استمرت في إنكار وجود الشعب الفلسطيني ورفضت الاعتراف بممثله الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية، ونفت أحقيته بدولة.
بمرور الوقت، أدركت إسرائيل أن وضع الفلسطينيين الذين يخضعون إلى احتلالها (ولا توجد لديهم مواطنة طبيعية، ولا مؤسسات تمثيلية، ولا يحصلون على الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية، وتزداد معاناتهم، بما يتواكب مع تعاظم تطلعاتهم الوطنية، وتنامي تعبيرات رفضهم للاحتلال)، لن يستمر طويلاً وفقاً لصيغة الوضع الراهن القائمة والمفضلة لديها، الأمر الذي أرَّقَ قادة إسرائيل، وجعلهم يبحثون عن بدائل أخرى لا يترتب عليها تكلفة حقيقية، تُنهي تلك المعضلة الزاحفة والمتراكمة، وتوفر حلاً "للسكان الفلسطينيين"، لكن دون التنازل عن الأراضي المحتلة.
وكذلك استمرت بالتهرب من مواجهة الحقيقة الواضحة التي تفيد أن الشعب الفلسطيني لن يرضى بأن يكون أقل من الشعوب التي نالت حريتها، وقررت مصيرها بنفسها، وأسست دولها المستقلة.
وقد شكل اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، نقطة تحول صادمة في التفكير الإسرائيلي، وفي العلاقة ما بين الشعب الفلسطيني المحتل ودولة الاحتلال، وهي التي دفعت إسرائيل لإعادة النظر بمحددات سياستها، وتطوير بدائل جديدة تستجيب للمتغيرات التي فرضتها الوقائع على الأرض، بما يمكنها من التغلب على مشكلاتها وتحقيق مصالحها.
وهذا ما يمكن تناوله في بحث آخر ذو صلة بسياسة إسرائيل بالاعتراف بالكيان الفلسطيني.
المصادر محفوظة
30/03/2023 01:33 pm 886
.jpg)
.jpg)