
كنوز نت - محمد البريم
الحلقة الثانية
إسرائيل وسياسة انكار وجود الشعب الفلسطيني
- د. محمد جبريني
ثانياً: الأحقية الدينية
استندت الأيديولوجية الصهيونية في إثبات أحقية اليهود دون سواهم في فلسطين، إلى ما ورد في نصوص العهد القديم؛ ومنها: "وأعطيك أرض غربتك لك ولنسلك من بعدك جميع أرض كنعان ملكاً مؤبداً ويكون لهم إله"، وفي نص آخر: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبراهام ميثاقاً، لنسلك أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات".
وباعتبار أن التوراة هي نبراس الديانة اليهودية ودستورها الأسمى، فمن الطبيعي أن يتأثر معتنقو هذه الديانة في سلوكهم لتحديد أُطر علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع غيرهم، بما وجدوه مُدوناً في كتابهم المقدس بأنهم "شعب الله المختار". الأمر الذي شرع لهم كراهية العرب، وبرر تطبيق شرائعهم الدينية رغم ما قد يترتب عليها من فظائع.
- 1. تشريع كراهية العرب:
دأب رواد الفكر الديني اليهودي، وحاخامات إسرائيل على اختلاف أصولهم الطائفية وتنوع مذاهبهم الفقهية، على نفي أي حق للعرب في فلسطين، والتحريض ضدهم، وإذكاء نار الحقد والكراهية تجاههم. وتمثل تصريحات الحاخام اليهودي الشرقي "عوفاديا يوسف" التي أدلى بها في نيسان عام 2001، ووصف فيها العرب بأنهم "أولاد أفاعي"، وأن الله ندم لأنه خلقهم وبالتالي من الواجب قتلهم، نموذجاً من كم هائل من الأدبيات التي رددها رواد الفكر اليهودي الأوائل، ومن بعدهم الكثير من المسؤولين والمثقفين والأدباء اليهود، مستندين في ادعاءاتهم تلك على التوراة والتلمود وسائر النصوص التراثية والدينية التي تشكل العمود الفقري في مناهج الدراسة والتعليم والثقافة اليهودية، ومن أشهر تلك المقولات "العربي الجيد هو العربي الميت".
يقول "موشيه منوحن": "علمونا في المدرسة الدينية أن نكره العرب وأن نحتقرهم، وعلمونا كذلك أن نطردهم بقوة السلاح إن تطلب الأمر ذلك، على اعتبار أن فلسطين هي بلادنا لا بلادهم". أما الزعيم الصهيوني "زئيف جابوتنسكي" فيرى أن التربية الصحيحة ليست تعليم القراءة والكتابة، ولكنها التدرب على إطلاق الرصاص والقتل. وقد جمَّلَ "بن غوريون" صورة قتل العرب حين قال:"القتل هو الوسيلة المثلى لتحرير الطاقة الكامنة لدى الجندي، وممارسة القتل هي الشكل الوحيد المقبول للتسامي بالغرائز المكبوتة"، وهذا قريب مما قاله "موشيه ديان": "قتل العرب هو قدر جيلنا"، فيما قال "مناحيم بيغن": "من الدموع والنار والدماء والرماد خُلق صنف جديد من البشر لم يعرفه العالم منذ أكثر من 1800 سنة وهو اليهودي المحارب".
أما الأدباء والكتّاب العبريون فلا يختلفون كثيراً في كتاباتهم ونتاجاتهم الأدبية عن كتابات وشروحات رواد الفكر اليهودي ومن ثم قادة إسرائيل على مرِّ السنين فيما يتعلق بنظرتهم إلى العرب.
- 2. الشرائع تبرر الفظائع:
يحظر على اليهود بموجب أحكام التوراة تسليم أي جزء من "أرض إسرائيل" إلى "الأغيار"، وجزاء من يفعل ذلك الموت، وهذا ما أكده "إيغال عامير"، قاتل رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق "إسحق رابين"، أثناء التحقيق معه في جهاز الأمن العام الإسرائيلي، حيث قال: "إن حكم المطارد، وحكم المُسَلِّم الذي يسلم يهودياً أو (أرض إسرائيل) للأجنبي هو تشريع إلهي، وحينما تكون هناك شريعة إلهية، لا يوجد ما يسمى بالمشكلة الأخلاقية، ولو أنني كنت أقوم باحتلال البلاد في العهد القديم، لقتلت أطفالاً وأولاداً مثلما هو وارد في (سفر يشوع) ، كنت سأفعل ذلك دون أن أشعر بأي وزرٍ أخلاقي، رغم أن قتل الأطفال والأولاد يبدو وزراً أخلاقياً لأول وهلة، ولأن الأمر يتعلق بالشرائع، فلا أشعر بأي تأنيب ضمير أخلاقي".
كما أن المذبحة التي نفذها الطبيب "باروخ غولدشتاين" في الخامس والعشرين من شباط عام 1994، في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، هدفت للوصول إلى نفس الهدف الذي سعى إليه "إيغال عمير"، باغتياله "رابين"، وهو: تدمير مسيرة السلام التي قد تفضي إلى تسليم أجزاء من "أرض الميعاد" للفلسطينيين، وذلك امتثالاً لأحكام التوراة من وجهة نظر غُلاة التطرف الديني اليهودي.
ولم يَنْجُ "آرائيل شارون" نفسه من الذم والتحقير، والتحريض على قتله، بعد أن أعلن عن نيته إخلاء قطاع غزة، حيث استخدم اليمين المتطرف "سلاح الدين" لإحباط خطة الفصل أُحادي الجانب، ففي 29 حزيران عام 2004، ألقى الحاخام "أفيغدور نبنزال" خطاباً في القدس الشرقية ضد "شارون" لفظ فيه مصطلح "دين روديف" وتعني: حكم المطارد. وهو ذات اللفظ الذي استخدم قبل ذلك ضد "رابين"، ويعني هذا التعبير مشروعية ملاحقة ومطاردة وقتل كل من يتنازل عن جزء من "أرض إسرائيل" لغير اليهود.
وفي 16 أيلول عام 2004، قال الحاخام "يوسف ديان" من مستوطنة "بساجوت": أنه مستعد لإصدار فتوى بقتل "شارون" كما فعل في حينه مع "رابين" (كان قد أصدر فتوى "طُقس الضرب بسياط من نار"، أو "بولسادينورا " بلغة التوراة؛ وتعتبر هذه الفتوى عقاباً لكل من يحاول أن يخطو خطوات تتعارض مع النظام الكوني وفق مفاهيم الديانة اليهودية، وموافقة حاخام على إجراء طُقس كهذا لشخص ما، تعني إهداراً لدم ذلك الشخص).
وفي 9 كانون ثاني عام 2005، وصف الحاخام "مردخاي إلياهو" قرار الحكومة الإسرائيلية بالانفصال عن قطاع غزة، بأنه فضيحة وعار بحسب التوراة، واعتبر تنظيم خطة الإخلاء أمراً محظوراً؛ وذلك "لأن (أرض إسرائيل) عطية من الله، ولأنها ستحضر القتلة وتُعرض سكان الدولة للخطر". ودعا كل يهودي لتقديم العون بجسده وماله وروحه ضد الإخلاء.
وهاهم غلاة اليمين الصهيوني الديني المتطرف "معسكر نتنياهو- سموتريتش- بن جفير "، الذين يحكمون إسرائيل اليوم لا يفوتون فرصة لبث سموم الحقد والكراهية والعنصرية ضد الشعب الفلسطيني ويسعون جاهدين لحسم الصراع بالقوة، وما محاولتهم لتغيير نظام الحكم في إسرائيل وإضعاف القضاء إلا وسيلة للمضي قدما في تحقيق أهدافهم الدينية والاستيطانية والعنصرية.
27/03/2023 05:55 pm 713
.jpg)
.jpg)