كنوز نت - محمد البريم

الحلقة الأولى

إسرائيل وسياسة إنكار وجود الشعب الفلسطيني

                   
  • د. محمد جبريني
 سعت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها إلى إنشاء وطناً قومياً لليهود في فلسطين، بوصفها أرض الميعاد ووطن الآباء والأجداد الأوائل. واستنفرت لأجل ذلك جميع أساطيرها، ومخزوناتها الدينية والتاريخية، ومكنوناتها الفكرية والسياسية، مبلورة أيديولوجية صهيونية، مدعمة بخطط عمل، وتحالفات دولية، وموارد مالية، وأدوات تنفيذ.

 تحرك قادة الحركة الصهيونية بشكل عدائي في كل الاتجاهات وسلكوا مختلف الدروب لتذليل وإزالة العقبات التي تعترض طريق تحقيق حلمهم وتحويله إلى حقيقة ملموسة، وفي مقدمة هذه العقبات حقيقة وجود الشعب العربي الفلسطيني على أرض وطنه. فما كان منهم إلا اختلاق الأفكار والأعذار والمقولات التي تُنكر وجود ذلك الشعب "الأسطوري"، والادعاء بأن فلسطين أرض خالية بلا شعب، وبالتالي، من على وجه البسيطة أحق بها من أصحابها الأصليين وشعبها العتيق!

 وقد ارتكزت استراتيجية الحركة الصهيونية سابقاً، وقادة إسرائيل بعد ذلك، في إنكار وجود الشعب الفلسطيني، والتنكر لحقوقه المقررة في القانون الدولي، إلى مرتكزين أساسيين.

 المرتكز الأول: إثبات الأحقية التاريخية والدينية لليهود في فلسطين، من خلال فسخ الروابط التاريخية والقومية للفلسطينيين في وطنهم، وتشويه صورتهم والحط من مكانتهم، والتعامل معهم كمجموعات سكانية لا ترقى لمستوى الشعوب. وإثبات الحق الديني الحصري لليهود "كشعب الله المختار" الذي اصطفى له وورثه دون سواه "أرض الميعاد"، وحُرم عليه التفريط بأي جزء منها "للأغيار".

 المرتكز الثاني: إثبات الأحقية السياسية لليهود في فلسطين، اعتماداً على الصحوة القومية والانبعاث السياسي الجديد، المتمثل بتأسيس الحركة الصهيونية، وبالاستناد إلى "وعد بلفور" عام 1917، ومقررات مؤتمر "سان ريمو" عام 1920، ومؤتمر عصبة الأمم عام 1922.
  • المرتكز الأول: الأحقية التاريخية والدينية لليهود في فلسطين
 استغلت الحركة الصهيونية الروابط التاريخية والدينية القديمة لليهود في فلسطين، في محاولة منها لتحقيق هدفها السياسي المتمثل بإنشاء دولة يهودية في “أرض الميعاد"، وحتى تتمكن من مجابهة الوجود الفلسطيني المعيق لتحقيق هذا الهدف، عمدت الحركة الصهيونية إلى نفي أحقية الفلسطينيين (الأغيار) بتأسيس دولة لهم على تلك الأرض.

 وبناءً عليه، سيتم في هذه الفقرة دراسة أبرز الأدبيات الصهيونية واليهودية بشأن أحقية اليهود في فلسطين من الناحيتين التاريخية والدينية.

أولاً: الأحقية التاريخية

 سنتناول هنا استراتيجية الحركة الصهيونية في إثبات الأحقية التاريخية لليهود في فلسطين وسعيها إلى إنكار وجود الشعب الفلسطيني، والإصرار على فسخ روابطه التاريخية والقومية في وطنه والعمل على ترحيله منه، بالإضافة إلى محاولة تشويه صورته والتعامل معه كمجموعات سكانية لا ترقى لمستوى الشعوب، وإثبات عدم جدارته بدولة، وذلك من خلال استعراض أبرز الأدبيات الإسرائيلية: الفكرية، والسياسية، والأكاديمية، والدينية التي تناولت الموضوع.
  • 1. فسخ روابط الشعب الفلسطيني بوطنه:
  واجهت الحركة الصهيونية، في سعيها إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين مشكلة الوجود الفلسطيني. وبهدف الالتفاف على هذه المشكلة، روجت لفكرة "الأرض الخالية". ليس بمعنى أنها خالية من السكان، وإنما بمعنى أن سكانها من العرب لا يمتلكون أية روابط تاريخية أو قومية، تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها، الأمر الذي يجعل من السهل رحيلهم، أو ترحيلهم عنها إذا استدعت الضرورة ذلك.

 وقد عبرت مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، التي تبناها قادة الحركة الصهيونية منذ عام 1897، عن سياسة الإنكار تلك، وأعلن القائد الصهيوني "يسرائيل زانجويل" مبكراً عن موقفه بشأن ترحيل الفلسطينيين، وقال: "علينا أن نستعد إما لطرد القبائل صاحبة الملكية، بحد السيف، كما فعل أجدادنا، وإما أن نعتاد على التعامل مع مشكلة وجود عدد كبير من السكان الغرباء، الذين اعتادوا ولقرون كثيرة على ازدرائنا".

 وقد بقي موقف "زانجويل" من الفلسطينيين ثابتاً، وظل يؤكد بأن ترحيلهم عن فلسطين يشكل شرطاً مسبقاً لتأسيس الدولة اليهودية، ومن واجب الحركة الصهيونية إقناعهم بالرحيل بصورة طوعية صوب الصحراء العربية. وكتب متسائلاً: "أليست جزيرة العرب ومساحتها مليون ميل مربع كلها لهم، ليس ثمة ما يدعو العرب إلى التمسك بهذه الحفنة من الكيلومترات، فمن عاداتهم وأمثالهم المأثورة طي الخيم والتسلل، دعهم الآن يعطون المثل بذلك".

 ودعا قادة الحركة الصهيونية إلى انتهاج سياسة القوة لاعتقادهم أن القوة وحدها هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب لإجبارهم على الرحيل من وطنهم، وأخذوا يعتمدون عليها لتحقيق أهدافهم الاستيطانية. وقد عبَّر "مناحيم أوسيشكين" أحد قادة الاستيطان اليهودي في فلسطين، عن فكرة نفي الوجود الفلسطيني من خلال تشتيته بقوله: "من المحتَّم بالدرجة الأُولَى، أن تكون جميع أراضي فلسطين أو معظمها مُلْكاً لشعب إسرائيل، وبدون حق ملكية الأراضي لا تكون فلسطين يهودية أبداً"، وجاء على لسان "فلاديمير جابوتنسكي" أيضاً: "إن العرب يستطيعون التنازل عن فلسطين وشرق الأردن، وتكفيهم الأراضي الأخرى الشاسعة التي يقطنونها، وخصوصاً أن عدد سكانها قليل للغاية بالنسبة لمساحتها. وأكد على وجوب ترحيل العرب بالقوة؛ لأن ترحيلهم -بحسب رأيه-شرطاً أساسياً لتحقيق الصهيونية. فاقترح في رسالة بعث بها إلى السيناتور الأميركي "غراسنبيرغ" قائلاً إن تأسيس أكثرية يهودية في فلسطين يجب أن يتم عنوة عن إرادة الأكثرية العربية الموجودة في البلاد. وسيرعى عملية إنجاز هذه الأكثرية جداراً حديدياً من القوة اليهودية المسلحة لتحرير فلسطين بحد السيف.

 وقد تمسك قادة إسرائيل باستراتيجية الإنكار تلك، وفي أحسن الأحوال كانوا ينظرون إلى الشعب الفلسطيني باعتباره جماعات ذات هويات قومية وسياسية مختلفة، أو أفراداً بلا هوية جماعية موزعين في مجموعات متفرقة، وليسوا شعباً ذا حق في تقرير المصير. وليس أدل على ذلك من المقولة الشهيرة لـرئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة "جولدا مائير": "لم يكن هنالك شيء يُسمى بالفلسطينيين. لم يكن هنالك شعب يُسمي نفسه بالشعب الفلسطيني وقمنا نحن بقلعهم من أرضهم وسلب وطنهم منهم. في الحقيقة لم يكن للفلسطينيين أي وجود".

 كما نفى "بنيامين نتنياهو" في كتابه "مكان بين الأمم"، ادعاء العرب بأن اليهود احتلوا "أرض إسرائيل"، من أيدي شعب عربي عاش عليها مئات السنين، وكان صاحبها الشرعي. وقال أنه منذ إلغاء الدولة اليهودية في العهد القديم وحتى بداية حكم البريطانيين، لم تكن للمنطقة المعروفة باسم فلسطين أية حدود باستثناء الحدود الإدارية. وكانت جزءاً إدارياً من ضمن كيان أكبر، ولم تكن دولة فلسطين العربية قائمة أبداً، حتى أن اسم فلسطين نفسه لم يكن مستعملاً بين العرب، وأن البريطانيين هم الذين أحيوه، ومنهم صادره العرب لأنفسهم، في القرن الحالي.

 وتساءل "نتنياهو" عن زعماء الشعب الفلسطيني "الخيالي" خلال المائتي سنة من حكم المماليك، والأربعمائة سنة من الحكم التركي، وما هي المنظمات السياسية، أو المؤسسات الاجتماعية، أو المؤلفات الأدبية، أو الفنية، أو الدينية، أو حتى تبادل الرسائل الخاصة، التي ورد فيها ذكر أو تعبير عن علاقات ذلك الشعب بتلك الأرض المجزأة والمقسمة؟

 وأكد "نتنياهو" بأن كل تلك الأمور لا وجود لها نهائياً. فطيلة ذلك التاريخ الطويل، لم يُعرب السكان العرب في "أرض إسرائيل"، ولو تلميحاً، عن رغبتهم في الاستقلال القومي، أو فيما يُعرف اليوم بحق تقرير المصير. كان هنالك عرب عاشوا في "أرض إسرائيل"، مثلما عاش عرب آخرون في أماكن أخرى كثيرة. لكن لم يكن هناك شعب فلسطيني ذو وعي قومي أو هوية قومية، أو حتى مصالح قومية مشتركة، ومثلما لم تكن هناك دولة فلسطينية، لم يكن هناك شعب فلسطيني، أو ثقافة فلسطينية.

  وخلص "نتنياهو" إلى القول:

 إن الذين كانوا يلقبون أنفسهم "بفلسطينيين" في عهد الانتداب البريطاني، هم يهود فلسطين بالذات: جريدة فلسطين، والموسيقى الفلهرمونية الفلسطينية، كانتا يهوديتين. كما أن الجنود الذين خدموا في إطار اللواء اليهودي في الجيش البريطاني، كانوا يدعون من قبل البريطانيين "فلسطينيين"، وكان هذا المصطلح خاصاً آنذاك باليهود. صحيح أنه كان آنذاك إلى جانب "اليهود الفلسطينيين" "عرب فلسطينيين" أيضاً، بيد أنه في تلك الأيام لم يكن عرب "أرض إسرائيل" يرفعون شعارات قومية خاصة منفردة، وكانوا يؤكدون دائماً على انتمائهم للأمة العربية.

 ومن جانب آخر، يُنكر العديد من المستشرقين الإسرائيليين زعم الفلسطينيين بأنهم سكنوا البلاد منذ آلاف السنين، وبأنهم سبقوا اليهود الذين جاؤوا إليها محتلين. على اعتبار أنهم (الفلسطينيون) نسل الكنعانيين، أو اليبوسيين، أو الفلسطينيين القدماء؛ وأنهم أبناء هذه الأرض الأصليون التي اُحتلت آنذاك كما اُحتلت اليوم على أيدي اليهود. كما ويُنكر أولئك المستشرقون محاولة الفلسطينيين اختلاق تاريخ جديد إلى جانب محو التاريخ اليهودي وتزويره إلى حد التناقض المنطقي أحياناً؛ ليصبح الكنعانيّون الذين ذُكِروا في الكتاب المقدس عرباً فجأة، ويصبح "يسوع" هو الفلسطيني الذي دعا إلى الإسلام لا إلى المسيحية.

 يُعرِف الباحث "رافي يسرائيلي" المختص في دراسات الإسلام، الصلة التي يصطنعها الفلسطينيون بالكنعانيين المذكورين في الكتاب المقدس بأنها متناقضة منطقياً: "إن أصل العرب القديم الذين جاءوا إلى البلاد هو شبه الجزيرة العربية، فمن هناك جاء أوائلهم، وهم الآن يقفون على رؤوسهم، فبدل أن يقولوا إنهم عرب هاجروا إلى أرض كنعان وحولوها أرض مسلمة، يجعلون أنفسهم أبناء كنعان".

 وينفي "يسرائيلي" وجود أية جذور للفلسطينيين في هذه البلاد، ويُدلل على ذلك بقوله: "توجد حتى في أسماء العائلات العربية آثار سافرة تُبين هجرتهم إلى هنا، ففي أم الفحم توجد أربع عائلات كبيرة أصلها من مصر. وكان في البلدة القديمة في القدس "حي المغاربة" للمسلمين الذين جاءوا من شمال إفريقيا ومن المغرب واستوطنوا (أرض إسرائيل). هذا إلى جانب أن الدولة العثمانية نقلت مجموعات من السكان من مكان إلى مكان كي تُحْسِن سيطرتها عليها. فقد جاءت إلى هنا بالشركس وهم مسلمون من القوقاز وأُسكنوا في هذه البلاد".

 واستخدم المستشرق "نسيم دانه" المتخصص بالصراع الديني بين اليهود والفلسطينيين، بعض نصوص القرآن الكريم لإثبات صلة اليهود بفلسطين وبأن الله عز وجل ورّثها لهم دون سواهم، فيقول:

توجد عشرة مواضع في القرآن تقول إن الله أورث شعب إسرائيل هذه البلاد. وقد أُكد فيها جميعًا تقريباً ذلك الحق بل الواجب المفروض على بني إسرائيل أن يرثوها. وفي مقابل ذلك لا يوجد أي ذكر في القرآن يورث المسلمين أو العرب أو الفلسطينيين البلاد أو أية أمة أخرى ليست شعب إسرائيل. وإلى ذلك فإن الزعم الحالي وهو أن الشعوب التي احتل شعب إسرائيل الأرض منهم وهم الكنعانيون واليبوسيون والعمالقة كانوا شعوباً عربية – لا يتساوق مع حقيقة أن بني إسرائيل بحسب الإسلام نفسه قد أمرهم الله باحتلال هذه الأرض من تلك الشعوب بعد أن دنسوها بعبادة الأوثان.

 إن نظَر "دانه" في القرآن الكريم من جديد، جعله يستنتج أنه لا يوجد أساس لتعريف الفلسطينيين أنفسهم اليوم بأنهم كنعانيون. لأن أصل المسلمين الذين يعيشون هنا اليوم والذين تحول آباء آبائهم عام (622) ميلادي ليصبحوا مسلمين، هو في شبه الجزيرة العربية، وأن زعمهم أنهم من نسل الكنعانيين مرده هدفاً ذاتياً، لأن الله كما ورد في القرآن الكريم أمر بطرد الكنعانيين من البلاد بعد أن دنسوها.

 يقول الباحث "شاؤول بارتال" من قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة "بار ايلان": "في كثير من كتب التاريخ الفلسطينية هناك تأكيد على الاحتلال العربي لفلسطين في القرن السابع عام 638 للميلاد، وهو احتلال جعل فلسطين أرضاً إسلامية منذ نحو (1300) سنة".

 ويُبين "بارتال" أن موجات الهجرة التي جاءت من شبه الجزيرة العربية، وبعد ذلك من شرقي الأردن وسوريا أيضاً، هي التي أدت إلى استيطان العرب في هذه البلاد؛ حتى في رام الله التي هي العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، فيرجع جذور سكانها العرب إلى عائلات هاجرت إلى هناك من الأردن في نهاية القرن الخامس عشر.

 ويذكر "بارتال" أن أبحاثاً مختلفة قام بها على مرِّ السنين "موشيه برافر" و"جدعون كارسل" وآخرون، بينت بوضوح أن أصل أكثر العائلات العربية التي سكنت قرى السهل الساحلي والمنطقة التي أصبحت "دولة إسرائيل" بعد ذلك، كان من السودان وليبيا ومصر والأردن. وتشهد أبحاث أخرى على موجات هجرة كبيرة من دول عربية في فترة الانتداب.

 ويخلص "بارتال" بناءً على ذلك إلى القول:

إن الفلسطينيين ليسوا هم الفلاحون الذين كانوا يسكنون فلسطين حقباً طويلة، بل هم في الأساس مهاجرون جاءوا إلى هنا حديثاً، وقُبيل نهاية القرن التاسع عشر فقط بدأت هذه البلاد تزهر على إثر دخول عامل جديد هو الصهيونية، وكانت النتائج مدهشة، ففي عام 1887، كان عدد سكان البلاد 141 ألف مسلم من السكان المستقرين، عُرف 25 بالمئة منهم على الأقل بأنهم جدد جاءوا من مصر في الأساس منذ وقت قريب.

 أما "جون بيترز"، مؤلفة كتاب "منذ الأزل"، فقد وجدت: "أن الوضع ليس على الخصوص، وضعاً دُفع فيه أو أُبعد عن أرضه شعباً عربياً كثيفاً كان موجوداً منذ الأزل، بل الوضع عكس ذلك تماماً، وهو أن الوجود اليهودي اجتذب إليه مهاجرين عرباً، وأن أرض اليهود التي كانت مخصصة لتكون وطناً لهم سُلبت منهم مع وصول مهاجرين عرب".

 وتُرجع "بيترز" الفضل في وجود العرب في هذه البلاد، إلى الاستيطان اليهودي الذي طور الإمكانات الاقتصادية، ومستوى الصحة والطب فيها. وهكذا نشأ وضع أصبح معه عدد عرب فلسطين الانتدابية عام 1948، نحواً من 1.3 مليون إنسان، في حين كان عدد أفراد الاستيطان اليهودي 600 ألف إنسان فقط برغم أمواج هجرة كثيرة جاءت إلى البلاد.


 واستشهدت "بيترز" بقول "فرنكلين روزفلت" رئيس الولايات المتحدة عام 1939، بأن هجرة العرب إلى فلسطين منذ عام 1921، فاقت بقدر كبير هجرة اليهود في تلك الفترة. وكذلك تطرقت لما قاله "ونستون تشرتشل" عام 1939، بشأن الهجرة العربية الجماعية إلى "أرض إسرائيل" في تلك الفترة. حيث تدفقوا جموعاً إلى البلاد وتكاثروا فيها، وفاقوا كل ما كان يستطيع يهود العالم أن يزيدوا السكان اليهود به.

 وتخلص "بيترز" اعتماداً على نتائج دراستها إلى أنه: "وُجد مع الشعوب التي عُدت عربية فلسطينية من أبناء هذا المكان، شعوب أخرى كاليونانيين، والسوريين، واللاتين، والمصريين، والأتراك، والأرمن، والإيطاليين، والفرس، والأكراد، والألمان، والأفغان، والشركس، والبوسنيين، والسودانيين، والجزائريين، والتتر أيضاً"، مما لا يُعطِ الحق للفلسطينيين بالادعاء أنهم أصحاب هذه البلاد.
  • 2. مجموعات سكانية لا ترتقِ لمستوى الشعوب:
 انطلاقاً من سعي الحركة الصهيونية لإنشاء دولة يهودية مستقلة ومنفصلة عن بيئة المشرق العربي، وإلى جانب تركيزها على نفي وجود شعب فلسطيني قائم بذاته وبالتالي عدم جدارته بدولة خاصة به، فقد اتَبَعت استراتيجية ترمي إلى تشويه صورة الفلسطينيين، ووصمهم بأحكام مسبقة لتبرير كراهيتهم، وإثبات عدم ارتقائهم لمستوى الشعوب المتحضرة؛ وبالتالي عدم أهليتهم للتمتع بحقوق سياسية. وقد أسهم ذلك في تشكيل اتجاهات اليهود نحو الفلسطينيين العرب، لا بل اتجاهات غير اليهود في أنحاء العالم والتي كانت في غالبيتها العظمى اتجاهات سلبية.

 وقد رسم الأدب العبري الحديث صورة العربي ما قبل عام 1948، انطلاقاً من ثلاثة اتجاهات: اعتبر الاتجاه الأول أن فلسطين أرضاً خالية من السكان، ولذا فإن المستوطنين اليهود على استعداد لاستيطانها وتعميرها. وقد اعترف الاتجاه الثاني بأن هناك سكاناً يعيشون في فلسطين، ولكنهم يتصفون بالهمجية، والوحشية، ويقطنون الصحراء. أما الاتجاه الأخير فقد افترض أن العرب سيصبحون أقلية في فلسطين لأنها "أرض يهودية"، ولا تعني لأي شعب أيا كان ما تعنيه للشعب اليهودي الذي سيعود إليها حتماً.

 وقد بنت الحركة الصهيونية سياساتها الاستيطانية في ذلك الوقت استناداً إلى تلك الأفكار، وجندت في سبيل تنفيذها كل ما توافر لديها من أدوات سياسية وإعلامية وأدبية وتربوية.

 وغالباً ما صورت القصص العبرية العلاقة بين "اليهودي" والعربي على نحو يُظهر "اليهودي" مظلوم ومعتدى عليه في حين أن العربي ظالم ومعتدٍ، يمد "اليهودي" كلتا يديه إلى العربي عارضاً السلام والعربي يرفض السلام، ويلجأ العربي إلى السلاح ويستغل ضعف الإنسان ويحترم القوة، وإذا احترم العربي إنساناً فإنه لا يحترمه إلا عن خوف. وبكلمات أخرى، فإن العربي لا يفهم إلا لغة القوة فقط.

 وقد ذكر "جرشون شيكيد" المختص في الأدب العبري: "هناك أدباء عبريّون صوروا العربي بصورة نمطية، كساكن صحراء، راعي جِمال تستولي عليه دائماً غريزة الثأر والانتقام، والشعور بالأصالة، وحب الأُبّهة والاعتزاز والشهرة".