كنوز نت - محمد علوش


سيّدة الأرض .. الفكرة التي لا تموت


( فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

لأنها سيّدة الأرض، تلك الفكرة التي تحولت الى حقيقة دامغة، تحمل كل هذا العطاء والسجل الأبيض بالقلوب والأيادي البيضاء التي آمنت بالفكرة، الفكرة التي لا تموت، وبذلت قصارى الجهود لتخليد ما ينفع الناس ليمكث في الأرض.

خمسة عشر عاماً وهذه البذرة الطيبة تنمو وتتطور بعزيمة لا تلين، لتبقى سيّدة الأرض، اسماً ومسمى على قلب فلسطين التي تستحق مثل هذا الانجاز، بمؤسسة واعدة الخطى وواثقة الخطى بذات الوقت، شقت طريقها في خضم التحديات ومجابهة التيار، والخروج عن المألوف، بإمكانيات غير متاحة أصلاً، حيث تمكنت من ترسيخ حضورها، وتكريس مكانتها الطليعية، ولم تلتفت لتلك الأصوات والمآرب المغرضة التي سعت للإساءة اليها أو حرف بوصلتها، أو الطعن بقدرتها على الابداع والتحليق عالياً مثلما تحلق النسور الحمراء.

هي سيّدة الفكرة الباقية، الفكرة التي تنفع الناس وتمكث في الأرض، ببيان مواقفها وأصالة التراث والهوية الذين ترفعهما كأيقونة لن تسقط في اللحظة، ليبقى فلسطين العنوان الأول – فلا صوت يعلو فوق صوت فلسطين.

خمسة عشر عاماً وهي تحفر عميقاً في ذاكرة الأرض، تحرس فضاء الأغنيات بالأمنيات الحزينة، كأنها ألف أيقونةٍ تحوم ففي البدء كانت (سيّدة الأرض) وكان اسمها أول الرخام، وكان اليها المنتهى والمشتهى والالتحام.

سيّدة الأرض، تحمل شراعها لتبقى في أمسنا وفي يومنا وفي غدنا حاضرة.

في رحابها تشدنا الذكريات، مع سادنها وحامل رايتها كمال الحسيني، من أول المهد حتى يطيب العناق، نحلق مع سيّدة الأرض في مدارات النجوم، وأبوابها مشرعة وعلى نوافذها همسات القصائد، وعلى درجاتها كانت الدروب من كل الوفود التي استطاعت سيّدة الأرض بإمكانياتها الصفرية أن تأتي بهم الى فلسطين، الى القيامة والحياة، الى أول الكون وأول التاريخ وأول الأنبياء.


خمسة عشر عاماً وهي تجدد ابداعاتها وتراجع خطواتها وتكتب صفحات مجدها بثبات وعنادِ واردة لا تعرف اليأس ولا الخذلان، انها تتجدد وتنطلق كالعنقاء شامخة عالية النشيد، هامتها مرفوعة وفرسانها، أولئك المؤمنون بالفكرة .. الفكرة التي تموت، والذين حملوها في قلوبهم وفي عقولهم لتبقى المنارة مضيئة تتحلق حولها كل مدارات الكون.

كان لهذا العام نكهة الاختلاف في مؤتمر (القدس بوصلة الأحرار) في النسخة الخامسة عشر لمؤتمر مؤسسة سيّدة الأرض، التي استضافت أسماء كبيرة ولامعة في مجالات الابداع المختلفة، قامات فنية وابداعية كبيرة وعلى رأسهم الفنان القدير أحمد بدير والشاعر المصري هشام الجخ، والفنانة المغربية الكبيرة صباح زيداني، والفنانة التونسية الكبيرة نوال غشام، والفنان التركي الكبير فاتح كوجا، والاعلامية التونسية المتألقة وداد محمـد، وغيرهم وغيرهم وغيرهم من كبار الضيوف والشخصيات الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية من كافة أنحاء العالم .

ولن نتحدث عن مؤتمر سيدة الأرض، فالحديث عنه كبير وكبير جداً، وقد حظي بتغطية اعلامية غير مسبوقة فلسطينياً وعربياً ودولياً، وبإمكانكم مراجعة عشرات البرامج والتقارير الاعلامية والتغطية المباشرة التي صاحبت المؤتمرـ فالحديث عنه سيفقده الكثير لأن شهادتنا ستكون مجروحة، ولن تصل أبدا الى مستوى وصف هذا الكرنفال الاحتفالي التظاهري العظيم الذي عبر عنه على مسرح الهلال الأحمر في رام الله في ظلال أعظم ذكرى وأعظم مناسبة – ذكرى اعلان وثيقة الاستقلال الفلسطيني.

لم يكن مجرد مؤتمر بين أربعة جدران، فقد جرجنا من تلك الجدران، لنعانق أسوار القدس ونطوف في ساحات أقصاها وقيامتها، والى الخليل في الحرم الذي طفح البلاد مواسما وصبا، لنحاكي فيه رسالة العشاق والقمر الذي غلب النعاس كرومه فخبا، لنزف أطيارنا الى حاراتها وجدرانها وأبوابها ونصعد في مدى آذانها حببا .

والى نابلس وجنين، حيث للمقام مقام الشهداء الأكرم منا جميعاً، ففي البلدة القديمة في نابلس وحي الياسمين كان للوفود المشاركة صولات وجولات، وفي تلك الجامعة الشامخة على ساعد عيبال كان لجامعة النجاح الوطنية استقبال وفود سيّدة الأرض ليتكمل النشيد في جنين – ما أدراك ما جنين – جنين طقوس حنين يجتاح القلب، فمهلاً يا قلب جنين الحالم والثائر .. فصلاً - فصلاً يا دمعة أمِ أثكلها الموت وأثكلها الترحال، تحلق فوق الجرح نوارس وجدٍ وهلال، وتحلق فوق الأسلاك وفوق الزنزانة قمحاً وغلال، لأكون بها المفتون بكل الأحوال.

انها سيّدة الأرض، سنبلة الخير، وأسراب طيور تخطفنا نحو سماء أخرى، تهطل مطراً وحبا .. وتهطل شمساً ونجما، وتطرز من ذاكرة الأرض ثوبها الفلسطيني، وتمضى بخطاها الثابتة الى ذلك الفصل الذي لم يكتب بعد.
  سيدة الأرض لأنك عميقة الجذور رغم فتوتك وصباك، فما ذلت تلك العذراء التي تنتظر البحار العائد ..
 تستحقين كل هذا الحب .. فمرحى وألف مرحى .