كنوز نت -   بقلم / صبحه بغوره


     

 الانتقــــام الأبيـــــــض

  •   بقلم / صبحه بغوره
جلس حسن ينظر إلى ما حوله وكأنه يكتشف الأبعاد الحياتية لأول مرة ويتأمل صور ابنه رفيق وبنتيه بثينة وميساء ، يحدق فيها بعين دامعة امتزجت فيها الغبطة والحنين إلى تلك الأيام الخوالي، لم يكتف بتلك الحدود الزمانية التي تقيده بل يعود أكثر إلى الوراء ،انه يشتاق إليهم كثيرا في وحدته بهذه الصحراء الموحشة ،نعم انه وسط الكثيرين معه في العمل في هذه الشركة البترولية الكبيرة يعانون جميعا نفس المعاناة لكنهم على الأقل صابرون لأنهم يحتلون مناصب عمل كبيرة وبمرتبات مغرية وهو ليس إلا مجرد عامل نظافة أتى إلى هذا المكان لأنهم يدفعون له أكثر مما كان يعمل بالمدينة، كان حسن يزور عائلته مرة كل الشهر وكان يسره كثيرا أن يجد أطفاله مواظبون على الدراسة بكل جد، لم يكن هو وزوجته يحملوهم هموم الحياة وربما هذا ما جعل الحياة تسعى لنيل القصاص لأنه لم ينتهك حقها ولم يصرخ،لا تنقصه العزيمة والثقة بالنفس وربى أطفاله على نمط تربيته، لأنه إنسان صالح ابنه رفيق متفوق ومتقد الذكاء وحول القهر القابع بين جوانحه كلما رأى والده يخفي آلامه وراء ابتسامة حنونة لأطفالهم إلى رغبة في فرض تفوقه ، ومرت السنين وكبر ودخل رفيق الجامعة وواظب على تحصيل العلم ، لم يكن يرى والده كثيرا ليشعر بحنانه ودفء أحضانه، ولما كان الفصل صيفا والناس هائمون والحر يدمر كل الأفكار الساذجة منها والعبقرية حرص رفيق كعادته منذ سنوات على عدم تفويت الفرصة واغتنام العطلة ليعمل بالنهار بائعا في إحدى المحلات التي اعتاد صاحبها السفر رفقة عائلته في هذه الفترة من العام ،كان يأتمنه على رزقه وماله ، وفي الليل يلجأ إلى متنفسه الوحيد وملاذه المفضل وهو دراسة اللغات حتى يبتعد عن الفراغ ويتجنب الملل، وفي خضم هذا التداخل في أحداث حياته دخل عليهم والدهم يوما على غير عادته ،انه مصاب بوعكة ، آلام صدرية إصابته بعدما استغنت عنه الشركة بأوامر من مديرها الجديد الذي يصفه حسن بالمتغطرس والجبار، كان ذلك لما علم أن له ابن مهندس على مشارف نيل شهادة الدراسات العليا في مجال البترول وكان يردد على مسامعه باحتقار أنه من المفروض أن يكون أبناء الفلاحين والمنظفين أمثال آبائهم يخلفونهم في عملهم وليس مكانهم رفقة أبنائنا بالجامعات، وكان يتعالى ويتفاخر بأنه أرسل بنتيه للدراسة بلندن بعيدا عن أبناء الطبقة الكادحة والضعيفة ولن يدرسا وسط الحثالة، التفت الى ابنه وقال : " أتدري يا بني رددت عليه بأن بنتيه تدرسان في لندن بأموال شقانا وتعبنا المسلوبة وحقوقنا المهضومة " فما كان منه إلا أنه وجد السبب الكافي لطردي وقال : "إن أردت أرسلت لابنك يأخذ منصبك في العمل ..


" نظر رفيق إلى والده يريد أن يهون عليه : " لا تحمل الهم يا أبي لقد أنهيت دراستي بامتياز وأنا أعمل بجد حتى أوفر جهاز أخواتي البنات سأكمل أنا المشوار انه دوري يا أبي لقد تحملت الكثير من أجلنا ،عليك الآن بالراحة والاهتمام بصحتك " لكن لحسن كان قد فقد فعلا السعادة وهو يشعر أنه لم يستطع أن يكمل مشوار أولاده كان ينعزل في إحدى زوايا غرفته وأصبح يفضلها على غير العادة مظلمة دائما فلا يحيط نفسه الا بذلك الفراغ الرهيب ،ولا يحمل في طياته إلا مزيدا من الوحدة القاتلة ، لقد تمكن في ظروف صعبة من تزوي بنتيه وبرحيلهما عنه، لم يبقى له إلا ابنه رفيق وهو مشغول بالنهار والليل ، بكى حسن وملأت جفونه الدموع ، وفجأة أحس بعسر شديد في صدره فقبض عليه بقوة وأخذ أنفاسا سريعة ومتلاحقة ليقهر موجة الألم في نفسه ، تضاعفت عليه الآلام وزادت حدتها حتى وافته المنية، تتبع رفيق جثمان والده المسجى في نعشه صامتا وأضفى رهبة ومخافة الناس في صمته دفين، الموت له قدسيته ، ساعة من ساعات الله ، إنها جثة والده يراها ممددة أمامه،لا حراك بها ، يتذكر كيف رآه صباحا قبل أن يذهب لعمله وهو يقدم له منحة عمله البسيطة التي أحيل بها على التقاعد المبكر أو بالأحرى على الموت المؤجل . مرت الأيام ثقيلة والنار تأكل قلب رفيق ممن كان السبب في قهر والده وموته ، اتصل رفيق بالشركة التي كان يعمل فيها والده وطلب من مديرها العمل منظفا كما كان والده ، سر المدير لما سمع ووافق على الفور وأخبره أنه كان ينتظره منذ سنين ، هم رفيق يودع أمه التي ألف حضنها وتعلق بصدرها رضيعا حتى كان صعبا عليها فطامه وسيبقى حنينه لأول حضن احتضنه بعدما اشتد عوده ونال نصيبه الوافر من العلم ، شرع رفيق في العمل في ذلك المكان النائي ،عاش وشاهد تسلط الرؤساء وتجبر العاملين ، لمس عن قرب كيف كان يعاني والده وكيف كان يعيش بعيدا عنهم من أجلهم .

في أشد أيام الصحراء حرارة تلقى مدير الشركة اتصالا هاتفيا من لندن أن الشرطة وجدت بنتيه مقتولتين بشقتهما في حادثة سطو، فسافر على عجل ، وسرعان ما انتشر الخبر في الشركة ، تأمل رفيق وجه السماء مرددا أن الله يمهل ولا يهمل ، مرت أمامه حينها صورة والده الذي أحدث برحيله شرخا رهيبا في حياته ، رحل دون أن يقول شيئا ، لم يلفظ كلمة واحدة يوصي بها، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها، ، وقرر أن يشرع على الفور في اتصالاته لتكوين ملف عمله الجديد وفق شهاداته العليا المتخصصة في ذات مجال نشاط الشركة وسرعان ما استلم مهام عمله الجديد لسد الفراغ ومن مكانته الإدارية الجديدة كانت الفرصة مواتية له ليتمكن من الاضطلاع على أدق تفاصيل ملفات الإدارة المالية والمحاسبة لدى عود المدير متأخرا من لندن كانت صدمته شديدة لما رأى رفيق في مكانه بالمكتب جالسا على نفس كرسيه يراجع أوراق ملفات مكدسة أمامه بكل تمعن دون أن يعير لدخوله أدنى اهتمام ولا لكلماته الجارحة وهو يتوجه نحوه، وقبل أن يتقدم منه أكثر أو يبدي أي مزيد من تعليقاته سلمه رفيق ودون أن ينظر إليه ورقة علم منها أن مصابه أصبح مصابين بعد صدور قرار وقفه عن العمل بتهمة الإهمال الإداري واستدعائه للتحقيق بعد ثبوت تلاعبه في أموال الشركة ومن حقوق العاملين ، رفع رفيق رأسه نحوه بنظرة حملت أكثر من معنى ثم أخبره بهدوء وهو يعود لمواصلة تفقد الأوراق بين يديه أن أولاد الفقراء والبسطاء لهم الحق في تبوأ مراكز المسؤولية الكبيرة بجهدهم وبعلمهم، نظر إليه المدير وهو يهم متثاقلا بالانصراف نظرة انكسار وعينه لا تغادره غير مصدق أن ابن عامل النظافة تمتع بكل هذا الصبر وكل هذه الإرادة القوية في الانتقام .
                              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


                      



  • بقلم صبحة بغورة

كانت تحتاج في كل لحظة ضيق إلى حضن يحتويها تشكو له همومها وأن تسند رأسها إلى كتف تبكي عليه انهزامها من ماضي تريد أن تفلت من أسره ومن العار الذي وصم عائلتها، لم يكن الأمر سهلا أن تتهرب " نادية" من بعض ماضيها، لقد وجدت نفسها منذ طفولتها بين أحضان مدينة " ليون" الفرنسية فيها عاشت يوميات صباها وعثرات مراهقتها وأحلام شبابها، كان العرب المقيمين بالبلدة يتذكرون خلال لقاءاتهم موطنهم الأصلي بكل تفاصيله الجميلة بكل اعتزاز لكن لأسفها الشديد أن ماضي والدها كان يخذلها بعدما خان الوطن ولم يكن أمامه بعد افتضاح أمره إلا أن يجمع أسرته ومتاعه ويتركه لأجل غير مسمى، ولم يمنع هذا أن يلحقهم العار مع القادمين الجدد إلى "ليون" وتعرفوا عليه . في منزل نادية يعيش أفراد أسرتها غرباء عن بعضهم، التواصل منعدم بينهم، أصبح البيت مكانا للنوم فقط، والشيء الوحيد الذي كان يلهيها وينسيها كتلة الهموم التي تطبق عليها هي مدرسة الرقص التي تهرب إليها وتقضي فيها معظم ساعات يومها خاصة بعد هروب أختها من البيت مع ذلك الأفريقي الذي زاد الوضع سوءا. هي لطالما حلمت أن تسبق مكانها وزمانها بخطوة لكن الحياة لقنتها درسا تتجرع فيه لوعة الموت ولا تموت ، أسئلة كثيرة تشغلها وتستقر كبيرة في أعماقها المدمرة وتحرك فيها شعورا يدفعها لتدفن نفسها كل يوم في الوحل والرماد ويقضي على كل بادرة أحساس جميل بالسعادة المفقودة.

ذهبت كعادتها للمدرسة ، وجدت في استقبالها الزملاء والزميلات يحاولون معها جاهدين كعادتهم إزالة مسحة الحزن التي تلازم وجهها ولا تفارقها طوال الوقت، ارتاحت نادية بعض الشيء بعدما علمت أن مدرب الرقص الفرنسي قد ترك العمل بالمدرسة إذ كان يعاملها بعنصرية مقيتة وحل محله المدرب الروسي " أليكس" الذي ارتاحت إلى معاملته ومحاولته جاهدا أن يمحو علامات الأسى التي تهيمن على جوارحها وأن يخرجها من أسر السجون المظلمة التي حبست نفسها فيها ، ترجع إلى البيت متأخرة وتجد أمها قلقة تنتظرها ولكنها تبادرها هذه المرة باللوم العنيف ، كيف ائتمنت نفسها لإنسان غدر بأهل بلدته وخان وطنه ؟ وبأي وجه يمكن أن يعودوا إلى بلادهم ويقبلون ترابها بعدما طعنها أبوهم في ظهرها ؟ صاحت : إننا ندفع ثمن ذنب لم نرتكبه ، مللنا حياة الغربة والفراق، العائلة تشتت هربا من العار الذي ستتحمله أجيال قادمة ، كم تمنت لو أن غزارة الأحداث ومستجدات الحياة ومتغيرات العيش يمكن أن تنسي الآخرين عارهم ليعيشوا يوما واحدا في سلام بعيدا عن نظرات الاحتقار والشعور بالذل والمهانة، طأطأت الأم رأسها وبكلمات خافتة مقهورة أكدت لها أنها لا ذنب لها في ما حدث ، كانت مجبرة على البقاء لأجلهم وحمايتهم قدر استطاعتها ، ولكن اتضح لها أنهم مجرد أشجار لا تطرح إلا الكآبة والإنكسار، تنهدت نادية بعمق ما تحمله من آهات ، نظرت إلى أمها نظرة أسف وحزن يصفع وجهها ويتجمد .

أحبت نادية الذهاب إلى مدرسة الرقص ، وأحبت أكثر مدربها " أليكس" الذي يجيد الإنصات إليها ويطمئنها أن الحياة لا تتوقف عند مشكلة أو حادث يمر بحياتنا ، ومع مرور الأيام توطدت العلاقة بينهما أكثر وأصبح كلا منهما يلازم الآخر ويشاركه همومه، حتى فاجأها ذات يوم بأنه يريد الارتباط بها لأنها أصبحت جزءا منه ، ترددت وخافت أن يكون مصيرها مثل مصير شقيقتها التي اضطرت أن تهرب من البيت ، وعدته أنها ستتصرف بحكمة خاصة أن والدها يعد أيامه الأخيرة بعد إصابته بمرض يفتك به يوما بعد يوم. دخلت مبكرة المستشفى لزيارته ، اقتربت من السرير والسكون يلسعها كتيار يبعث الحياة في جهاز هامد ألفت نادية بكاءه ودموعه المنهمرة التي تستبق الألم ، اقتربت منه أكثر فارتمى في حضنها رمية التائه الذي وجد ضالته وانتحب طويلا وهو يبحر في الذاكرة ، أمسك على وهنه بيدها وبصوت خافت ضعيف سألها هل سيعود إلى بلدته ، وهل سيجد من يبكي عليه هناك ، هل تقبل تربة بلده أن يتوسدها ؟ إنها أيام عمره تساقطت وتقطع خيطها . مرت بضعة أيام صارت خلالها نادية أكثر صمتا ، ذهبت لزيارة أبيها رفقة " أليكس" الذي نوى طلب يدها منه ، وفي صياح أخرس غادر الحياة ورحل عن عائلته وبيته الذي غاب عنه الدفء طويلا تاركا ذاكرة العار وبيع الشرف .. والأحزان ، وهناك في مقبرة بعيدة بضواحي مدينة " ليون" المكتظة دفن وهو يحمل حنينا وشوقا للوطن، وجدت نادية فيمن اختارته شريكها في الحياة ملاذا لها من الذاكرة المحشوة بكل المتاهات التي لا فرار منها سوى أن تنثر همومها على مسارح رقص الباليه على أمل أن يدفن الماضي مع أجيال قادمة وأن تتوسد تربة بلدها في نومها الأخير.

    

 الراحلون الصامتون






  •    صبحه بغوره
استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق والأصل الممتد عمقا وعبقا ،وبعد الصلاة اضطجع وبقي بين النائم والمستيقظ وكأنه هارب من ليلة جهنمية يعد فيها أنفاسه على مبنى روحه فكان يتحسس نهداته ويراوده شعور دائم بالخطر ، شعور بعبء الأعماق الغائرة فكان يمضغ ويلوك الظلام بما يكفي لتوطين قلبه وهو يحاول أن ينسى كل التفاصيل الحزينة التي سكنت روحه، قصد عمله ببطء شديد لتأدية واجبه في إدارة البلدية بإتقان وإخلاص مقابل تلك الدنانير القليلة ، أنها الأزمة أو هكذا يقولون وعلينا أن نتقشف هذا ما تتداوله الألسنة ، لا يكاد هذا الوطن يخرج من مشكلة حتى يقع في أخرى ، الحياة بالنسبة له غربة جعلته يتأثر بالأحداث في مشاعره ، يتذكر يوم تركته خطيبته لأنه عجز عن أن يوفر لها الحياة الكريمة التي تتمناها أي بنت، لقد صبرت معه كثيرا وطال انتظارها فكانت خيبته كبيرة،مرت عليه الأيام وهو يدور في طاحونة الحياة مثل ثور مغمض العينين ، يعود إلى منزله كعادته فيقضي وقته يصول ويجول بين أركانه بين التفكير والملل ، في مساء أحد الأيام انتفض واقفا مذعورا على وقع دقات على باب منزله التفت حوله نحو الفراغ وفتح الباب وأوصاله ترتعد، انه صديقه الذي هاله ما رأى من ارتباك نسيم، أخبره أن هول الفجيعة لا يزال يلازمه و أدوار الحادثة بتفاصيلها ترويها أركان البيت، لا تزال صورة شقيقه التوأم تلازمه طول الوقت ، اتجه الى النافذة ليتأكد من أن بيوت الحي المثقوبة ما تزال مكانها ، كان الشارع طافحا بالأطفال وهو يدونون على الجدران وعلى غبش النوافذ عبارات الهروب من الوطن وجحيمه الذي لا يريد أن ينتهي ، يحلمون بزمن للحرية وآخر للعزة والكرامة، أطفال ولدوا بسرعة في زمن الرصاص والفوضى في زوايا البيت الرطبة ولا يملكون سوى القليل من الحظ، وجوه باهتة، تهات شخصيتهم في الكثير من الأمكنة الضيقة من عوالمهم ،يتداولون ما يقال في نشرات الأخبار من عدد ضحايا السيارات المفخخة من أموات وجرحى، ربت صديقه على كتفه برفق وسأله إن كان يريد السفر خارج الوطن ، أجابه بل أنه يريد الهروب .. الهروب بعيدا عن صورة من غادره ومات غدرا يوم عاد من ثكنته العسكرية لزيارة أسرته ،يومها ارتجفت أوصال والدتهما ولامت عليه هذه المخاطرة ، ولكن لم يكن هناك من يمنعه من لقاء من اشتاق لرؤيتها ولو ليوم واحد، كان الوقت شتاءا باردا ممطرا وطاب له دفء حضن أمه وأحس كأنه في جنة النعيم فاستغرق في النوم العميق بقربها، حتى كانت تلك الساعة الشؤم التي انتفضت الأسرة كلها على صياح غجري وطرق عنيف على الباب تبعه تكسيره ، دخلوا البيت بأحذيتهم المحملة بالأوحال والطين يريدون سحبه من بين ذراعي أمه المتشبثة به، يتذكر نسيم تلك اللحظات القاسية ومحاولته إيهامهم أنه ليس من يبحثون عنه أراد أ ن يضحي بنفسه ويدعي أنه هو المجند الذين جاؤوا من أجله ، لم يصدقوه بعد أن سلبوا وثائق أخيه ، سحبوه من فراشه بقوة ومن بين ذراعي أمه بعدما دفعها أحدهم بعنف وأخذوه إلى خارج المنزل ونظراته لا تفارقهم حتى أغلقوا الباب وراءهم، وفي صباح اليوم التالي وجد مغتالا ومرميا على قارعة الطريق على مرأى كل ذاهب وآت، من أجل هذا يريد نسيم أن يهاجر خارج الوطن الذي حرمه من كل أهله واحدا واحدا ، لقد ذهب إلى أكثر من طبيب وطرق باب ألف شيخ وشيخ ولكن لا فائدة لم يستطع أي منهم أن يفهم سجن أوجاعه ، ربما لو ترك الوطن بما فيه يستطيع أن يخرج من محنته لأن هنا لن يجد من يخلصه من أطلال المآسي التي لا تبارح أركان هذا البيت الذي تسكنه أشباح الذكريات المميتة تركوه في شرود طويل غير مستعد لمواجهة حريق قد يطرق بابه في أي لحظة، فجأة صاح نسيم " الفتنة قادمة ، أسرعوا أيها المعذبون في الأرض والمسكنون بالفراغ قبل أن يحرق الأوغاد بيوتكم وتجدوا أنفسكم أمام بوابات جهنم جديدة لا رجعة منها ، أسرعوا ودعوا نبضكم خلفكم ومن تحبون،ستستديرون بين يوم وآخر وربما بعد سنة وأخرى نحو لوعة تلك الأرض تودعنا من فيها إلى أي مكان يطلق جنونكم المستتر بعيدا عن أرض محفوفة بالخطر وغياب الوعي ، هي البقية التي لم يبق منها إلا الملامح والوجوه المفتعلة بضراوة وقساوة لحظاتها، زمن الحرية كان دمويا ومليئا بفصول الكلام الفصيح على الطرقات الملتوية والمتعرجة والمتقاطعة إلى مالا نهاية ."
سافر نسيم إلى اسبانيا لا يحمل أي وثيقة تثبت هويته، غريبا يعيش فيها متهربا بين شوارعها، وطن لا شفاعة فيه لأحد حيث الوسامة والأناقة و" بابا نويل" الذي لا يحرم الأطفال من طلعته البهية ، وفي هذه الليلة بالذات انزوى نسيم في ركن بارد بأحد المستودعات منتظرا هديته وهو جالس القرفصاء ، يتذكر الغمامة التي كانت تعبر منازلهم القصديرية وهو يحملها قصائده الباردة التي أنجبها على عجل ، وأمانيه الجاهزة والرديئة، وفي صباح عام جديد وجد العاملون بالمستودع نسيم متجمدا في ركنه مفارقا الحياة في صمت كئيب نحو كل الأماكن والأمنيات وديمومة الأسرار راحلا بعيدا عن فتح الفاتحين الدين يلفظون أنفاسهم الأخيرة .