كنوز نت - بقلم / صبحه بغوره



 آخــــــر قطــرات عطـــــــــر

  • بقلم / صبحه بغوره
أغلق باب بيته الخشبي وراءه وخرج قاصدا مدرسته كالعادة لكن هذه المرة سيرا على الأقدام ، كأنه أراد أن يتعب جسده الصغير ليبعد عن عقله ما أنهكه التفكير فيه ،كان الوقت مبكرا وفي الشوارع الخريفية كل شيء كان هادئا ، صامتا ، لم يعرف في أي الطرقات سيسير وفكره مشوشا ، دخل مدرسته وحيدا منطويا ، لاحظت معلمته تغيرا كبيرا عليه، لا يشارك زملاءه الحديث واللعب، شاحب الوجه،وتعاظم قلقها عليه عندما تقهقر مستواه الدراسي كثيرا. عاد في نهاية اليوم إلى منزله ، وفي ساحته كان يلف ويدور يبحث عن شيء لا يعرف ما هو، أخذ ألبوم الصور احتضنه ثم أعاده برفق داخل الخزانة ، ينظر إلى النافذة ومن خلالها إلى أغصان بعيدة كانت عارية من أوراقها، يكز على أسنانه، وتذرف عيناه البنيتان اللامعتان دمعا ساخنا ، ينتفض كمن توهم أمرا ما فيتوجه راكضا نحو الباب فيسند ظهره إليه ويشبك يديه خلفه وينادي بفارغ الصبر شبه صائحا " ماما ، متى تعود ماما ، هل ستعود بعد شهر ، شهرين ؟؟ 

" سحب والده الجريدة بين يديه للأسفل ورمقه ثم قام إليه واحتضنه ثم جلسا قريبا من النافذة يتأملان الأجواء الخريفية الحزينة خارج المنزل والتي لا تختلف كثيرا عن داخله ، أراد أن يخفف من أحزان ابنه الوحيد بأن دورة الحياة ستستمر وأن تجهم الطبيعة لن يدوم وستأتي حتما بهجة الربيع ، ولكنه لا يسمع منه سوى تلك التمتمة المعادة المعذبة التي لا تفيد أي معنى سوى أنه متمسك بشبه حلم لا يزال معلقا بالمستحيل، ابتسم لوالده ابتسامة حملت من خلالها ثقل أحزانه الدفينة في أعماقه ولكنها لم تخف دموعه المحبوسة وظل الصغير مسافرا عبر أحلامه المتشوقة إلى حضن أمه. تمر الأيام على " وليــد " وحالته تزيد سوءا ومعها يزيد استغراب معلمته، قدم أوراق إجابته في الامتحان فارغة ، هجره أغلب زملائه بعدما لاحظوا إهماله في نظافة جسده وملابسه ، وتكرار تأخره عن أوقات الدراسة، علم يوما من خلال حديث زملائه المجتمعين الذي يأتيه عن بعد رغبتهم تنظيم حفل عيد ميلاد لمعلمتهم، أثارت هذه الفكرة في نفسه شعورا ملأه الحماسة فراح يبحث في كل أرجاء منزله عن ما يمكنه أن يشارك به في الحفل وأخيرا وجده ،أو هكذا أراد القدر أن يكون، في الموعد قدم كل تلميذ هديته إلى المعلمة ، فتحت الهدايا أمامهم والسعادة تغمرها،قدم وليد هديته واستغربت المعلمة طريقة تغليفها الفوضوية حاولت إخفاء ما اعتراها من امتعاض سرعان ما تحول إلى قلق أثار حيرتها فتقبلتها دون أن تبدي أي ملاحظة ،فتحتها برفق فوجدتها زجاجة عطر مستعملة لم يتبق فيها سوى بضع قطرات، ولكنها وجدت ورقة صغيرة مكتوبة سألها فيها "هل تقبلين أن تكوني أمـــي ؟ " صمتت المعلمة وقد علمت أنه ذاق صغيرا أمر عذاب في هذه الدنيا، ولكن هالها أنه اختارها هي لتكون عوضا له عنها ،ثارت في نفسها عدة تساؤلات حائرة ، إنها معلمته ومربيته التي يهمها أن يكون ناجحا في دراسته ولكن أن تقوم بدور الأم وهي لا تزال عزباء فان ذلك سيمثل عبئا إضافيا عليها قد تخشى أن لا تتحمله ومسؤولية ثقيلة لم تتأهل لها بعد،القبول بها يعني أن الأمر سيكلفها عمرا ستنفقه من أجل إسعاد حياته .. استبقته بعد انتهاء الدوام وبعد خروج كل التلاميذ اتجهت إليه، شكرته على هديته ولسان حالها يدفعها لمعرفة لغز هذه الزجاجة، أخبرها والحرج يكاد يذيبه أنها آخر شيء احتفظ به من أمه،وانفجر باكيا، أدركت أنه يريد أن يرى فيها أمه، وأن يشم فيها رائحتها، توددت إليه ومالت نحوه هامسة في أذنه بكل حنان وهي تهذب بلطف شعر رأسه الصغير " هل تقبلني كأم؟ " استغرق الأمر مدة قصيرة ولكنها كانت كافية حتى نسجت في قلب أم جديدة ألفة ومحبة لا حدود لها حملت معها إشراقه جديدة لحياة وليد وفتحت أمامه أبواب الأمل مشرعة للمستقبل السعيد، هكذا وجد وليد في سؤالها الإجابة الوافية على أسئلته الحائرة ،وجد من يقف معه في مشوار حياته،عثر على سنده لاستعاد اجتهاده الضائع واسترجاع تفاؤله المفقود ،واظب على طريق العلم ،ولم تتخل هي يوما عنه،وقفت إلى جانبه في كل الظروف في البيت والمدرسة وكانت وراء الكثير من نجاحاته الدراسية التي تواصلت بانتظام حتى كبر ونال شهادته الجامعية وأصبح معيدا بالجامعة، وجاء يوم تكريمه على تفوقه الباهر فأرجع الفضل الأول والأخير لها ، لولاها ما استقامت حياته وما كان له هذا الشرف العظيم استمعت إلى كلماته بكل فخر واعتزاز، وقد كانت له الأم التي لم تلده والتي رافقت دربه في أعسر أوقات حياته ، وفي غمرة سعادتها به غالبت دموع فرحتها به فرحة كبيرة شاركها فيها والده الذي لم يتردد من الشد على يدها امتنانا بفضلها واعترافا بجميلها بينما قبضت يدها الأخرى على تلك الزجاجة الصغيرة التي احتفظت بها طويلا ولم ينقص من قطرات عطرها شيء، كانا سعيدين وسط أبنائهما الذين صفقوا بحرارة في حفل تكريم أخيهم وليد .
                     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


                     


 الهروب من الماضي



  • بقلم / صبحه بغوره

كانت تحتاج في كل لحظة ضيق إلى حضن يحتويها تشكو له همومها وأن تسند رأسها إلى كتف تبكي عليه انهزامها من ماضي تريد أن تفلت من أسره ومن العار الذي وصم عائلتها، لم يكن الأمر سهلا أن تتهرب " نادية" من بعض ماضيها، لقد وجدت نفسها منذ طفولتها بين أحضان مدينة " ليون" الفرنسية فيها عاشت يوميات صباها وعثرات مراهقتها وأحلام شبابها، كان العرب المقيمين بالبلدة يتذكرون خلال لقاءاتهم موطنهم الأصلي بكل تفاصيله الجميلة بكل اعتزاز لكن لأسفها الشديد أن ماضي والدها كان يخذلها بعدما خان الوطن ولم يكن أمامه بعد افتضاح أمره إلا أن يجمع أسرته ومتاعه ويتركه لأجل غير مسمى، ولم يمنع هذا أن يلحقهم العار مع القادمين الجدد إلى "ليون" وتعرفوا عليه . في منزل نادية يعيش أفراد أسرتها غرباء عن بعضهم، التواصل منعدم بينهم، أصبح البيت مكانا للنوم فقط، والشيء الوحيد الذي كان يلهيها وينسيها كتلة الهموم التي تطبق عليها هي مدرسة الرقص التي تهرب إليها وتقضي فيها معظم ساعات يومها خاصة بعد هروب أختها من البيت مع ذلك الأفريقي الذي زاد الوضع سوءا. هي لطالما حلمت أن تسبق مكانها وزمانها بخطوة لكن الحياة لقنتها درسا تتجرع فيه لوعة الموت ولا تموت ، أسئلة كثيرة تشغلها وتستقر كبيرة في أعماقها المدمرة وتحرك فيها شعورا يدفعها لتدفن نفسها كل يوم في الوحل والرماد ويقضي على كل بادرة أحساس جميل بالسعادة المفقودة.


ذهبت كعادتها للمدرسة ، وجدت في استقبالها الزملاء والزميلات يحاولون معها جاهدين كعادتهم إزالة مسحة الحزن التي تلازم وجهها ولا تفارقها طوال الوقت، ارتاحت نادية بعض الشيء بعدما علمت أن مدرب الرقص الفرنسي قد ترك العمل بالمدرسة إذ كان يعاملها بعنصرية مقيتة وحل محله المدرب الروسي " أليكس" الذي ارتاحت إلى معاملته ومحاولته جاهدا أن يمحو علامات الأسى التي تهيمن على جوارحها وأن يخرجها من أسر السجون المظلمة التي حبست نفسها فيها ، ترجع إلى البيت متأخرة وتجد أمها قلقة تنتظرها ولكنها تبادرها هذه المرة باللوم العنيف ، كيف ائتمنت نفسها لإنسان غدر بأهل بلدته وخان وطنه ؟ وبأي وجه يمكن أن يعودوا إلى بلادهم ويقبلون ترابها بعدما طعنها أبوهم في ظهرها ؟ صاحت : إننا ندفع ثمن ذنب لم نرتكبه ، مللنا حياة الغربة والفراق، العائلة تشتت هربا من العار الذي ستتحمله أجيال قادمة ، كم تمنت لو أن غزارة الأحداث ومستجدات الحياة ومتغيرات العيش يمكن أن تنسي الآخرين عارهم ليعيشوا يوما واحدا في سلام بعيدا عن نظرات الاحتقار والشعور بالذل والمهانة، طأطأت الأم رأسها وبكلمات خافتة مقهورة أكدت لها أنها لا ذنب لها في ما حدث ، كانت مجبرة على البقاء لأجلهم وحمايتهم قدر استطاعتها ، ولكن اتضح لها أنهم مجرد أشجار لا تطرح إلا الكآبة والإنكسار، تنهدت نادية بعمق ما تحمله من آهات ، نظرت إلى أمها نظرة أسف وحزن يصفع وجهها ويتجمد .

أحبت نادية الذهاب إلى مدرسة الرقص ، وأحبت أكثر مدربها " أليكس" الذي يجيد الإنصات إليها ويطمئنها أن الحياة لا تتوقف عند مشكلة أو حادث يمر بحياتنا ، ومع مرور الأيام توطدت العلاقة بينهما أكثر وأصبح كلا منهما يلازم الآخر ويشاركه همومه، حتى فاجأها ذات يوم بأنه يريد الارتباط بها لأنها أصبحت جزءا منه ، ترددت وخافت أن يكون مصيرها مثل مصير شقيقتها التي اضطرت أن تهرب من البيت ، وعدته أنها ستتصرف بحكمة خاصة أن والدها يعد أيامه الأخيرة بعد إصابته بمرض يفتك به يوما بعد يوم. دخلت مبكرة المستشفى لزيارته ، اقتربت من السرير والسكون يلسعها كتيار يبعث الحياة في جهاز هامد ألفت نادية بكاءه ودموعه المنهمرة التي تستبق الألم ، اقتربت منه أكثر فارتمى في حضنها رمية التائه الذي وجد ضالته وانتحب طويلا وهو يبحر في الذاكرة ، أمسك على وهنه بيدها وبصوت خافت ضعيف سألها هل سيعود إلى بلدته ، وهل سيجد من يبكي عليه هناك ، هل تقبل تربة بلده أن يتوسدها ؟ إنها أيام عمره تساقطت وتقطع خيطها . مرت بضعة أيام صارت خلالها نادية أكثر صمتا ، ذهبت لزيارة أبيها رفقة " أليكس" الذي نوى طلب يدها منه ، وفي صياح أخرس غادر الحياة ورحل عن عائلته وبيته الذي غاب عنه الدفء طويلا تاركا ذاكرة العار وبيع الشرف .. والأحزان ، وهناك في مقبرة بعيدة بضواحي مدينة " ليون" المكتظة دفن وهو يحمل حنينا وشوقا للوطن، وجدت نادية فيمن اختارته شريكها في الحياة ملاذا لها من الذاكرة المحشوة بكل المتاهات التي لا فرار منها سوى أن تنثر همومها على مسارح رقص الباليه على أمل أن يدفن الماضي مع أجيال قادمة وأن تتوسد تربة بلدها في نومها الأخير.


                                  

 صخـــرة الانتظــــار 

  • بقلم / صبحه بغوره

عندما همت بالجلوس وحيدة على صخرة قريبة من شاطئ البحر الممتد حولها راقها أن تتأمل الأمواج الحانية في تتابعها الهادئ تلامس الرمال الذهبية الناعمة بخجل ثم تنسحب، كانت تعلم أنها اختارت المكان المناسب، كما يبدو أنها اختارت كذلك الزمن المناسب لأن للشمس في غروبها سحر خاص لم تألف من قبل أن تتلقاه عينها بالمتعة وتستقبله نفسها بالنشوة، كانت موجات البحر الضعيفة تندفع نحوها محدثة طششا أقرب إلى الهمس أوحى لها أنها تتسابق نحو مداعبة قدميها الممددتين لتبلغها رسالة طمأنة بعدما كادت تستسلم مجددا لعرائس خيالاتها التي تركت بسببها المنزل وفرت مسرعة نحو شاطئ البحر علها تجد في أحضانه ما يحتويها ويزيل عنها هموما ثقيلة وقيودا فرضتها ظروف غامضة كبلتها ودفعتها إلى مساحات ضبابية وكابوسية واسعة لا وضوح لمعالمها، لقد أرادت أن تتملص من أجواء رعب تلفها ولكنها تستحضر رغما عنها جحيما لا ينتهي في مسيرة نحو تدمير ذاتها، عبثا حاولت تفسير نفسها بما في نفسها لأنها كانت في الحقيقة ترسم نفسها ، لم تكن قادرة على النظر إلى القادم من أيام حياتها ولا أن تقدّر تقلبات عملها لتحدد محطات مستقبلها بقدر ما كانت تعاني من إفرازات صديدية لمجتمع لم يكن مستعدا للتكيف مع طبيعة تطور الحياة، إنها تعيش في وسط تتنافر فيه القلوب وتتناقض الأفكار، كانت تقضي يومياتها المضطربة في مجتمع تتضارب فيه الآراء ، لم يكن أفراده متمتعين بقدر من الوعي والنضج، لقد أرادت أن تتملص من أسر محيط فقد أفراده الإحساس بالاستقرار والرغبة في إشباع حاجاتهم الأساسية وتراجعوا بمسافات بعيدة عن الأحداث وغاب اهتمامهم بالنشاطات ذات القيمة العالية وغلب عليهم النوم الثقافي ، فلا حس أو فكر ثقافي يمكن نثره علما وولاية وحالا ، ولا ثقافة إبداع تمكنّهم من التأقلم بها مع سرعة التحولات التي تكون قد بدت للبعض ثقيلة مع أنها ليست كذلك قياسا بما كان موجودا، كاد النجاح أن يكون مضمونا في فترة لولا حالات التسرع فضاع مفهوم صناعة القدرة والإعداد وبناء القوة ، وضاع الشباب وغاب لما فقدت القواعد القانونية عنصر الجزاء.

بدأ المساء يسدل رداءه و هي لا تزال قابعة فوق الصخرة وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها، نظراتها تشرد بعيدا وقد ضاع منها خط الأفق في ظلمة غير مريحة، أصوات بعض الصيادين العائدين إلى الشاطئ تأتيها من مسافة غير بعيدة عنها ،اقتربوا منها أكثر حتى رست قواربهم ، اتجهت إليهم بشغف لترى ما جاؤوا به ، رحبوا بها وكان كبيرهم يعرفها جيدا منذ كانت طفلة صغيرة ، أراد أن يمسح بحنو على شعره ، ولكنها أدارت برأسها منزعجة فعلم أنها لم تعد الطفلة الصغيرة التي عهدها ، تأمل قوامها جيدا ولاحظ أنها أصبحت امرأة كاملة كما تشتهيها العيون ،ابتسم وانضم إلى رجاله المنهمكين في تخليص الأسماك من شباك الصيد، تراجعت خطوات وعادت إلى منزلها بكل هدوء.





لم تبق طويلا مع عائلتها بعد العشاء بل أوت إلى فراشها مبكرة على غير عادتها ، ولكن عبثا حاولت النوم فبالها بقي مشغولا، لم يكن أرقا بل حيرة من أمرها، لم تعلمها أمها أن عليها الابتعاد عن أي أجنبي يريد أن يلامسها مهما كان ، لقد تصرفت بعفوية وتلقائية، هل هو الحياء الفطري؟ أم هو خجل زائد وفي غير موضعه ؟ ولكن شيخ الصيادين كان في مثل عمر والدها أو أكثر، ولم يصدر عنه يوما ما يمكن أن يسوءه أو يجعلها تحذر منه ومع أول تثاؤب بدأت تنسحب هذه التساؤلات وما كادت تغمض عينيها حتى وجد الشيطان في حيرتها فرصة ليجري منها مجرى الدم، فإذا بها تستشعر دبيب نداء الأنوثة يسري في نفسها، فعادت التساؤلات الخبيثة ،هل تراه حقا كان معجبا بها ؟ نظراته تؤكد لها ذلك، ولكن ترى ما الذي أعجبه فيها بالضبط ، لقد كان يلتهم بعينيه جسدها ، إذن بالتأكيد قوامها الرشيق أبهره، ولاشك سيبهر كذلك كل من يراها غدا إن هي أحسنت اختيار الثوب المناسب.

تهيأت مبكرا للذهاب إلى السوق على غير عادتها وقبل أن تعزم أمها على ذلك ، وكان لباسها قد كشف عن غير عمد عن بعض مفاتنها أزعجت أمها فتعللت أنها أصبحت أكثر سمنة من ذي قبل نتيجة قلة الحركة. مع بداية خطواتها الأولى في أزقة السوق الشعبي انطلقت صفافير الشباب وتعليقاتهم إعجابا ، فاختلت خطواتها وبدأت تتمايل بكتفيها وكادت تفقد وقارها واتزانها في السير، أسرعت وعادت إلى المنزل دون شراء أي شئ، ارتمت على سريرها وسحبت مجلة الأزياء تتصفحها وتقلب صفحاتها بهدوء تتأمل الجميلات شبه العاريات يعرضن أجسادهن قبل أزياءهن، نظرت إلى سقف حجرتها حائرة منهن ، هل فقدن حياءهن ؟ أم هن مضطرات إلى ذلك في سبيل العيش؟ لا شك أن في هذا السلوك مسألة التعود، فهل يمكنها هي أيضا التعود ..؟
في اليوم التالي ارادت اختبار حقيقة التعود لديها.. ارتدت ثوبا أكثر إغراء وانصرفت وما كادت تخطو أول خطوة نحو الشارع حتى دوت في أذنيها صفافير إعجاب الشباب بها، فتراجعت للخلف ، ثم مالت برأسها تتلفت يمينا ويسارا فلم تجد أحد بالشارع، إذن ما كان هذا ؟ غلبها الحياء ، فعادت للمنزل.
أوقات الفراغ تستهلك قدرات الشباب في التسكع، وإدمان المخدرات وتناول اٌقراص الهلوسة لقد رأتها تباع علنا في الأزقة المظلمة، وهالها تواطؤ صغار السن بمراقبة مداخل الطرقات والتستر على عصابات الأحياء والمروجين في مقابل مبلغ مالي متواضع سمعت أنه أسعد أباءهم ، المجتمع ينحدر إلى هاوية سحيقة أمام أعين الجميع ولا نجاة منها ، فلا أحد يحرك ساكنا ، كانت تراقب من وراء نافذتها الصغيرة ما يجري في حيها الفقير، شعرت بالأسف لحال شباب كان بالأمس مثالا للأخلاق الحميدة والاجتهاد والمثابرة في الدراسة يسير منكسرا مطأطئ الرأس لشدة التأثر من تناول أقراص الهلوسة، بدأ الخوف يتملكها حين أدركت ما ينتظر مجتمعها من مآسي إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ترى هل يمكن أن يأتي يوم لا تجد الفتيات الشخص السوي المناسب ليكون شريك حياتها الذي تطمئن معه على سلامة نفسها ومستقبل حياتها ؟؟ إنها ترى جيلا ينساق معظمه نحو الهلاك ، كسر شرودها ارتفاع آذان صلاة العشاء فاختفى أفراد عصابات الأحياء مبتعدين عن أنظار المتوجهين للمسجد، وجدتهم ينسحبون من الحي كما انسحبوا من مقاعد الدراسة في مراحل مبكرة، ومع توالي الأيام اعتادت مرافقة أمها للتعزية في وفاة شاب تناول جرعة زائدة ، وآخر مقتولا في شجار حاد ، وثالث مات غرقا في البحر مع قوافل الهجرة غير الشرعية، وآخرين غيرهم انسحبوا من الحياة وتركوا خلفهم أسر تعاني الأسى والفقر، وفقدهم المجتمع عاملين منتجين ، وفي المقابل كانت ترافق أمها إلى حفلات زفاف صديقات لها بالحي تزوجن بمن يرحل بهن إلى ما وراء البحار حيث يمكن أن تؤسس كل فتاة حياة أخرى جديدة، وكلما اشتدت حيرتها تعود لتجلس مجددا على صخرتها تتأمل البحر وتنتظر ذلك القادم إليها من بعيد ، انتظرت طويلا ولم يعد يهمها من هو.

                   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ












                              

أحـــلام هاربـــــة

  • بقلم / صبحه بغوره

أخذت من الأسفار أميالا والجسد منها لا يغير مكانا مبحرة بين صواعد العلياء ونوازل الهزائم كقارب شراعي ينتظر عرض المحيط دونما سابق عدة أو ارتحال، تحاول بناء نفسها في تطورات المدينة وسط فضيح عمرانها ، ويموت فيها شموخ قاتل ، وتترأس أحلام غائبة كل الشوارع واضعة بعفوية أوزار راجلة تحمل بداخلها أبعادا متناهية تشق العجب والمستحيل وعلى أوتار الزمن يعزف فؤادها تهاديا وتماشيا ، تقتحم حصن الصمت بعيدا عن غوغاء اللامنطق ، شعرت كأنها بين أكوام الضياع تبحث عن الحقيقة المفقودة ، الساعة المقبلة لا تشير إلى الموت الآتي لكنه يولد كل دقيقة ،وفي الأفق موتى يدفنون موتى وصفير مدوي يصنع الحكاية ولا يمنح مهلة للمأساة ، هي تعلم أن بعضهم لا يأتمن للواقع، فالحياة بالنسبة لها صارت عقيمة لأنها لا تفرز ورود الفرح، وبهذا أصبحت الرذيلة حلما يطمح إليه الكثيرون تحت مسميات عديدة ، وتتراقص الأماني المستحيلة أمام أعين هاربة إلى اللاعودة ، المشهد أكثر إيلاما يؤرخه والدها لتسوقه ثلاث أرجل ، وأفكار عشوائية لغد مكلل بالزهر ترنو إلى المعجزة التي لن تحدث أبدا وفي مقلة لم تر النور أشرطة مسجلة لكثير من العطاءات الجميلة ، والدها أحمد هذا الواقف ليقطع الدرب الطويل وينتظر من يوصله للضفة الموازية وتحمل العصا البيضاء أسفارا وأفكارا وتعشق معه الأرض التي لم تعرف لها لونا ، المسيرة مألوفة إلى عمل ما عاد يغني من جوع إلا أنه يساومه مرة ويفضل أن يذكر مرارا وتكرارا قصة ابن الخطاب مع قدره والحصى والأبناء الجياع، شاعرية المكان تتعالى مع هذا الآيل إلى الرحيل عن دنيا حرمته صراطا منيرا، ويتجلى لذلك إيمانا مطلقا بالتوحيد كاملا مسطرا بكل الألوان التي لا يعرفها عن قناعته المطلقة بالقدر خيره وشره، فقد رأى من شره ما أنساه معاني كثيرة لجمل كثيرة، فلا يمكن محاربة الكبرياء والعزة وهو مسلوب من كل كما يهوى وما لا يهوى، ولأنه سعى بعد أن ضيقت السبل عليه الخناق إلى السفر من رحمة الناس بارتجاف، وبعبرات مالحة تلوح عين ما صارت تحسن البعد ولا المتعة وهي ترى العالم كله نقطة سوداء، هذا إيمان مضاف بإرادته وطوعا لأنه يحاول الحفاظ على البصيرة التي فقدت البصر، طل هذا كان في طبق شهي، ومعه هذا الكيان المسروق طهارته من الملائكة يخفف عنه وطأة المعاناة ويمسح عن لغبن، فتنتهي الرحلة المقلقة والمضنية على كف سلوى، وما كان عشوائيا أن سميت من العزاء والجلد ، وفي الوجه الآخر للوحة تنزع عنه كثرة الماكياج والزيف، وتمحو الألوان التي ما صنعت الحياة، او قدمت الأجمل، فلم يكن لزخرفة الفواكه معنى ما دامت تدس لذتها للأغنياء، الكفة التي تعج بالمأساة تطوى لهنيهة ما دامت كفة سلوى قد بدأت في حصتها المسائية، الدرس لن يكون من المقرر، بل ما تحمله الارتجالية، والقلب الحليبي الدافئ هو البلسم ،فتقدس ما تعلق به من وحل، وترسمه بوجه جديد، محاولة وضعه في مصاف المحترمين الذين أنصفوه حين أقصوه من تعدادهم، وتضاف ساق ثالثة حالمة بصنع المعجزة، وتستمر الحياة معها في خجل، وتسترق سلوى من البدر جملة من السحر إشراقته يكثر واصفوها، وما هو ذا الباب حنّ إلى الطرق والاهتمام به، يدق، ويجيء الخاطب الأول يعدّ نفسه عاشرا، وتمدح ساوى الفاتنة عند والدها شبه المحترم، ويفيض السيل بالنبل والثناء والغزل فيما امتلكت من ضياء، وجاء الحلم أن يفتح قوسا للفرح، وتضحك الدنيا لهذا المحترق ، لكن القوس ما أمهلهم الدخول، لكن القضاء الذي ما أغلق قوسه، وأذن له، يحاول الآن رحمة بأحمد من هذا العذاب، ويفرش له عالما آخرا لا يحرمه شيئا، وترك الفرصة الأخيرة في توديع ابنه، الحلقة الأخيرة كانت غاصة بالأحداث لأنها تحمل كثيرا، والوقت مشمئز من الانتظار ، يود الرحيل إلى غيره، فاختنقت الأفكار بين التوديع والوصية ودعوة إلى الصبر والتمسك بالفضيلة، لكنه مع ضمان ما سبق أراد شيئا مغايرا في حوار قاتل .

بنيتي! لا أريد وصية، السفر عنك متعب، وعند الدنيا مريح، لكن لي رجاء تافه قد زهدت في كل الممكن والمتاح، ورضيت أني لم أر لون السماء والماء ، ولا لون الناس في تمثيلهم، ويبقى أن أقصى أمنية أن أعرفك أنت، شوقي أنت، أن أتصورك، وأتصور شكلك، هذه رغبتي أن أعرف صياغة هذا الوجه وهذه الإشراقة، وأن أغمض عيني التي ما انفتحت على وصفك الملائكي، وا، أسافر عنك ، تحملك يدي المسكينة والذائبة حنانا فيك، ما أشبعت رغبتي وضالتي، لكن بعد أن ودعت الارتجاف، وأحسست بالأمان، اعتقد أنه علقت بعيني أجمل صورة ، هي صورتك ، وداعا ! تركت لك أحلامي وعصاي .