• كنوز نت - بقلم : صبحه بغوره


      

 قصة قصيرة : الحب وحــده ، لا يكفــــي 

  
  • بقلم : صبحه بغوره


كان يعلم أن تفكيره العميق في ملامحها سيتطلب جهدا وسيدوم وقتا فهو يريد اقتحام المناطق المظلمة التي لم تسعفه الظروف من تبين معالمها بوضوح ، يتذكر أحمد جيدا كيف كان لقاؤه بها صدفة عندما مرت به الحسناء سريعا في حفل زفاف صديق له، وكيف كان شعرها الأصفر المائل للحمرة يتطاير على وقع خطواتها الرشيقة ، لم ينل منها حينها سوى تحية مجاملة باسمة سكنته كحلم جميل ظل يغازله مع بعض من كلماتها التي لم يستوعبها جيدا ولكن صوتها الدافئ ترك صداه يتردد في نفسه كاللحن الجميل، بات ليلته ساهرا وكلما أطال التفكير فيها أدرك أين تكمن قيمة اللحظة ، يجد نفسه أمام طريق بحاجة فيه إلى معالم تحدد بدايته وتبين نهايته، انه الآن لا يملك إلا أن يتمثلها كما لمحها تختزل بتفاصيلها الحياة بكل أفراحها، تذكر فستانها الجميل ، نعم فستانها الطويل الأزرق ،اللون المفضل لديه الذي يمنحه متعة الشعور بالراحة والاسترخاء تماما مثلما منحها في الحفل تلك الثقة الكبيرة بالنفس فبدت في سعادة غامرة ، كان فستانها ينزف زرقة وتثير كل طية فاخرة فيه تخيلاته الوحشية ، هم بالتوقف عن التفكير فيها بعدما ارتفعت درجة تشويقه إليها وأصبح كلامه روائيا أكثر منه موضوعيا ولكن أدخله ذلك في لحظة قاتمة كادت أن تصيبه بالفقر العاطفي فتراجع بما يشبه تأييد ما تلقاه من وحي نفسه انه يصعب عليه التعامل مع الوضع وفق منطق الهدنة العاطفية، وما كاد ينساق ثانية وراء عرائس مخيلته حتى استسلم إلى غفوة أوقفت إلى حين حدة احتقانه الفكري، ثم لم يلبث أن اخترق الغيوم شعاع نور تسلل إلى غرفته ، نهض وتناول قهوة الصباح واقفا وراء نافذة عريضة تطل على منتزه واسع، سره ما رأى من بهاء الطبيعة وصفاء الجو فانشرح صدره وتولد في نفسه إيمان قوي بوجود أمل كبير في فرصة أخرى للقاء قريب مع من شغله حسنها الليل بطوله.



 من يفتح قلبه تتغير نظرته إلى العالم، هكذا كان حاله وهو في طريقه نشيطا إلى العمل، وهكذا صمم أن يكون بعدما أدرك أن كل إنسان يحمل عالمه في قلبه، انه من الآن الرجل الباحث عن الحب الذي لم تسمح له هموم عمله اليومي أن يتذوق حلاوته ، تمنى صدفة أخرى يلتقي فيها بالحسناء ذات الرداء الأزرق لتكون فرصته لذلك، ولكن تساؤلات حائرة ببعدها القدري فرضت نفسها عليه، هل أحبها فعلا..؟ علم ذات يوم من صديقه "العريس" أنها تعمل في إحدى شركات الهاتف النقال وأنها صديقة لزوجته، توجه إلى مكان عملها،وفوراعرفها، وبسهولة عرفته، تعمد أن تنهي هي بالذات إجراءات حصوله على خط هاتفي جديد تكون أرقامه سهلة الحفظ ، قرأها ببطء وتمعن فيها جيدا وردده على مسامعها عدة مرات ثم حياها بلطف وانصرف، كان عليه إن ينتظر أياما حتى يسمع صوتها ذات مساء، دامت المحادثة مدة سرعان ما تحول خلالها السؤال عن سلامة خطه الهاتفي الجديد إلى حوار عذب أوصلهما إلى مستوى مريح من التعارف ، توالت اتصالاتهما الهاتفية فيما بعد وزاد تعلقهما ببعض، فكان البوح الجميل عن المشاعر الرقيقة المتبادلة الذي دفعهما إلى إجادة رسم صورة المشاعر وتلوينها ، أنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة ولكن تكونت بينهما مساحة عاطفية استفزت الكلمات العطرة والحديث الناعم والفهم المتعاطف وأصبحا لبعضهما سكنا بلا عنوان، ثم دق القدر أوتاره فشكل لحنا عذبا ردده قلبان عن بعد بكلمات المجاملة والانبهار على أمل اختيار مكان الانتظار.



بعد أيام تمكنا من تحديد موعد لقائهما ، لم يكن الأمر معقدا بقدر ما استلذا عذاب الوجد وكأنهما استأخرا الوصال عمدا لتكون مشاعر الأشواق أعمق والحنين أكبر أراد هو منذ البداية أن يحدث الدهشة بعبارات رقيقة ، دقيقة وبالغة المعنى، لم تستطع أن تجاريه على نفس المنوال، جاءت كلماتها إرهاصات غبر موضوعية، لاحظ تعثرا ملحوظا ليس في مستوى تفكيرها فقط إنما في مهارات التعبير عن مشاعرها وبلاغة التعبيرعن رأيها، فكان ذلك البداية لخلخلة فكرته عنها خاصة عندما تعمدت تحويل كل حديث له إلى موضوع ملتبس في كلماته تشوبه الضبابية أكثر من الوضوح فعطلت بذلك عملية تخصيب الشرط الموضوعي لانتعاش الحوار أو تأجيج الرغبة في مواصلته، كان انبهاره بجمالها ستارا أخفى وراءه انزعاجه منها ومع ذلك لم يشأ أن يمدد عمر اللقاء أكثر، فغادرها .
                       ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

   قصة قصيرة : تفهم صمتي كي تستحقني


     
  • بقلم :  صبحه بغوره

رسمت بجسدها الممشوق أمام قرص شمس الأصيل لوحة تضج بالأنوثة والجمال، الأفق يبدو وراءها حيث تلامس خضرة المروج زرقة السماء، كان يحلو لها أن تتمتع ببهاء المكان وهدوئه الشامل فتضيف من روحها الى روعته سحرا مميزا ،كان تقديرها للحياة من تقدير ما فيها من جمال ،أنها تجيد مداعبة الزهور البرية المتناثرة على تلك الهضبة الخضراء التي اعتادت أن تقصدها كلما ازداد حنينها الى الطبيعة البكر حيث السكينة والأمان تتأمل ما حولها وتسرح بخيالها بعيدا فتنسج من أحلامها صورا لا يراها سواها .

لم تلبث وهي في غمرة استغراقها أن سمعت هتافات تصلها من بعيد ،رأت جموعا من أهل البلدة فوق سيارات مكشوفة وآخرين يسيرون على الأقدام يرفعون صور مرشحهم لانتخابات المجلس المحلى ولمحت بعض النسوة في المؤخرة يزغردن ويصفقن ، اقتربت القافلة أكثر ومرت بجانبها ،ففترت حدة الهتاف وخفت الهرج وتوقف الصياح واشرأبت أعناق النسوة الى الفتاة التي لم تتحرك من مكانها وبقت منتصبة أعلى الهضبة وكأنها قطعة منها ، الجميع يعرفها ويشهد لها بحسن الأخلاق والسيرة الحسنة وكم حاولت بعض النسوة خطبتها لأولادهم دون جدوى ،كانت تراهم مجرد دمى تمشي على الأرض ،لا يتمتعون برجاحة الفكر وحسن التدبير ،تسكعهم استهلك قدرتهم على صنع الحياة ، المستقبل لا يعني عندهم سوى الغيب ويعتقدون أنهم لا يملكون ازاءه أي إرادة ،سأل مرشحهم السيد مراد أحد رفاقه عنها وهو يمسح عرقه بمنديله الطويل وعرف أنها أمينة الابنة الوحيدة لأحد وجهاء البلدة ، تأملها جيدا ولم تغادرها عيناه ،تعلق بها والموكب يسير حتى غادرها ،التفت اليها خلفه ولكنه لم يرها ،اختفت وكأنها تلاشت ، فانشغل بها أكثر لأنه حرم من النظرة الأخيرة التي كان يمكن أن تحمل رسالته اليها .



لم تمر سوى بضعة أيام حتى طرق السيد مراد ذات مساء منزلها وخلال لقائه بوالدها طلب خطبتها له وانتظر أياما ليعرف الرد ، كان والد أمينة يعلم أن مستقبل ابنته معه مضمونا وستعيش معه حياة هانئة ، اقتنعت أمينة بفكرة والدها وتمت الخطبة في أجواء بهيجة اختلطت فيها السعادة الفرح بحماس الترشح للانتخابات ،تواصلت اللقاءات بين الخطيبين الشابين في حدود ما تسمح به العادات والتقاليد وحاولت خلالها ابداء تعاطفها الكبير معه لما رأت فيه من طموح باهر وشجاعة لافتة محاولة بذلك تقليل مستوى التوتر الذي ينتابه كل حين من حملات خصومه ومنافستهم وكان أن تحولت لقاءاتهما الى مجرد اجتماعات عمل متشنجة، ورغم حرصها في كل مرة أن تبدو أمامه في أبهى صورة كأنثى تشتهيها العيون لم تلمس منه اهتماما خاصا بها ولم تسمع كلمة ترضي أنوثتها ، كانت تلوذ بالصمت الجليل في انتظار أن يعبر يوما عن سعادته بها ، الحملة الانتخابية لا تزال مشتعلة والباقي من أيامها لا يزال طويلا والأحاديث هي نفسها انها الشكوى المريرة من الحساسيات السياسية وصراع قوى النفوذ ،وسيطرة مراكز صنع القرار وتحكم أصحاب المال في المؤسسات الإستراتيجية ، الحالة الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة في البلاد ، لقد استمعت اليه مليا وتفهمته كثيرا ،وصبرت أكثر، وكلما تقربت منه وتجاوبت معه أمعن هو في الانصراف عنها ، لم تشأ أن تكون المبادرة بتحويل الحديث الى ما يهم طبيعة عواطفهما خجلا وحياء ،منعها كبرياؤها من البوح الجميل حتى أحست بجفاف عاطفي تجاهه ، ولكنها عندما تستدرك نفسها وتحاول أن تجدد أملها فيه عندما ينجح في الانتخابات يفاجئها بما لا يرضيها.
عاود أمينة الحنين الى الهضبة الخضراء ففيها تجد راحتها وتمارس طقوسها الخاصة في التأمل والتفكير لم تداعب كعادتها الزهور بل انشغلت بحالها الذي لم تتوقعه ، لقد بدأت تسترجع صدمات ما تلقته من السيد مراد وما تجرعته في صبر وصمت من كلمات لها معنى ثقيل ، تذكرت ما قاله يوما لها أن أهمية الزواج بالنسبة للسياسيين أنه مجرد دليل اجتماعي على استقرارهم الأسري ولا يتجاوز حدود الحرص على اظهار عفة النفس لكسب الثقة والنجاح ، الهدوء الذي يسود المكان دفعها أن تستسلم لاستعادة المزيد من ما دار بينهما ، لقد فهمت من أحاديثهما أنه يصوغ أسلوبه في الحياة من تقديره للأشياء فقفز الى ذهنها سؤال أخافها هل أصبحت هي من أقل الأشياء في نظره حتى لا يعيرها الاهتمام اللائق بها ،مرت أمامها قافلة تعلوها الهتافات باسمه رافعة صور مكبرة له ،انتفضت في مكانها انتفاضة رفض داخلي أن تكون من مجرد أداة لفوزه في الانتخابات ،أبت نفسها أن تستمر على هذا الحال المهين ،لقد فتحت بتساؤلاتها أبوابا للأمل وللخروج من قوقعة اليأس، دفعتها كرامتها أن تقنع والدها بالتراجع عن هذه الخطبة ، وحين علم السيد مراد بقرارها كانت قد وصلته رسالة قصيرة منها لم تضيع قراءتها شيئا من وقته الثمين ، صاغتها في عبارة واحدة صغيرة أوجزت المعنى الكبير فتركته حائرا في أدق الأوقات بالنسبة له " كنت أود أن تفهم صمتي كي تستحقني " فرك الرسالة بغيظ واضح لفت انتباه المعاونين ثم تركها على مكتبه وانصرف فالتقطها أحدهم ، قرأها ومعاني المكر تلمع في عينيه ،التقطها خلسة وانصرف في هدوء قاصدا أحد خصومه في الانتخابات فافتضح أمره الشخصي .

على هضبتها الخضراء رأت الحياة تتجدد باستمرار لا شيء يوقف حركتها تجولت بين الأزهار البرية تعجبت من كثرتها وأدهشتها ألوانها الجميلة المختلفة وكأنها تراها لأول مرة ، أحست أنها أزالت حملا كبيرا عنها وأزاحت عبئا أثقل قلبها وأسقطها بملء ارادتها في بؤرة دور الضحية فليس ثمة ما هو مرهق للفؤاد من أن يشغله من لا يحس به ويعذبه. لقد استعادت شخصيتها وعادت بعد تيه الى قناعتها الأولى تقدر حق التقدير قيمة يد رجل محب بقدر وقوفه الى جانب قلبها .. مرت أمامها مرة أخرى قوافل الناخبين يصيحون فرحا بفوز مرشحهم في الانتخابات ،نظرت فرأت صورا مكبرة للمرشح الفائز ولكن لم يكن هو .
                  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصـة قصيرة عصـــافير بـــلا أجنحـــة









  • القاصة / صبحة بغورة

احتارت، وحيرتها دوامة تجترها الأيام فتهيم في الأعماق كسحابة داكنة سوداء، وأي سحابة هي .. إنها بألف وألف متاهة،وهي الوحيدة التي طوقتها بالأوجاع والآلام الفظيعة، هي الوحيدة التي أنستها من هي وفي أي عالم تعيش، كيف لها أن تنسى من هي والحقيقة هي وهو، هي وهم ، هي أعباء هذا وذاك الإنسان غرابة أن فهمت أن بداية الجراح هي بيد إنسان هذا الزمان دروب من مرارة الدفلى والحنظل ، دروب الأحزان تسير فيها مختارة أو مرغمة وفي النهاية هو القدر يلعب لعبته بكل الأشكال والألوان، كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءا عندما غادرت سناء المستشفى متأخرة ، فعملها كممرضة ليس له مواعيد انصراف ثابتة دائما، بالنسبة لها لا تهم المواعيد ولا تهم الدقائق بل والساعات ، المهم عندها تلك اللحظة التي يجد فيها من يحتاجونها الراحة وأعظم كسب لها راحة ضميرها ، هكذا علمتها الحياة أن كل شيء يهون أمام الأهم ، وكان الأهم يومها تلك الساعة التي رأت فيها سيدة قد خارت قواها من شدة التعب أمام باب المستشفى تحمل بين ذراعيها طفلا في الخامسة من عمره فاقد الوعي، نظرت إلى يديه المتورمتين المثخنتين بالجروح والدماء الحمراء تكسو الزرقة التي طغت يديه الصغيرتين من أثر القيد، والأم تبكي بمرارة المفجوعة ثم تصرخ كمن في قلبها نار موقدة صراخا بعثره أعنف إحساس في الفضاء فاخترق كل الطرقات الموصدة وشق صداه الصدور وفتح آلاف القبور حزنا لآهاتها ، اقتربت منها وقد تملكت أوصالها رعشة غريبة لم تعهدها من قبل ،لأن الآلام كانت من القلب قريبة ، كان كل شيء مؤلم يجرحها، لكن بكاء هذه الأم كان جرحا ليس مثل كل الجراح ، كان يأسر القلب بإحساس ليس له قياس، كانت ألامها بنغمة الآهات ، اقتربت منها أكثر سألتها عن أمرها ،أجابتها وبكاؤها يغلب كلماتها أن حكايتها كحكايات زمنها حكايات أبطالها متعبون.. مرهقون، لكنهم مرغمون على لعب كل الأدوار،تمرسوا على أيادي جلادين يحسنون دفن المشاعر في كل الأوقات، ثم صرخت طالبة الطبيب فابنها يموت ، وبلهفة غير معهودة حملت سناء الطفل بين ذراعيها وكأنها هي الأم الموعودة وأسرعت به إلى قسم الاستعجالات ، وهناك نطق الطبيب بكلمات أبطلت مفعول كل العقول الطفل ستبتر يداه ، نطقت عينا التي كانت تحتضن الأمل رغم الألم طلبت أن يأخذوا حياتها وينقذوا فلذة كبدها انهارت في الأرض تكابد حسرتها ولهفتها على ابنها الصغير ، هبت عليها رياح الندم على أنها هي من جنت على صغيرها بضعفها وبصمتها، وفي رحلة دائرة الحسرة أسمعتها سناء كلمات جعلتها تستسلم للأمر الواقع ، أن حياة طفلها هي الحقيقة الوحيدة التي يجب أن تتمسك بها، تم الاتصال بالوالد ، وبينما كان الطفل في غرفة العمليات راحت الأم تسرد حكايته المؤلمة بكلمات متقطعة ، كان طفلها زهرة تفتحت بين يديهما لكننا نسينا فطغينا، فكان ألم الطفل بيد من سقى ورعى هذه الزهرة ، أنه أباه ، كان الطفل يلعب ببراءة الأطفال يقفز هنا وهناك ويدور حول أثاث المنزل أثناء قيلولة والده العائد متعبا من العمل وفجأة تعثرت قدماه بالخيط الكهربائي الواصل بالحاسوب فأسقطه أرضا ، انتفض الوالد مفزوعا على صوت الارتطام وقد أفقده العقل الالكتروني صوابه وعقله وراح بسلوكه المعتاد المجرد من مشاعر الأبوة يمارس مفهوم الرجولة عنده باستعمال يديه الحديديتين لأن التربية في نظر من لا عقل له هي الضرب والمهانة والتعذيب ،


 كان العقاب بأكثر من الجرم ، كبل يدي طفله بكل قوة وأتقن معه كل فنون الضرب والتعذيب أو كما كان يعتبره تهذيبا ، ثم سجنه في غرفته بلا رحمة أو شفقة عليه، حتى تورمت يداه وتعفنت جراحه وبقيت الأم بلا حول ولا قوة، ما كادت تقولها حتى وصل الأب وعلم بما حل بابنه،انهار وبكى بكاء الثكالى وهو يسمع للطبيب يخاطب الأم أن الطفل حي يرزق ولكنه سيعيش مبتور اليدين بقية حياته ثم أكد لها أن هناك إجراءات قانونية ستتخذ تجاه من لم يأخذ من الإنسانية سوى اسمها انحدرت دموع الأب ندما ثم ما لبث أن أجهش بالبكاء كطفل صغير تاه عن والديه، انصرف مسرعا إلى الغرفة حيث يرقد ابنه، جلس بجانبه على طرف السرير يتأمله ينتظر أن يفيق من غيبوبته،استرجع حينها لحظة أول قبلة طبعها على يده بعد ولادته كانت يديه رقيقتين ناعمتين ورديتين،تذكر كيف كان يدربه على المسكة الصحيحة لأقلام الألوان وكم كانت سعادته وهو يلون العصافير والأزهار، وحين كان يعلمه كيف يرفع كلتا يديه للدعاء ،انتبه إلى وجود زوجته عند باب الغرفة مسندة رأسها عليه ،لم يكن يقوى على الكلام معها ، ساد بينهما صمت كان أبلغ من كل مؤاخذة ،وأوجز كل ما كان، الأم المسكينة أصبح مصابها مصابين وصبرها صبرين، أخيرا استفاق الطفل ووجد وجه أبيه قريبا جدا منه، أصيب بذعر شديد وناداه متعلثما حاول أن يبرر فعلته بأنه لم يكن ينوي أن .. قاطعه والده ومال عليه يحتضنه باكيا هامسا له بأن لا يخاف فالحاسوب والدنيا كلها فداه ، اهتز الطفل من أعماقه وهو يسمع أن والده يسميه " الغالي" وأنه يفديه بروحه، أراد الأب أن يطبع على وجنته الرقيقة قبله وما كاد يفعل حتى رفع الطفل ذراعيه بصعوبة نحوه لما رأى دموعه، أراد أن يمسح دموع أبيه ولكنه لم يجد تلك اليدين الصغيرتين بل وجد ضمادتين غليظتين فتأسف لأبيه أنه لم يتمكن من مسح دموعه ورجاه أن يعيد له يديه ووعده بأن لن يلعب ثانية ولن يكسر أي شيء في المنزل ..صرخ الأب بأعلى صوته ورفع يديه للسماء يرجو رحمة الله، لم يعد يتحمل معاناة ابنه فنهض وابتعد عنه ثم جلس على كرسي قريب من النافذة مسندا رأسه للخلف يتأمل ابنه والأم تجفف دموعه بين أحضانها، رمق الطفل أباه ينظر إلى ما وراء النافذة كانت عيناه مثبتتان وسأله.. ثم سأله، وألح عليه بالسؤال متى يغادرون إلى منزلهم، أنه يكره هذا المكان الذي أخذ منه يديه.. استغربت الأم صمت الأب الحزين ، نادته ولم يجب ،اقتربت منه فإذا هو جثة هامدة ، صرخت صرخة هرع إليها من هولها من كان بالمكان، تحرك الطفل بصعوبة محاولا النزول من السرير مستندا على ساعديه واتجه إلى أبيه يناديه، نطق الصغير عند رجلي أبيه فأخرس أفصح متحدث وألهب المشاعر وأبكى القلوب قبل بكاء العيون بأنه لن يطلب منه بعد الآن أن يعيد إليه يديه وأنه لا يريد من الدنيا سواه وإذ لم يسمع الأب نداء ابنه فعسى قوله رحمة له في قبره، احتضنت سناء الأم الموجوعة ولسان حالها يدعو بالبقاء ضعفاء بإنسانيتنا ولا العيش أقوياء بوحشيتنا .