
كنوز نت - بقلم : سيمون عيلوطي
قصَّة قصيدة-أغنية "ريتا":
شعر محمود درويش، غناء مارسيل خليفة (1/3)
بقلم : سيمون عيلوطي
لم يكن حبّ الشَّاعر الفلسطينيّ الكبير محمد درويش لريتا حبًا عاديًا، بل كان حبًا جمًا ملك قلبه، وأسر عواطفه، وبقيَ يتأجَّج في جوارحه رغم أنَّ الظُّروف القاهرة لم تبارك بقائهما معًا، إلَّا أنَّه كتب عنها ثلاث قصائد، الأولى: "ريتا والبندقيَّة"، لحَّنها وغنَّها الفنَّان مارسيل خليفة، وقد ضمًّها الشَّاعر إلى ديوانه "آخر الليل" (1967). القصيدة الثَّانية بعنوان: "ريتا أحبيني"، المنشورة في ديوانه "العصافير تموت في الجليل" (1969). أمَّا القصيدة الثَّالثة فقد جاءت مطوَّلة تحت عنوان: "شتاء ريتا الطَّويل" في ديوان "أحد عشر كوكبًا" (1993).
انشغال درويش بريتا لسنوات طويلة يُدلُّ على حبّه الكبير لها، التقيا في الستّينات من القرن الماضي، حيث كتب قصيدته الأولى عن هذا الحب الجامح، "ريتا والبندقيَّة"، كما تقدَّم، سنه (1967). فإذا تحدَّثنا عن عمر هذا العشق من خلال القصائد المذكورة أعلاه، نجده ستة وعشرين (26) عامًا، ولعلَّ هذا الحب هو سبب فشل تجربته في الزّواج مرتين. زواجه الأوَّل كان من رنا قبَّاني، ابنة أخ الشَّاعر الكبير نزار قبَّاني، ثمَّ زواجه الثَّاني من المترجمة المصريَّة حياة الهيني.
يبدو أنَّ ارتباطه بالزَّواج من امرأتين لم يمنع طيف حبيبته الأولى "ريتا" من ملاحقته أينما حلَّ، تمامًا كقول أبي تمام:
"نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِن الهَوى – ما الحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ
كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتـــى – وحَـنينُهُ أبـداً لأوَّلِ مَـنزِلِ"
أمَّا شاعرنا فيقول في المقطع التَّالي من مطوَّلته، "شتاء ريتا الطويل:"
"نامَتْ مَوْجةُ القَمْحِ النبيل على تَنَفُّسها البطيءِ
وَوَرْدَةٌ حَمْراءُ نامَتْ في المَمَرِّ
ونامَ لَيْلٌ لا يَطولُ
والبَحْرُ نامَ أمامَ نافِذَتي على إيقاعِ ريتا
يَعْلو ويَهْبِطْ في أَشِعَّة صدْرِها العاري
فَنامي بَيْني وبَيْنَكِ
لا تُغَطِّي عَتْمَةَ الذَّهَبِ العَميقَةَ بَيْنَنَا
نامي يَدًاً حَوْلَ الصّدى
ويَدًا تُبَعْثِرُ عُزْلَة الغابات
نامي بين القميص الفُسْتُقيِّ ومَقْعَدِ اللَّيْمون
نامي فَرَسًا على رايات ليلة عُرْسِها....
هَدَأ الصَّهيلُ
هَدَأت خَلايا النَّحْلِ في دَمنا
فَهَلْ كانَتْ هُنا ريتا
وهَلْ كُنَّا مَعا؟
... ريتا سَتَرْحَلُ بَعْدَ ساعاتٍ وتَتْرُكُ ظِلَّها
زَنْزَانَةٌ بَيْضاءَ. أين سَنَلْتقي؟
سَألَتْ يَدَيْها، فالْتفتّ إلى البَعيد
البَحْرُ خَلْفَ البابِ، والصَّحراءُ خَلْفَ البَحْرِ
قَبِّلْني على شَفَتَيَّ قالتْ
قُلْتُ: يا ريتا أأرْحَلْ من جَديد
مادامَ لي عِنبٌ وذاكِرَةٌ، وتَتْرُكُني الفُصولُ
بينَ الإشارَة والعِبارَة هاجِسًا؟
ماذا تَقولُ؟
لا شَيْءَ يا ريتا، أَقلِّدُ فارِسًا في أغنية
عن لَعْنَةِ الحُبِّ المُحاصَرِ بالمَرايا....
عَنّي؟
وعن حُلُمَيْن فَوْق وسادَةٍ يَتَقاطعانِ ويهربان
فَواحِدٌ يستل سكينًا وآخرُ يودِعُ النَّاي الوَصايا
لا أَدْركُ المَعْنى، تقولُ
ولا أنا، لُغتي شظايا".
ظلَّت ريتا تمثّل لغزًا حيَّر الكثير من القرَّاء والمهتمّين بشعر وحياة الشَّاعر محمود درويش، لا سيَّما أنَّه لم يشأ أن يُفصح عن اسمها الحقيقيّ في جميع المقابلات الصحافيَّة التي أجريت معه. من هؤلاء من ظنَّ أنها رفيقة درب، وصديقة خندق، ومنهم من اعتقد أنها واحدة من المناضلات الفلسطينيَّات.
لم ينتبهوا إلى وجود بندقيَّة بينهما. (بين ريتا وعيوني بندقيَّة). غير أنَّ الشَّاعر في العام 1995، كشف لأوَّل مرَّة، عن أنَّه أحبَّ في شبابه فتاة يهوديَّة إسرائيليَّة، من أب بولندي وأم روسيَّة، من دون أن يكشف عن شخصيَّتها الحقيقيَّة، وبحسب موقع "لها": فإنَّ "الكاتبة والصحافيَّة الفرنسيَّة لور إدلر، ألحَّت عليه في مقابلة تليفزيونيَّة، لكي يبوح بحقيقة "ريتا"، التي كتب عنها قصائد "ريتا والبندقيَّة"، و"شتاء ريتا الطويل"، فأجاب: "لا أعرف امرأة بهذا الاسم، فهو اسم فنّي، ولكنَّه ليس خاليًا من ملامح إنسانيَّة محدَّدة. وإذا كان يريحك أن أعترف أن هذه المرأة موجودة، فهي موجودة أو كانت موجودة، تلك كانت قصَّة حقيقيَّة محفورة عميقًا في جسدي".
"ظلت هويَّة الفتاة اليهوديَّة ريتا، التي أحبَّها درويش سرًا مجهولًا، ما يجعلني أشكِّك بصحَّة ادِّعاء المصادر التي زعمت أنَّ الفيلم الوثائقيّ "سجّل أنا عربي"، للمخرجة والمصوِّرة ابتسام مراعنة، كشف عن هويَّة حبيبة درويش الحقيقيَّة... يُذكر أنَّ هذا الفيلم عُرضَ سنة 2014، في مهرجان تل أبيب، "دوكو أفيف" للأفلام الوثائقيَّة، وفاز بجائزة الجمهور."
(يتبع)
- رابط أغنية بين ريتا وعيوني لمارسيل خليفة هو:
13/10/2022 10:53 am 1,470
.jpg)
.jpg)