كنوز نت - سيمون عيلوطي


"ومن الحُبِّ ما قتل" (6/4)

ما وراء قصيدة "لا تكذبي" للشَّاعر كامل الشّناوي

  • سيمون عيلوطي

خبر عاجل:

تناقلت صباح اليوم، الخميس، 15-9-2022، بعض وسائل الإعلام العربيَّة، أنه تمَّ نقل المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة البالغة من العمر أربعةً وثمانين عامًا إلى المستشفى في لندن، بعد تدهور حالتها الصحيَّة التي وُصِفَت بالخطيرة. نتمنَّى للمطربة التي أسعدتنا بشدوها الشفاء العاجل، وعودتها سالمة إلى بيتها، وإلى ابنها وليد، وجمهورها في كل مكان.

متابعة....

رأينا من خلال الحلقات السَّابقة أنَّ هناك عدَّة أسماء تتداولها الشَّائعات حول من هو غريم الشَّاعر كامل الشنَّاوي الحقيقيّ، ومن هو الذي استطاع أن يجذب إليه "عصفورة الجنَّة"، نجاة الصغيرة لتقع في غلامه؟! الغريب: أنَّ الشَّاعر صاحب الشأن نفسه لا يعرف من هؤلاء بالتَّحديد. والذي ضاعف من آلامه ووجده، هو: تجاهل نجاة لحبِّه وهيامه بها، وهكذا رأينا أنَّه حين غرق من قمَّة رأسه إلى أمخص قدميه في بحر هواها، فإنَّه لم يعد يرى من النّساء سواها، ما يدلُّ بشكل قاطع على أنَّ المصادر التي تفريد عن تنقل الشَّاعر من امرأة إلى امرأة، صحيحة قبل أن يتعلَّق قلبه بحب بالمطربة. الطَّريف أنَّه خالف في ذلك أبو تمام القائل: (نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى/ ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ)، غير أنَّ شاعرنا سار نحو الحبيب الأخير.

 إنَّ الغموض الذي أحاط بهذه المرأة الفنَّانة شغله كثيرًا، بحث بات لا يعرف من هم العشَّاق الَّذين شكَّلوا ذلك الفاصل المنيع بين قلبها وقلبه، يقول في قصيدة، "حبيبها، لستَ وحدك حبيبها" ما يلي:

(حبيبها وروت لي ما كانَ منكَ ومنهُـــــــــــم
فهم كثيرٌ ولكن لا شيءَ نعرفُ عنهــُــــــــم)

ويقول في سياق آخر: (أن تقع في الحبِّ هو أن تشعر فوراً أنَّك مبتهج لسبب ما، وهذا السَّبب لا يمكن أن يكون مبهجًا إلا لأنه يجسد شكلًا مثاليًا، من دون أن يعني ذلك أنَّ المحبوب كيان كامل مكمل). واضح تمامًا أنَّ شاعرنا كان يمرُّ بحالة من التَّخبط والضَّياع، ما يجعله عرضة للتَّناقض الفكريّ والعاطفيّ. فهو من ناحية يجنُّ جنونه لكون حبيبته لا تبادله نفس مشاعره نحوها، ومن ناحية أخرى يحاول أن يجد لها الأعذار، بقوله: إنَّ الحب "يجسد شكلًا مثاليًا، من دون أن يعني ذلك أنَّ المحبوب كيان كامل مكمل". ولكنَّه سرعان ما يعود إلى جرح الحبِّ الأليم الذي ظلَّ ينزف في قلبه، وظلَّ مخلصًا له رغم العذاب الذي كان يشعر به.

من خلال استمرارنا في البحث حول هذه المسألة، فقد رأينا أنَّنا نقف حتَّى الآن عند روايتين، واحدة تزعم أنَّ غريم الشَّاعر الحقيقيّ هو الأديب: يوسف السِّباعي، وأخرى تقول إنَّه القاص: يوسف إدريس الذي التزم الصَّمت حين سألته أحد الصَّحافيين عن علاقته بالمطربة نجاة الصَّغيرة. أما يوسف السِّباعي الذي كتب لها أكثر من عمل درامي، سينمائي، وإذاعي، وأشركها معه في مقابلات تلفزيونيَّة، وخصَّها بمقال نشره في مجلَّة "الكواكب"، أمتدح فيه صوتها، ومقدرتها في الغناء، فإنَّ انشغاله في السياسة، لا سيَّما بعد أن عيَّنه السَّادات وزيرًا للثَّقافة، أبعده عن أهل الفنِّ، وبالتَّالي فإنَّه لم يَبُح ولا بكلمة واحدة عن علاقته بنجاة، حتَّى اغتياله في قبرص سنة 1978، بسبب نزاعات سياسيَّة لا مجال لذكرها في هذا الباب.

الرواية الثانية: أنقلها عن تحقيق صحفيّ أجراه الكاتب كرم ناشور، ونشره في "الحوار المتمدِّن"العدد:6507 -7-3-2020، وقد اعتمد في تقريره على مقال للصحافيّ رمزي صوفيا، نشره في صحيفة (الأسبوع الصحفيّ) المغربيَّة العدد الصادر بتاريخ 23 آذار 2015 نقلًا عن الملِّحن محمَّد الموجي الذي قال:


 (كان الشِّناوي يقلقنا من فرط ولعه بنجاة الصَّغيرة ونحن نرى أنَّه كان يرى كل حياته بعيون حبّه لها وكنت مع مصطفى أمين نقول له باستمرار: احترس فأنت تعيش في عالم بعيد عن الواقع، وسوف تصطدم بالواقع وتكون صدمتك قويَّة جدًا، وفعلًا جاء اليوم الموعود عندما كان الشِّناوي يقود سيَّارته في طريق الهرم الخالي وهو يفكِّر بنجاة كعادته فلمح سيَّارة الكاتب الكبير يوسف السِّباعي! تسير ببطء وعندما اقتربت سياَّرته من سيَّارة السِّباعي، لاحظ أنَّ فتاة كانت بجانب السِّباعي وهي مستلقية برأسها على كتفه، وفجأة توقَّفت السيَّارة وتابع الشِّناوي كيف بدأ السِّباعي يلتهم شفتي نجاة وهي ذائبة بين أحضانه ولا ترى من هذا العالم غير عينيه الزرقاوين الشَّرستين، وعندما عاد الشِّناوي منهارًا الى بيت مصطفى أمين في الزَّمالك كنت جالسًا عنده ألحِّن قطعة جديدة وكان وجه الشَّناوي مصفرًا كانَّه سيموت بعد لحظات، فقلنا له اجلس واحكي لنا ما حدث فقال : لقد رأيتهما معًا، لقد كانا غارقين في القبلات التي جرحت قلبي وحطَّمت كل حياتي، فصمتنا أنا ومصطفى أمين وتركناه ليفرغ ما كان يروج في نفسه حتى يرتاح ثم فجأة أمسك بالقلم والورقة من مكتب أمين وبدأ يكتب ونحن صامتان ونتابع فكان ميلاد القصيدة العظيمة (لا تكذبي) وعند الانتهاء من كتابته أمسك بالهاتف واتَّصل بالمطربة نجاة الصَّغيرة ... الخ . وبمجرد الانتهاء من المكالمة وقع أرضًا وكان نبضه عاليًا ووجهه شاحبًا فأخذناه أنا ومصطفى أمين إلى أقرب مستشفى.)

وللتَّأكيد على ذلك يستشهد رمزي طوبيا بالموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب لأثبات تلك الرِّواية حيث يقول: (وأذكر أنّي كنت ذات يوم مع صديقي سليم أبو الخير في بيت صديقنا الموسيقار محمد عبد الوهَّاب، فسألته ما حقيقة قصَّة أغنية "لا تكذبي" التي كتب كلماتها كامل الشِّناوي ولحَّنتها أنت وغنَّتها نجاة الصَّغيرة/ فقال: أنت تعرفني يا رمزي، أنا لا أحبّ الكذب والافتراء على الناس، وحقيقة هذه الأغنية أنها قصَّة واقعيَّة عاشها الصَّديق كامل الشِّناوي وقد كتبها بعد اكتشافه لعلاقة حب ملتهبة بين نجاة الصَّغيرة والكاتب الكبير يوسف السِّباعي! وقد كتبها وهو يذرف الدُّموع أمام أصدقائه الَّذين كانوا يتابعون حكايته مع نجاة الصَّغيرة)

الرواية الثالثة: يرويها الصَّحافي محمَّد الماطري في صحيفة الشُّروق يوم 12ـ 9ـ 2019نقلًا عن الصَّحافي المصري (أحمد عثمان) حيث يقول:

 (ربطتني علاقة وثيقة بالأستاذ كامل الشناوي، ولا أبالغ عندما أقول إنه تبنَّاني وأصبحت ابنه، الذي لم ينجبه، وكنت محرومًا من مشاعر الأبوة، بعد أن رحل والدي وأنا في سن مبكرة، فكان كامل بيه يصحبني معه في كل مكان وكنت سعيدًا بصحبته، كنت أعرف بحكم قربي منه أنه يحب نجاة، وعشت معه موقفًا لا أنساه، فقد اتَّصلت به مرَّة ونحن في سهرتنا اليوميَّة في الهيلتون، وبعد المكالمة استأذن في الانصراف وأخذني معه وعرفت أن نجاة كلمته وأخبرته أن ابنها وليد مريض ويحتاج إلى دواء معيَّن بسرعة ولم تجد صيدليَّة في هذا الوقت المتأخِّر، فطلبت منه أن يحضر لها الدَّواء، وأخذنا تاكسي وظللنا نبحث عنه في الصّيدليَّات المفتوحة حتى وجدناه، وأمام بيت نجاة طلب منِّي أن أنتظره في التاكسي وصعد بنفسه ليوصل الدَّواء، وكنت أعرف أنها حبَّه الأفلاطوني، كانت هي ملهمته ولم تتعدَّ العلاقة أكثر من ذلك! وعرفت منه فيما بعد تفاصيل تلك الصَّدمة، التي جعلته يكتب «لا تكذبي»، فقد كان ضيفًا دائمًا على نجاة ويزورها كثيرًا، وكانت خادمتها تعرفه جيدًا ففتحت له وسمحت له بالدُّخول، عندما صعد إليها فجأة دون موعد سابق، وجدها في مشهد عاطفيّ مع المخرج عز الدين ذوالفقَّار!، وكان جارها ويسكن معها في نفس العمارة.

كان عز مشهورًا بأنه يعيش قصَّة حب مع كل بطلة، لا يستطيع أن يبدأ فيلمه إلا إذا غرق في حبِّها، وعز لم يكن يحب النَّجمة بل الشخصيَّة التي تجسِّدها، وعاش عز مع نجاة نفس الحالة في «الشُّموع السَّوداء»، فكان يتردَّد عليها كثيرًا ويعيش معها كل مشهد كأنَّه بطل الفيلم، وفى واحد من تلك المشاهد دخل كامل الشِّناوي إلى الكادر فجأة فرأى ما ظنَّه مشهدًا غراميًا ساخنًا، فكتب بدموعه «لا تكذبي».

ويضيف أحمد عثمان: تم تسجيل الأغنية في استوديو مصر واستمرَّ التَّسجيل عشر ساعات متواصلة تحت قيادة المخرج الذي أصدر أوامره بعدم دخول أي شخص إلى الاستوديو وتمّ إعادة تسجيلها 28 مرَّة بسبب دقَّة ووسوسة الموسيقار محمد عبد الوهاب!)

في خضمِّ تعدُّد الشَّهادات والشَّائعات حول من هو خصم الشنَّاوي في حبِّه لعصفورة الجنَّةـ فإنَّنا إزاء ذلك لا نستطيع نسلِّم بها على أنَّها الحقيقة بعينها، خاصَّة أنها جاءت من فلان، نقلًا عن فلان، ولكيلا نبقى بين (حانة ومانة ضاعت لحانا) سنواصل البحث في الحلقات القادمة.
  • (يتبع)