
كنوز نت - سيمون عيلوطي
"ومن الحُبِّ ما قتل" (5/2)
ما وراء قصيدة "لا تكذبي" للشَّاعر كامل الشّناوي
- سيمون عيلوطي
أثارت القصَّة الواقعيَّة لقصيدة كامل الشَّناوي "لا تكذبي"، ألحان محمد عبد الوهاب، غناء نجاة الصغيرة زوبعة عاتية، كلَّما هدأت شدَّتها، عادت تتفاعل على الساحة الفنيَّة المصريَّة والعربيَّة من جديد، وذلك لهيام الشَّاعر صاحب القصيدة بنجاة الصَّغيرة، وعشقه لها إلى الحدّ الذي يذكِّرنا بعشق قيس ابن الملوَّح لليلى العامريَّة. سأسمح لنفسي منذ هذه للحظة أن أطلق على شاعرنا "الشِّناوي" لقب (مجنون نجاة)، فإذا كان ابن الملوَّح قد ذهب لبيت حبيبته يطلب نارًا، فأشعل النار من حوله وحولها، وإذا كان أهل حبيبته "ليلى" حين رفضوا طلبه للزَّواج منها، جُنَّ جنونه، وهام على وجهه في الصَّحراء يُنشد الأشعار، ويتغنَّى بحبِّه العذريِّ لها. فإنَّ كامل الشِّناوي كان يترك عمله في "جريدة الأخبار" التي يرأس تحريرها: ويجلس في سيارته ساعات طويلة أمام العمارة التي تسكن فيها حبيبته نجاة، في ضاحية الزَّمالك بالقاهرة، ينتظر خروجها ليراها، ثمَّ يتعقَّبها، دون أن يشعرها أنَّه يراقبها.
إلى أن رآها ذات يوم في السيارة مع رجل، اعتقد أنَّه الأديب يوسف السِّباعي، فجنَّ جنونه، وما كان منه سوى أن يذهب إلى بيت صديقه، الصحفيّ المعروف مصطفى أمين الذي كان يزوره في تلك الأثناء المطرب عبد الحليم حافظ، والمُلحِّن محمَّد الموجي، غير أن الشَّناوي لم يجلس معهم، بل اتخذ لنفسه ركنًا منفردًا في البيت، وفي غضون أقل ساعة خرج ليقرأ عليهم قصيدة "لا تكذبي" التي كتبها للتوّ، معبِّرًا فيها عن إحساسه بلوعة العاشق المصدوم من حبيبته التي غدرت به، وخانته.
ثمَّ أخذ الشّناوي يجهش بالبكاء كالأطفال. استغرب الحاضرون كيف لهذا الرَّجل المهيب، الشَّاعر الكبير، والصَّحفيّ اللامع، رئيس تحرير كبريات الصُّحف المصريَّة، "الجمهوريَّة"، و "الأخبار" أن يفقد التَّحكّم بعواطفه ويبكي مثل هذا البكاء المرير، وكأنَّ القصيدة التي بثَّ فيها ما يعتمل في قلبه من ألم وحسرة، لم تكفِ "ليفش خُلقه" ويهدئ من غضبه جرَّاء استهتار حبيبته بحبّه لها. وبعد أن هدأ الشَّاعر قليلًا، عرض عليه عبد الحليم أن يغني القصيدة بعد أن يلحِّنها عبد الوهَّاب. الشّناوي سمح له بغنائها، وطلب منه جهاز التَّلفون القريب منه، ظنَّ حليم أنَّه يريد أن يكلّم عبد الوهَّاب لكي يلحِّن القصيدة، لكنَّه تفاجأَ عندما هاتف نجاة الصَّغيرة وأسمعها القصيدة. نظر حليم ومن كان بصحبته في المجلِس باندهاش شديد، وتساءلوا: ماذا عساها أن تجيبه بعد أن قال لها بالقصيدة إنَّه شاهدها مع رجل بأوضاع إباحيّة؟، (إني رأيتكما ... إني سمعتكما/ عيناكِ في عينيهِ/ في شفتيهِ/ في كفَّيهِ/ في قدميهْ/ ويداكِ ضارعتانِ ترتعشانِ من لهفٍ عليهِ!!/ تتحدَّيانِ الشَّوق بالقبلاتِ/ تلذعني بسوطٍ من لهيبِ!!/ بالهمسِ، بالآهاتِ/ بالنظراتِ، باللفتاتِ/ بالصَّمتِ الرَّهيبِ!!). المفاجأة كانت عندما قالت له نجاة بمنتهى العذوبة والرّقة: "أيوه كامل بيك، القصيدة حلوة أوي...أنا حغنّيها، وحيلحَّنها عبد الوهَّاب".
وهكذا، فقد قُدّمت الأغنية بثلاثة أصوات: عبد الحليم، ونجاة، ومُلحِّنها، وعبد الوهَّاب.
بدا من مخاطبتها الرسميَّة له "كامل بيك" أن هذا الحب لم يكن إلا من طرف واحد، وهو: الشَّاعر نفسه، أمَّا هي فلم تكن تبادله حبًا بحب رغم ملاطفتها له، إذ كيف يمكن، كما تساءل بعض المقرَّبين منهما، أن يكون حال هذا الحب بين رجل يكبرها بثلاثين سنه، يزن أكثر من مئة وعشرين كيلو، وبين مطربة في العشرين من عمرها، لم يزد وزنها عن خمسين كيلو، عذبة كالنَّدى، رقيقة كنسمة الصَّباح، غِرّيدة كعصفورة الجنَّة؟!. تأسر الألباب حين تُغنِّي بصوتها الدَّافئ، المُذاب بالعسل الصَّافيِّ، يرغب كل من يسمعه أن يستمرَّ بتدفُّق حلاوة السِّحر. لهذه الأسباب أطلقوا عليها: "عصفورة الغناء" و "قيثارة الغناء" العربي.
من جانبه: فإنَّ الشَّاعر كامل الشّناوي اعترف هو نفسه بأن حبّه لنجاة كان من طرف واحد، لا يعدو عن كونه حبًا أفلاطونيًا، لكنه أرَّقه كثيرًا، لأنَّه كان صادقًا. وإذا عدنا إلى قصيدة "لا تكذبي"، وبالتَّحديد إلى المقطع الذي يقول فيه:
(كوني كما تبغينَ
لكن لن تكوني!!
فأنا صنعتكِ من هوايا
ومن جنوني...!
ولقد برئتُ من الهوى
ومن الجنونِ...!!)
نجد في هذا المقطع أنَّ الشَّاعر هو من صنع حُبّه لحبيبته على هواه، مِمَّا يُدلُّ على أنَّ هذا الحب الجامح كان من طرف صانعه، وهو الشَّاعر وحده، وبالتَّالي: فإنَّ هذا الحب لا يُلزم "الحبيبة" نجاة، ما دامت لا تبادله حبًا بحب، بأيِّ نوع من الالتزام العاطفيّ، أو الأخلاقيّ، كما لا مكان هنا للخيانة التي يدَّعيها صاحب قصيدة "لا تكذبي"، ما دام الحب المتبادل لم يقع بينهما أصلًا. ولكنّ السُّؤال حول من هو غريم الشَّاعر الحقيقيّ، يبقى مطروحًا...، سأحاول الإجابة عنه في الحلقة القادمة. وإلى أن نلتقي أضع بين أديكم رابط "لا تكذبي"، لتكُن هذه المرة بصوت العندليب، صدح بها لأول مرة في حفلة أقيمت في العام 1962.
(يتبع)
12/09/2022 10:14 am 490
.jpg)
.jpg)