
كنوز نت - سيمون عيلوطي
أغنياتُنا الفولكلوريَّة بين الاجترار والتَّجديد!!(4)
- سيمون عيلوطي
الحلقة الأخيرة:
التَّطوير في الفن رؤية يفرضها الواقع المتحرِّك
لقد عرف هؤلاء الفنَّانون أن تقديم أغاني التُّراث الشَّعبيِّ كما هو، لم يُضِف لهم قيمة فنيَّة تُحسب لهم، وإنَّهم لو فعلوا ذلك، فإنَّهم لم يفعلوا أكثر من القيام بتوثيق هذا الترُّاث الغنائيَّ الذي لا يحتاج بطبيعة الحال إلى فنَّانين وملحِّنين، بل إلى مُهتمِّين، أو إلى مؤسَّسات ثقافيَّة تعمل على توثيقه، وذلك على نحو ما فعلت الدُّول المتحضِّرة في العالم في هذا الشَّأن.
إذن: كان من الضروريّ أن يضع هذا الفنَّان، أو ذاك في الوطن العربيّ لمساته الخاصة به على ما يريد أن يعرضه من أغنيات فولكلوريَّة على الجمهور، تمامًا كما فعل بليغ حمدي في "قَدُّك الميَّاس" مثلًا، وإلَّا ظلَّ شأنه شأن الرَّسام "الفوتوغرافي" الذي يرسم الأجسام التي يُريدها كما هي في الواقع، دون أن يضع لمسته، أو رؤيته هو على لوحاته. في هذا المقام، يمكننا نحن أيضًا نقلها بواسطة أيَّة آلة تصوير، وربَّما بشكل أفضل منه.
أغاني التُّراث والاجترار المُمِل
أمَّا على الصعيد المحلِّي، فإنَّ هذا الَّلون من الغناء: لم يجد حتى الآن من يحاول أن يعمل على تطويره، بل لم يزل المطربون عندنا يقدِّمونه كما هو في الأصل، والغريب حقًا هو أنَّ بعض من يتعاطون معه في برامجهم الغنائيَّة، نسمعهم يحمِّلونه أكثر من طاقاته، فيرهقونه بِعُرَبٍ صوتيَّةٍ تأتي غريبة ومفتعلة إلى حدٍّ يُقحمونها عنوة على هذا النَّوع من الأغنيات الشعبيَّة البسيطة في تراكيبها اللحنيَّة والصوتيَّة، وفي الغالب فإنَّ هذه العُرَب تسيء لتلك الأغاني، ذلك لأنَّ استعمالها الصَّحيح يكمن فقط في الأغاني الطربيَّة. وقد برز استعمالها بشكل خاص عند المطربين في المغرب العربيّ، غير أنَّها (العُرَب) في مصر ولبنان وسوريا، لم تُستعمَل إلَّا نادرًا، وإنَّ أجمل وأدق من استعملها في المشرق العربيّ، هو القدير وديع الصَّافي.
لقد آن الأوان أن نهتم بتطوير غنائنا التُّراثيّ، وألا نتوقَّف عند اجتراره الذي مللناه لكثرة تراره بأسلوبه المعروف...، الأجدر أن ننطلق به نحو آفاق رحبة من التَّطوير، والتَّجريب، والتَّجديد الذي يستحقُّه.
عدنا والعود أحمد:
رأينا فيما تقدَّم أنَّ هناك ضرورة ملحَّة للعودة إلى أغاني التُّراث الشعبيَّ، ثم العمل على تطويره بأسلوب نساير فيه روح العصر، بحيث ينسجم مع ذائقة جمهور المستمعين عامة، والفئات العمريَّة الصَّاعدة خاصَّة، وذلك لتحديد معالم الهويَّة القوميَّة، والفنيَّة لهذا الشَّعب، أو ذاك. وهذا فيما أرى، يساعد في أعمالنا الفنيَّة الخاصَّة، على انطلاقة أصيلة نابعة من جذور فولكلورنا، تجعلنا لا نشرب من نيل الأغنية المصريَّة، ولا نتفيَّأ بظلِّ أرز الأغنية اللبنانيَّة، ولا نتنفس في أعمالنا الغنائيَّة من هواء نهر بردى، ولا ندور في فلك قدود حلب الشهباء بماضيها الزَّاهر، أو بحاضرها المؤلم. إنَّما نسير نحو إنتاج أغنية فلسطينيَّة خالصة، يوجِّهها فنار عكَّا، ويجذبها إلى شطِّ الأمان مينا يافا، أغنية تُحلِّق فوق قمَّة الجرمق، مثل "تمير فلسطين"، ويُسمَّى أيضًا "عُصفور الشَّمس الفلسطينيّ". أغنية تعرف كيف تُغازل الكرمل، وكيف تُداعب قسطل صفوريَّة، وكيف تُغنِّي لبحيرة طبريَّا، تصافح حساسين بيسان، تتكامل في أزقَّة الناصرة، تتعبَّد في قُدسيَّة القفزَة، تُسَبِّح في شوارع القدس العتيقة. تُعرِّج على قرانا المهجَّرة، تصدح "هالبيت في معلول"....
نحو تشكيل حركة فنيَّة تُنظِّم الانطلاق
أقول هذا الكلام وأنا واثق تمامًا من الطَّاقات الفنيَّة الخلَّاقة الكامنة في نفوس أهل الفنِّ عندما، ومن المواهب المصقولة بالخبرة والتَّجربة، ولا ينقصنا، كما أرى، سوى تعزيز الإيمان برسالة الفن، ودوره الهام في إعلاء الشَّأن الثقافيّ، الحضاريّ، والفنيّ، والمُؤكَّد أنَّ هذا الهدف السَّامي يُمكِن أن يتحقّق في الواقع حين يجد مِنَ الفَّنانين والمهتمِّين مَنْ يبادر إلى تأسيس "نقابة للفنَّانين"، تعمل بشكلٍ رسميٍّ على تجنيد الأعضاء لتنظيم العمل الفنيَّ، وإعداد البرامج، ورعاية الفرقة الموسيقيّة في المواظبة على إجراء التَّمرينات، إضافة إلى تفعيل لجانها لتحصيل الميزانيَّات التي تستحقُّها من وزارة المعارف وغيرها من المؤسَّسات الثقافيَّة الدَّاعمة.
خلاصة:
الفنَّانون مدعوَّون للتَّحرك نحو إطار يجعهم، وذلك لبلورة وتشكيل حركتهم الفنيَّة واستيعاب الأعمال الموسيقيَّة والغنائيَّة التي تُعرض عليهم، واختيار من هذه الأعمال الفنيَّة ما يرونه يليق بهم، وبالفنِّ، وبالجُّمهور.
- فهل تقع هذه الكلمات على آذانٍ مُصغية؟؟
(انتهى)
08/09/2022 11:09 am 491
.jpg)
.jpg)