كنوز نت - سيمون عيلوطي


أغنياتُنا الفولكلوريَّة بين الاجترار والتَّجديد!!(1)

سيمون عيلوطي
  • محاولة لرصد الظاهرة
أخذنا في الآونة الأخيرة نلاحظ اهتمام بعض مطربينا ومطرباتنا المحليِّين يتَّجهون في برامجهم وحفلاتهم نحو الأغاني التراثيَّة الفلسطينيَّة. هذا الاهتمام إن دلَّ على أمر ما، إنَّما يُدلُّ على تزايد الوعي لديهم بأهميَّة المحافظة على التُّراث، وصونه من محاولات السُّلطة لطمسه، وتهميش دوره في بلوره الهويَّة القوميَّة، وتعزيز الانتماء. والحقيقة أنَّ أوَّل من اهتمَّ بأحياء أغاني التُّراث الفلسطينيّ، كان المطرب النصراويّ خليل موراني، وذلك عندما قدَّم في برامجه وحفلاته، قبل نحو خمسين سنه، العديد من الأغنيات الترُّاثيَّة، لا سيَّما تلك الأغنيات التي اشتُهِرَت في الناصرة، "عذَّب الجمَّال قلبي" و "يا رايح وين يا مْسلِّيني" مثلًا. 

ثم تلاه بعد ذلك، قبل نحو أربعين سنه، الفنَّان المطرب فوزي السَّعدي الذي أسَّس فرقة موسيقية تحت اسم " فرقة احياء الفولكلور الفلسطينيّ"، وأذكر أنَّ هذه "الفرقة" قدَّمت بالتَّعاون مع فرقة نادي "الاتحاد النِّسائيّ العربيّ" في بيت ساحور، مغناة عنوانها: "مغناة الجليل" تضمَّنت على أغنيات من التُّراث الشَّعبيّ الفلسطينيّ، وأغنيات أخرى منبثقة من أجواء هذا التُّراث، قُدِّمَت بأصوات: فوزي السَّعدي، مصطفى دحلة، وجميل أسعد. وكانت من كلمات كلٍّ من الشُّعراء: توفيق زيَّاد، سميح القاسم، فدوى طوقان، سعود الأسدي، وأخوكم، كاتب هذه السُّطور، وقد لاقت "المغناة" عند عرضها في الناصرة، حيفا، القدس، أم الفحم، وغيرها من مدن وبلدات الضِّفة الغربيَّة، لاقت استحسان الجُّمهور، حيث استقبلها بالتَّصفيق والثَّناء.
  • حول ضرورة ترديد وتوثيق أغنياتنا التَّراثيَّة
لا أريد في هذه العجالة أن أتوقَّف عند حكايات أو أصول تلك الأغنيات التراثيَّة الشعبيَّة، ولكنَّني سأكتفي مؤقَّتًا بالتوقّف عند هذه الظَّاهرة المباركة التي كادت تستحوذ على عناية لافته من بعض المطربين والمطربات لتقديمها في حفلاتهم وبرامجهم الخاصَّة، وأذكر في هذه المناسبة، أنَّ المطرب النصراويّ، يوسف مطرـ أبو كارم، عندما أراد أن يبتعد عن كارم محمود، ذهب إلى الأغاني الشعبيَّة التي اشتُهِرَت في الناصرة، فقام بتقديمها للجمهور، ثمَّ سجَّلها على "كاسيت" لضمان حفظها. 


ومِن المطربات اللّواتي أتقنَّ هذا الَّلون من الغناء الشعبيّ، هي: الفنَّانة سناء موسى التي لفتت انتباهي بشكل خاص بشدوها وصوتها المخمليّ العذب. وكم أدركت الصَّواب الفنَّانة دلال أبو آمنة حين خلعت ثوب الكثوميَّات، لتُقدِّم تلك الأغنيات الشعبيَّة بأسلوبها. كما برزت على السَّاحة الفنيَّة مؤخَّرًا أصوات أخرى أرادت هي أيضًا أن تُجرِّب حظّها في هذا الَّلون من الغناء الشعبيّ الأصيل.

هذه اللفتة الطيِّبة من بعض مطربينا ومطرباتنا لإحياء تراثنا الغنائيّ كان ضروريًا لعدَّة أسباب، أهمُّها: حفظه من الضياع، وبالتالي من محاولات السُّلطات الرَّسميَّة الإسرائيليَّة المتعاقبة لطمسه، وتغييبه، وذلك بهدف تأكيد مزاعمهم: (أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض). تفيد المصادر أنَّ هذا الادِّعاء قام بالتَّرويج له زعماء الحركة الصهيونيَّة، في مقدِّمتهم: "إسرائيل زانجويل"، و "ثيودور هيرتزل"، وقد ننج عن ذلك إحدى أهم الكوارث الإنسانيَّة التي حدثت في القرن العشرين، ألا وهو ترحيل الفلسطينيِّين.

(يتبع)