كنوز نت - الطيبة - بقلم : ياسر الحج خالد

بين البحر والقمر

 أنا لا أدري أي داء أصاب الركن الروحي داخل قلوبنا في هذاالعصر!. أحس أن المشاعر قد تبلدت وأن القلوب داخلها دخن شيطاني أفقدها كل المعاني الروحية والجمالية! أحس أنه أخلدها إلى الأرض ، بل أحس أن الشيطان نفسه قد استوطن قلوبنا “فباض فيها وفرخ”. الحياة المعاصرة تطحن الإنسان طحنا تشغله به عن نفسه! ترى الواحد منا: يظل يركض ركض الوحش مبتغيا = تحصيل أقواتهم من جيد وردي فالفرضَ ضيعه والدينَ أفسده = بالمكر والغش أو بالغل والحسد ! هذه الصورة التي تسيطر على اللاعبين على “خشبة مسرح الحياة” اليوم. فكل شيء أمامنا أصبح يدور حول المادة و”التشيء” أصبحنا قبيلة من عباد الأشياء، نتلهى بالأشياء التي تجلُبُ ببريقها الزائف عن الأشياء التي تجذب بقدسيتها وجمالها. أصبح الواحد منا إنسانا “ذا بعد واحد البعد الشيئي الأرضي الطيني فقط.

 لا نصغي إلى الصرخات التي قد يطلقها الضمير بل يتصامم عنها الواحد منا ويخادع النفس ! تهنا في ظلمات المادية وليلها فلا نكاد نقف على شاطئ الحقيقة، تماما كما الاعتصام بحبل “الحس” ضعنا في الليل عن بحثنا عن” شاطئ البصر”. هذا الانشغال عن الجانب الروحي والجمالي بالمادي المبتذل ولد لدينا مجتمعا يكاد يكون مختلا. مجتمع فقد “الأناة” والسكون، مجتمع أبعد ما يكون عن العمق نتيجة انشغاله عن روحه ببطنه. ولعلك تستطيع أن تر ذلك في كل جزء من أجزاء الحياة. ألا ترى أن لنا في كل مكان ”وجبات سريعة” و”كتبا سريعة” تغريك بتعلم لغة قوم “في خمسة أيام”…”.تعلم الفرنسية في خمسة أيام” و”الإنكليزية في خمسة أيا م “بل وليست العربية هي الأخرى بمنأى. أصبحت أحس أن وتيرة الحياة في الحضر تحولك إلى” صوفي رأسمالي” فأنت “الغائب الشاهد” “ومشهد الحب من وثب
  • الحضور دمي!!” تأمل كيف نعيش!
 يلقى أحدنا أخاه في الشارع فيراه مرهقا تعلوه قترة وما إن يبدأ الحديث معه حتى تلاحظ أن ” العاشق” المسكين في عجلة من أمره فتبدأ تئنب نفسك أن قد حبست المسكين عن حاجة في نفسه أو قفته وهو يطاردها !! خرجت قبل يومين الى سهل المدينة فرأيت ضوء القمر. كان منظرا رائعا حقا!! رأيته يناجي الروابي باثا شجونه إليها وهي مستلقية تستمع إليه في صمت مهيب. تستمع إليه وتتمتع بجماله، لذلك لا توجد عواصف رملية في الليالي المقمرة عادة!! فسألت نفسي: “هل اصبحت قلوبنا من حديد حتى أصبحت الجمادات أقدر على رؤية الجمال منا؟” إنني لم أرالقمر في الليلة التي قبلها عندما كنت في المدينة! هناك… على هذه الرمال الذهبية المقمرة سمعت البدر يبث شجونه لتلك الروابي مجسدا مأساتنا المعاصرة!.. يناجيها ويشكوا إليها “أُهيْل هذا الزمن”متمثلا : ” أشكوا إلى هذاالزمان أهيله”.. لفقد تبلدت أحاسيسهم وفقدوا حاسة “التمتع بالجمال” لقد شغلتهم المدن بضوضائها عن تأملي وتأمل الجمال الذي أسكبه ذهبا على هذه الربوع!! 


 لكن ما الذي رغبهم في المدن الضوضائية عني؟ هل ركنو إلى أضواء السيارات واستعذبوها وفضلوها على ضوءي؟ أم أنهم عابو صمتي وهدوءي واعتبروه ” مملا” يتنافى و”السرعة” التي بدءوا يركنون إليها؟ لذلك فضلوا أضواء مولدات الكهرباء التي تظل تئن بصوتها الضوضائي في مدنهم والسيارات التي لا يمل أصحابها من الضغط على منبهاتها؟ لماذا حبستهم أقفاصهم التي يسكنون فيها؟ بل سجنته أقفاصهم التي يسكنون فيها؟ بل سجنتهم عن رؤية الكون وجماله؟ هل اعتقدوا أن الزركشة التعيسة داخل بيوتهم أجمل من الزينة المبثوثة في السماء الدنيا؟؟ لابد أن نتنبه إلى أن قلوبنا بدأت تسرقها الحياة المعاصرة لذلك تتعين معالجتها.

 زر الشاطئ من مكان ليس بمعهود اذهب إليه حيث لا يوجد ا الناس. حيث لا يوجد من يأتيه باحثا عن ” الأشياء” فالبحر يغضب ويسأم ويتعكر مزاجه عندما يحس أن البشر لا يأتون إليه إلا لغرض حسي! فاحذر أن تأتيه من جهة ترى بها بحارا بثوبه الأصفر المزعج!! ، وإذا رأيته فاعلم أنك حللت بواد غير ذي زرع! اجلس على شاطئه حيث لا أنيس وتأمله وهو ” ساجد صامت فيه خشوع الزاهدين”. إذا فعلت فإن البحر سيثمن زيارتك وسيلقي إليك بدرره وستنهال عليك الأخيلة السامية والمعاني الربانية! قف وتأمل هناك…. هناك حيث أنت سيعاملك البحر بما تستحق وستلحظ سموا روحيا ومتعة جمالية وتحلق بك في الأعالي.. سيرتفع ناظرك من بين قدميك لينظر هناك …في الأفق البعيد! اذهب إلىالصحراء في هدأة الليل. اذهب إلى مكان قصي في الصحراء واستلق هناك وتأمل النجوم البراقة التي تفصلك عنها ملايين السنوات الضوئية وستتعلم من هذا ما لا تتعلمه من مئات الكتب والمحاضرات إن كان بين جنبيك قلب ينبض بحب أو عين تتمع بجمال!