
كنوز نت - كاملة محمود الصيداوي .
رسائل من الشتات للكاتبة" بيسان العدوان "
لطالما كنت مقتنعة أنه لا شيء في هذا العالم يضاهي حزن النساء ، ووجعهن وهن بعيدات عن الأوطان هو أنيق حتى الموت!! يستل منك نبضاتك انفعالاتك تخيلاتك فتصبح أنت نفسك ظلالًا لهذا الحزن مع أنك حاولت أن لا تنجرف !! هو كعطرهن وكحلتهن وشالهن الكشمير وضعنه على أكتاف تعبهن ليحتضن كل خيباتهن وأحزانهن .
- من نبض الرسائل
عزيزي …
صباح الخير ..أتعلم أنّي افتقدُ الشمس ؟ لذا كُلُ استيقاظ في أي ساعة من النهار يعدُّ صباحًا بالنسبة لي ..هكذا أصنع شمسًا خاصة بي …
بالأمس ذهبت إلى منطقة يقطنها المصريون ، واشتريت الخبز الأسمر " العيش " ، اندهشت من فرط السعادةِ التي كنت فيها.. أتعرف لماذا يطلقون عليه " العيش " ؟ من "العيشة والمعاش وكُلُّ من قدر في الحياة ان يعيش عاش " ، وتلك إشارة أخرى.
ويبدو أن الكاتبة بيسان رغم النفي والبعد ظلت قادرة على الإحتفاء بمشاعرها المتضاربة ما بين نفي عن وطن ووباء حل بالعالم كله مما زاد وحدتها ولكنها ظلت وفية للوطن وهمومه ظلت قيد قلق وحنين ومسئولية ..
- من نبض الرسائل
في خطبة الفلسطيني الأخير لن أوقع باسمي معاهدة الصلح بين القتيلِ وقاتله ، لن أوقع باسمي على بيع حفنة من الشّوكِ حول حقل الذرةِ، وأعرف أني أودع آخر شمسٍ ، وألتفُّ باسمي وأسقط في النهر ، أعرف أني أعود لقلب أمي لتدخُلَ، يا سيد البيض عصرك ..
لأول مرة نرى رسائل بهذا الجمال حيزها الغربة بكل سياقاتها والعيش بعيدًا عن الوطن ، النفي والتهجير ولكن رغم كل ذلك استطاعت الكاتبة أن تخلق لها جسرًا لتعود لبلدها الأصلي "بيسان" هنا في فلسطين والدليل أن نسخي وصلتني عن طريق مجموعة من الشباب الفلسطينيين لاقتهم في منفاها في اسطنبول وأحضروا النسخ أوليس هذا انتصارًا ، ألم تحقق بيسان الهدف بأن تصل نسخة لأخيها" رامي" وكأنها صرة من الأشواق والأمنيات بأن وطنًا لن يخذل أبنائه مهما طال الزمن .. وأن النبوءة لا بد لها وأن تتحقق !!
رسائل بيسان تشبهها بالتمام والكمال تشبه حرصها في اقتناء التفاصيل في ذاكرة تأبى النسيان ، رغم وجعها كالندب طالت حتى حرفها استطاعت الحفاظ على مفاتيح الدور سكنتها ، على الشوارع مشتها ، الناس البسطاء عاشرتهم ..
- من نبض الرسائل.
" الغريب " كلمة لا تسمعها أيها الفلسطيني ، لكنك تراها في أسئلة الناس ، في ترحيبهم المبالغ به ، في الأوراق المطلوبة منك كل فترةٍ، في الأختام ، في الحواجز التي ترتفع فجأة ولا فجأة ..فلا تملك إلا ان تكمل إذعانك لهزائم لم تتسبب فيها ..
نحن النساء مخلوقات عجيبة إذما تحدانا الوجع والوباء والحنين يكسرنا وربما يحد من حركتنا في هذا الفراغ يكبر كل صباح وصباح في غربتنا ولكننا قادرات على تهذيبه كطفل شقي قلمنا أظافره ورتبنا ملابسه وربتنا على يده أن اطمئن "فالغربة لمن تسكنهم الأوطان فصل زائف !!"
- من نبض الرسائل
إذن علي البدء برحلة جديدة إلى مدنٍ تشبهني … إلى مدن تستريخ على الأزرق ، على ذلك البحر الذي أنجبني ، إلى المتوسط.
لا أبالغ إذا قلت أن التجول بين رسائل بيسان رغم وجعها وهي تعلم ذلك جيدًا أنا المتعبة ايضًا على الضفة الأخرى أهلكني وقصم ظهري كم المفاتيح لبيوت لم أسكنها أصلًا أو أهجرها ولكن صراخ أبوابها يداهمني ليلًا يذكرني بترويدة جدتي تقف على شباكها الشمالي وتردد" تمنيتهم بسجن بيروت …ابكي للسجان وأرجاه أفوت "
تشاركك" العدوان" تلك الدهشة رغم الغربة وتجعلك تتشظى هنا وهناك ، وأن تمشي في طرق لم يسبق لك أن مشيت بها تحدق بوجوه المارين فيخيل إليك أنك تعرفهم ولكن ما هي ثوان حتى تدرك أنهم ند آخر لغربتها ، تكمل وتصعد أدراج التعود علّها تصل اخيرًا فترتاح ولكنها في كل مرة كانت تصل لمكان لا تعرفه !!
ان الجمالية في هذه الرسائل تفرق كليًّا عما قرأته سابقًا وأنا أعي ما أقول !! فقد استطاعت "العدوان " رغم وجعها الفردي أن تاخذنا كقراء معها في الوجع في السفر لنسافر في ذواتنا المتعبة ورؤانا المبهمة عن العالم ، الوطن ، الناس ، الحياة …
الغربة تجعلك متفهمًا أكثر مهما طغى وتجبر المنفى ولكن بشرط أن تفهم وتدرك أنت !!
في رسائلها كانت في كل مرة تردنا عبر لغتها المختلفة شكلًا ومضمونًا لِكُنه وجودنا كبشر أينما كنا نحن من بقينا أو غيرنا ممن نفوا وأبعدوا وهجروا ونعود ونسائل عن كينونتنا انتمائنا و علاقتنا بالأشياء من حولنا ..
جميع من سيقرأ رسائل بيسان لن يستطيع أن يبقى كما هو وهذه حقيقة !! ستسأل نفسك ً ما هو السر في هذه الفضفضات والرسائل جعلتك لم تعد كما كنت في سابق عهدك !؟ لماذا لم تعد قادرًا أن تكمل طريقك بعد أن قرأت هذا الكم من الوطن من الوجع من الحنين !! سأجيبك أنا وبكل تواضع انه سحر حرف بيسان جعلتك مرهفًا حساسًا ظننت أنها مجرد اسم على غلاف ولكنها أصبحت بحكم رفاهية منحت لك هي القراءة ، آخر مثلها ولكن بصورة أخرى !!
# رسائل من الشتات للكاتبة بيسان العدوان
- كاملة محمود الصيداوي .

27/05/2022 09:53 pm 876
.jpg)
.jpg)