كنوز نت - قراءة :  خالدية أبو جبل

 رواية "البيوت" للكاتبة وداد البرغوثي


" خيمة عن خيمة بتفرق" وبيت عن بيت يفرق وسجن عن سجن بفرق، وسجّان عن سجّان بفرق...رواية "البيوت"للكاتبة وداد البرغوثي

دار الشامل للنشر والتوزيع ، فلسطين
الطبعة الاولى سنة2021
رواية تقع في 208 من الحجم الوسط.
......        .......

"ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين والعين تتابعك وطبعك محتشم ورزين" يورق البنفسج ويُزّهر ، يزّين اسطح البيوت حين الانتهاء من بنائها، يبتسم على ابوابها ، يرقص في الأفراح،ويهنئ بميلاد الأطفال ، يلّوح بألوان  زهره عاليا انتصارا لتحرير أسير ، ويزغرّد لارتقاء شهيد...

فكيف لهذا المبتهج الّا يكون حزين ؟

وما رقص على سطح بيت الا والخوف يملأه من مداهمات جرافات الهدم! 
وما وقف على عتبة بيت مبتسما الا واللوعة تمزق أوراقه خشيّة إغلاق الابواب بوجه أصحابها!

يرقص في فرح وعينه على العروسين من رصاصة غدر خائنة، أو جرافة تسّوي عش الاحلام بالتراب !
يبتهج لميلاد طفل ولسان حاله يهذي : اتراه أسيرا أم شهيدا ، متسولا ، معذبا، قائدا، مقاوما، أم عميلا ؟
يسير مرفوع الزهر في موكب أسير محرّر، وأوراقه ترتعد خوفا على ابن أو أخ أو رفيق ، يعاني ظلم وظلمة الزنزانة والسجن!

يغتصب زغرودة من قلب أم شهيد، ضاق بنبضه وما عاد به متسع لمزيد من عمر أو وقت!
وكيف لهذا الحزين الا يكون مبتهجا؟! 
وعيون الدنيا تتابعه، مقاوما يقف في وجه أبشع آليات القنع والتنكيل التي عرفتها البشرية، إنسان يدافع عن إنسانيته أولا وإنسانية الانسان ثاتية
يستبسل في الدفاع عن حقة في وطنه وقوميته وحريته وكرامته وأرضه.بصبر وشجاعة وايمان لم تكسره السنون بوحشية آلياتها وتكالبِ وانبطاح القريب قبل الغريب .
......

رواية البيوت هي رواية الفلسطيني وحده ، أو رواية الأُسرة الفلسطينية، في البيت والمخيم والشارع والمدارس ودور العبادة والسجون والمقابر  والجامعات، في جوازات السفر والمطارات وكروم الزيتون والمستشفيات في الحواجز في أماكن العمل إن كانت داخل" الخط الأخضر" او خارجه،كما يحلو لهم تسميته، وحتى في التسّول...في مأكلها وملبسهاا وفراش نومها وباب بيتها.

هي الأسرة الفلسطينية وحدها من تخشى وتحسب لكل تفصيلة في حياتها ألف حساب، فكيف إذا اتطّلعنا على سيرورة حياة هذه الأسرة من خلال سيرة أم وامرأة مقاومة واستاذة جامعية حملت على كاهلها كل تلك الأعباء، وذاقت من اصنافها جميعا شتى أنواع العذاب؟

فها هي وداد البرغوثي تبدا رواية بيوتها على لسان بطلتها ياسمين، تبدأها من حيث تشّك انها النهاية لسجن طال أمده وشقّ عذابه، لتفتح لنا طاقة أمل 
ونرى أبناء شعب معطاء متكافل ياتيك بالمساعدة من حيث لا تحتسب، فالكفالة المالية باهظة ووقتها محدود، لكن ليست أمام شعب لا يعرف للمقاومة والتضحية حدود.

وبالمقابل تعود لتوجسها وتشاؤمها من تاريخ المحكمة الذي تزامن مع ذكرى مجزرة صبرا وشتيلا، فتخشى من مجزرة أُخرى تأذن بالحدوث ، وقد فاتها أن تواريخ أيامنا باتت كلها تأريخ لمجزرة أو لاعتقال أو هدم او تشريد!!

وفي السجن ولا يدرك مرّهُ الا من شرب من نتانة مائه وأكل من عفونة طعامه وتلّحف بخشونة غطائه، وعلّمت على جلده سياط السّجّان المحتل، وأدمت فؤاده خيانة وتعاون قريب الدم، ليدرك انه سجين الاحتلالين،( عصافير السلطة الفلسطينية والاحتلال) ورهين سجّان ينطق العربية، ولا فرق إن كانت لهجته سورية او فلسطينية، لهجة تذوب أحرف لغتها العربية خجلا خلف حُجّة لقمة العيش!

لقمة عيش مغمسة بالعمالة والذل والدونية.

أما عن رفاق السجن الذين يطول بهم النهار ليمتد لسنة فيتسّع لسرد تفاصيل حياة كاملة، فما أن يأت النهار آخره حتى تكون عمر الصداقة تساوي عمر الانسان .

" تتشاركا الوجع وتتقاسما الابتسامة" ص35
.....

إذن هو الافراج من السجن ما جعل لهذه الرواية أن ترى النور ، فهل كان إفراجا حقيقيا أم انتقالا لسجن آخر 
مجهول ؟

تتزاحم الافكار في ذهن ياسمين  وهي في طريقها للمعتقل، وأُذناها لا تسمع الا صوت ارتطام  الحجارة  بجدران  سيارة السجن العسكرية، حجارة أطفال قال فيهم نزار القباني :


"بهروا الدنيا وما في يدهم الا الحجارةوأضاؤو كالقناديل وجاؤوا كالبشارة""ص40 

إنهم أطفال فلسطين الذين فرح البنفسج بميلادهم خرجوا من بيوت فلسطينية ...

تسترجع ياسمين ساعة اعتقالها وما أصاب زوجها وأبناءها من عذاب وتنكيل ونهش من جنود الاحتلال وكلابهم ، إنه بيتها الذي تركت فيه زوجها نازفا ، وبيت تركت فيه حفيدين صغيرين وامهما ، وبيت قريب تركت فيه اختها الوحيدة تصارع السرطان والغاز المسيل للدموع والمداهمات الليلية، وبيت آخر فيه قريبة لها تعيش بكلية واحدة مزروعة لا تدري إن كانوا اقتحموا بيتها ام لا...

هذه نماذج قليلة للبيوت الفلسطينية ومعاناتها ونوعية حياتها .
... ....
فلم ترو لنا رواية البيوت قصة وتعداد البيوت التي تنقلت للعيش فيها ياسمين برضاها او مرغمة ، فحسب، بل هي رواية الانسان الفلسطيني في كلّ هذه البيوت  وتقتصر فقط على الزمن والوقت الفلسطيني .
....
"الوقت الآن  هو الفجر "ص49 وطعام الغذاء تحول الى سحور بفعل العراقيل والتقسيمات " خارطة الفصام" التي قسّمت الوطن الى مناطق، ليكون سجنها المنزلي في بيت في منطقة ج،هذا السحور وهذا الاستقبال وهذه الحفاوة ، التي جعلتها تُحاسب نفسها على غضبها من قرار الحبس المنزلي وما يتبعه من انتهاك لخصوصيتها وتقييد لحريتها ، قبل أن تفكر في تقييدها هي لحرية اصحاب البيت وانتهاك خصوصيتهم، لتكون البداية من هنا 
من هذا البيت الذي احتضن أسيرة أمنية بكل شجاعة وحفاوة بدون سابق معرفة بها ، في حين رفض استقبالها معارف ورفض تأجيرها بيت الكثيرين من المؤجرين تحت حجج واهية ووضع عراقيل مادية،لتوقن أن بيت عن بيت يفرق وسجن عن سجن بفرق في هذا البيت الذي أراده الاختلال سجنا- وكم أصابت ياسمين حين اطلقت اسم الاختلال على الاحتلال ، فلم تر به الّا مختلا حيث ظنّ أننا شعب نتخلى عن بعضنا ونركع -إنه بيت أبو العز الذي تنازل عن فراشه للأسيره لتشارك زوجته فراشها وحكاياتها، سرّ أحزانها ومصدر ابتساماتها.لتصبحا التوأمان اللذان تلاقيا برحم الارض. 

هذا البيت الذي عاش في الجانب الجميل والغالي من الذاكرة والقلب بجانب بيت الزوجية الذي انتقلت له بمحض ارادتها ومحبتها برفقة رفيق دربها وأنجبت أبناءها وعاشت فيه حلم حياتها ، الا انها تضطر لتركه مكرهة للعناية بأمها بعد وفاة والدها ، تتكيف معه وبه تحبه وفي قلبها غصّة على بيت الزوجية ، إلى أن يقتلعها السجن منه ويرحلها لبيت ابي ابعز ومن ثم الى بيت مستأجر آخر لتخفيف العبء عن بيت ابو العز .

بيت في كفر عقب الذي أسمته كُفرٌ وعقاب ،لهول الفقر و العشوائية والفوضى التي تسود المكان ، والتي لم تكن لتصدقها من تقارير طلابها لولا عيشها الاضطراري في هذا المكان. 

هي بيوت اختلفت أماكنها واختلف سكانها، جمعها حلم واحد وهدف واحد ، يمّرُّ باولى الأمنيات على لسان كل الأمهات، اللاتي عانين وجع أسر الأبناء ان لا يكّنّ جدات لاسرى  أحفاد، فهل  علمتم شعبا يرث الاسر والشهادة سوى الشعب الفلسطيني؟!

" تتمنى أن لا تكون جدة لأسير" ص 76 وهل علمتم شعبا يخترع نظرية نسبية للالم للتخفيف من وجعه سوى الشعب الفلسطيني؟

فكل من أراد أن يواسي نفسه في عدد اسرى اسرته أو جرحاه أو شهدائه أو هدم بيته، يقول لنفسه أنا أفضل من غيري الذي نال ما نال من كمّ العذاب والدمار،بدلا من أن يُقارن نفسه بمن هو افضل منه حالا.

" إنه الفهم التلقائي المطلق للنظرية النسبية" ص 74
...

رواية البيوت أكدت  أن الشعب الفلسطيني لوحده منذ احتلال اسرائيل له ، فالحكومات العربية  بمعزل عنه ولا أظنهم سمعوا بعد بالاحتلال " يمكن ما كانوا يسمعوا اخبار لما اسرائيل احتلت فلسطين لن يسمعوا لو أُخذت الكعبة "ص 108 

رواية عزّزت إنسانية الانسان وعرّت الكثيرين  من إنسانيتهم المزيفة عرّت ديمقراطية اسرائيل المزعومة، من خلال وسائل تعذيبها المتفردة ، وإذلالها لأهالي الأسرى إن كان في قاعات المحاكم او في لقاء السجين باهله والفتحة التي تضيق فلا ينفذ منها الخنصر للمس الأهل ومصافحتهم،ناهيك عن معاملة الأسير ذاته واعتباره جرثومه، يمسكون بيده وهم يلبسون القفازات، ويناولونه حبات الدواء العارية بأيديهم القذرة المكشوفة.
.....

هي رواية البيوت التي تعشش رائحة غبار ذكرياتها في الشرايين وكريات الدم ،هي البيوت التي يصبح هدمها اشدّ ايلاما من فقد الام " حين رحيل الأمهات يكون قلبك عاريا، لكن حين هدم البيت يكون ظهرك عاريا وراسك ايضا، فلا تستطيع أن تتذكر البيت أو أن تراه دون أن تبكي من العين مرة ومن القلب مرات " ص 203

فهل أقسى من حكم هدم البيت؟ يطلبون منهم جمع أغراضهم وإخلاء البيت قبل الهدم ، فهل من جامعٍ لأنفاس محبة وأخوة وشقاوة ، وبقايا كتابات على جدار او طاولة، أم هل من جامعٍ لأوراق وصور تناثرت، او لرائحة خبز او نكهة لقمة او عبير حبقة فاح على عتبة البيت...فأي عذابات يعيشها الفلسطيني ويبقى صامدا صابرا مقاوما؟

إنها رواية أمهات الابطال ...رواية القلوب الدافئة التي تصلح وطنا للمنفيين.

وهي الرواية التي تفتح باب أملٍ صادق، بايمانها بقدرات شعب لا يلين..."منفاي اعشقه ما دام من وطني اليه والكل خلاني خليلانيكل البيوت أتتني فيه حاملةحلو المشاعر اروي منه ابياتي"   ص    206 

رواية خيالها واقع قاسي غريب ، سُردت بجمالية سهلة اللغة عذبة المفردات ،زينتها الكاتبة بأبيات شعرية متماهية مع السرد لتضفي له عمقا ومعنى أكبر .
مشوّقة للقفز نحو الآت ، يعيشها القارئ بكلّه ويتفاعل معها وينتظر فرجًا في كل صفحة قادمة، بالرغم من معرفته تمام المعرفة حقيقة الرواية وواقعية احداثها التي تطالعنا بها الأخبار وأيدي الاختلال كل يوم وكل ساعة .

لكنه على قيّد وعدٍ أن البنفسج سيبتهج يوما وهو منتصر سعيد... 

خالدية أبو جبل 
طرعان ، الجليل الفلسطيني 
12ايار 2022