كنوز نت - كتب: خالدية أبو جبل


هكذا قرأتُ "الكوكب الأزرق" للقاصة جميلة شحادة

******************************
" الكوكب الأزرق" هي قصة للأطفال، صادرة عن دار الهدى للطباعة والنشر- كريم؛ للقاصّة ابنة الناصرة، جميلة شحادة، رسومات منار الهرم.
تقع القصة في خمس وعشرين صفحة من القطع الكبير من الورق المقوى (الكرتون).

في أولى صفحات القصة، يلتقي القارئ الصدق بأروع معانيه وأوج الإحساس به. إنه صدق الإحساس حال الشعور بالحزن بسبب الوحدة وانشغال الغير عنّا وعدم الالتفات لنا، هذا الحزن الكبير الذي عبّر عنه البلبل لصديقه الشحرور من خلال غنائه الحزين. وليس مثل الصديق الصادق يصدّق حزن ومشاعر صديقه، ويشعر به فيساله عمّا به، وعن سبب غنائه الحزين. ليعبر البلبل عن سبب حزنه:

أنا حزين يا شحرور!
لم يعد أحدٌ يستمع لتغريدي، الكلّ مشغول، مشغول...

إنها عبارات من الصفحة الأولى في القصة. وكقارئة وجدت في هذه الصفحة الكثير مما يُحكى عنه. حيث أرى ان القاصة جميلة شحادة، ببراعة، استطاعت اختراق عالم الطفل، والتحدث باسمه عن طريق توظيف البلبل والشحرور - وهو توظيف، وانتقاء موفق يُحسب لها؛ فالأطفال يحبون الطيور ويسعدون بالقرب منها.

أيضًا هي بذلك تعطي للطفل فرصة التعبير عمّا يُحزنه، والشكوى ممّا يلاقيه من انشغال الأهل عنه، وعدم الاهتمام لأمره، والانصات لمشاعره ...
هذا الحق الذي منحته الكاتبة للطفل للتعبير عمّا يدور في باله، يعطيه الشرعية لحزنه، وصدق مشاعره، ويُساعده في تنمية عاطفته، وإيجاد
الطريقة السليمة للتعبير عن هذا الحزن. حيث أوجدت الكاتبة هذا الحوار الجميل بين البلبل الحزين وصديقه الشحرور.

وهنا ننظر للدور الذي قام به الشحرور على مدى القصة؛ فهو الصديق الذي صدّق مشاعر صديقه، وتعاطف معه. وحاول أن يثنيه بلطف عن رأيه وأن يغنيّا معا لأمهما الأرض. لكن حين تمسّك البلبل برأيه، ولم يفرضه على صديقه الشحرور بالقوة، لم يتخلَّ الشحرور عن صديقه البلبل ولم يتركه وهو في مأزق. بل رافقه ليكون له عونًا وسندًا، ليبحثا ويفتشا معًا عن الفرح والسعادة بعيدًا عن الأرض.

 لقد حافظ الشحرور على دور الصديق الحريص على صديقه دون لعب دور الواعظ والمرشد، لكنه كان المُجرب والمنبه، ففي كل اقتراب من كوكب، كان الشحرور صاحب التحذير من خطر الاقتراب من هذا الكوكب أو ذاك. فمنها قد الحارق، ومنها ما يفتقد الهواء والماء كالمريخ وغيره.

إذن لقد تمتع الشحرور، الصديق، بالصبر والتأني، وبمشاركة صديقه رحلة البحث عن وطن آخر، ليترك له فرصة الاكتشاف بنفسه؛ أن لا وطن له بديلا للأرض. والدليل على ذلك قوله، عندما وصلا، البلبل والشحرور، ووقفا على غصن إحدى الأشجار الخضراء، وصاح فرحًا: إنها الارض! إنها كوكبنا، يا الله كم هي جميلة الأرض." في الوقت الذي اعتدنا في الصفحات السابقة، على أن يتكلم الشحرور أولا عند الاقتراب من أي كوكب.

نستنتج مما ذكر آنفًا، أن القاصة قد أحسنت توزيع الأدوار وتوزيع المهام بما يُفيد رسالتها التربوية، وهي التربوية المشهود لها، حيث اتخذت الحوار الجميل الشائق، الركيزة الأولى، والهامة لقصتها. الأمر الذي أبعدها عن رتابة السرد والوعظ. بذكاء استطاعت الكاتبة إعطاء رسائلها للطفل من القصة وهي:

أن ما نشعر به من حزن، من الممكن أن يدفعنا للإبداع، وفي قصتنا، الكوكب الأزرق، كان حزن البلبل وتصديق الشحرور له، دافعًا للبدء في رحلة معرفة واستكشاف.

لقد استغلت الكاتبة، جميلة شحادة الخيال العلمي والرحلة الى الفضاء، لتنمي الخيال عند الطفل وتوسّع آفاقه، لا سّما أنه كثيرا ما يسبح بخياله بين الكواكب والمجرات السماوية ويُكثر من الأسئلة عنها.


أما الأجمل، فهو أنها وظفت الطيور لمهمة الاكتشاف هذه، والطيور من خواصها التحليق عاليًا، ويرى فيها الطفل على أنها تصل سابع سماء، أي أنها لم تخالف منطق الطفل، ولم تستخدم الرموز التي استهلكتها قصص الأطفال الأخرى، كالبساط السحري وغيره الكثير.

لقد نجحت الكاتبة كل النجاح في إيصال رسالتها التربوية التي تفيد بنجاعة الحوار، والقيام بالتجربة، ليصل الطفل القارئ للقناعة المرجوة. فلا أظنها كانت ستصل لذات النتيجة لو جعلت الشحرور يستعمل كل وسائل الإقناع العادية، أو الضغط على صديقه البلبل، بأن الأرض هو الوطن الأجمل لهما.

بأسلوبها الشائق والذكي هذا، أظن رسالتها ستصل الطفل على طبق من رضى وقناعة وفرح بعد رحلة البحث تلك، بين الكواكب والنجوم. وبالتالي تغرس في نفس الطفل حب الأرض وتعزيز الانتماء لها، والمحافظة عليها. وتجدر الإشارة هنا، الى ان الكاتبة قد ذكرت الأرض، ولم تسّمِ أو تحدد بقعة معينة منها، لتكون قصتها إنسانية، تحاكي جميع الأطفال، وأن الانتماء الأهم هو لهذه الأرض- التي يتوجب علينا حمايتها- وهذه الانسانية التي تجمعنا كبشر.

كذلك لقد نجحت القصة في تقديم معلومات هامة عن الكواكب التي تشغل بال الطفل، الشمس والقمر والمريخ والأرض. فجاءت القصة بموضوعها وأسلوب سردها في إطار قصص الخيال العلمي.

لقد امتازت القصة – وهذا ما أعجبني كثيرًا- أسلوب الحوار السلس، المثير الذي اتبعته الكاتبة، والذي يناسب روح وهدف القصة الاستكشافي. فهو أسلوب بعيد عن الملل، وعن الرتابة.

لقد دارت أحداث القصة في دائرة بين صورتين: صورة الحزن بداية، ومن ثم تصاعد مشاعر الحزن والخوف، مقابل الإصرار على الاستمرار في الرحلة، ليبدأ الهدوء المشوب بحذر حين رؤية الكوكب الازرق من بعيد، يتسع الهدوء ليصبح اطمئنانا حين التأكد من أن هذا الكوكب هو الأرض، لتأتي صورة الفرح في النهاية بهيّة مشرقة.

هذا النجاح الكبير في المهمة التي خرجا من أجلها، البلبل والشحرور – رحلة البحث عن السعادة والفرح - إنما يعطي الطفل الشعور بالاعتزاز والفخر لما حققه من إنجاز، وأن للتعب والبحث الجاد نتيجة واحدة هي النجاح.

من ناحية أخرى، فالصورة حقيقة لم تتغير، هي ذاتها الأرض التي غادراها وعادا اليها، لكن التعامل مع الحزن بشكل مغاير، جعله يختفي ليحلّ محله الفرح، وتكون النتيجة بأن تُرى ذات الأشياء بصورة أجمل.

لقد وُفقت الكاتبة في عنوان قصتها الجاذب، كما وفقت في مفرداتها العذبة ذات الموسيقى وهو أمر محبب الى نفس الطفل. كما وأبدعت بشكل لافت منار الهرم برسومات القصة التي امتدت على كل صفحات القصة، مراعية تناسبها مع روح القصة وتناسق ألوانها الانيقة.

بوركت وعوفيتِ الكاتبة، جميلة شحادة، فقد راقت لي قصتك كقارئه حيث وجدت فيها المتعة، والفائدة للأطفال، لا سيما الرسائل التربوية الهامة التي توجهينها لهم. أما الكبار فالرسالة لهم هي لفت انتباههم لأبنائهم والإصغاء.

برأيي، القصة تلائم جيل 5-7 سنوات.
كل التوفيق، والاحترام لكِ الكاتبة والقاصة، جميلة شحادة، والى المزيد ‘ن شاء الله.
**************
كتب: خالدية أبو جبل
10.1.2022