كنوز نت - بقلم : د. منعم حداد


والتقوا مع "أمّ الكنائس"

  • د. منعم حداد

وغفا الرجل مرّة أخرى، ورأى فيما يراه النائم أقطاب الكنيسة الأم وربابنتها وأساطينها يطوفون في الأرض من أقصاها إلى أقصاها، يستفسرون ويستوضحون ويستفهمون ويتساءلون عن السرّ الذي أدّى إلى انقسام الكنيسة في العصور الغابرة، وجعل من الإنجيل المقدّس الواحد أناجيل كثيرة، وجعل من الكنيسة الواحدة كنائس متعدّدة!

وبحثوا في الأديرة وفي المجامع، وبحثوا في الكنائس والمكتبات، وبحثوا في الأرشيفات وفي المحفوظات والمكنوزات والمخزونات، وقرأوا آلافاً مؤلّفة من الوثائق القديمة والرقاق البالية واللفائف التي كاد الدهر يقضي عليها.

واستعانوا بالأقطاب والربابنة والأساطين الآخرين، وراحوا يجدّون البحث عن الداء ليصفوا له الدواء الشافي!

وقادهم جدّهم واجتهادهم إلى الوقوف على أسباب الفرقة والخلاف والانقسام والشقاق والخصام، وإن لم يكن على كلّها فعلى بعضها على الأقلّ!

وراح هؤلاء القادة الأوفياء المخلصون يسعون إلى التباحث مع نظرائهم في كيفية رأب صدع العصور وجسر هوّة القرون وتقريب بُعد الزمان، غير عابئين بمن هو الأول ومن هو الأخير، وغير ملتفتين إلى أيّهم أكبر سنّاً أو أرفع مقاماً أو أسمى منصباً، فالساعي أولاً إلى الخير والوفاق هو هو الذي يستحقّ أكاليل الغار والفوز والظفر.

وراح الجميع يعقدون الاجتماعات والمؤتمرات والندوات للتباحث والتفاوض والتشاور، والكلّ يسعى إلى المصلحة ويبذل الغالي والرخيص من اجل تحقيق الهدف المنشود!

واعترف المجحفون بإجحافهم، واعترف المستبدّون باستبدادهم، واعترف المستعمرون باستعمارهم، واعترف الظالمون بظلمهم!

واعتذر المجحفون عن إجحافهم، وآلوا على أنفسهم تعويض أحفاد أحفاد أولئك الذين لحق بهم الإجحاف المزمن، وتراجع المستبدّون عن استبدادهم وعنت غيّهم وضلالهم، وصمّموا على تعويض جميع الذين لحقهم أذى استبدادهم عمّا لاقوه من استبداد وعسف وجور خلال الزمان، وقضى المستعمرون على استعمارهم في غمضة عين، وأصرّوا على تعويض الذين عانوا الأمرّين من موبقات هذا الاستعمار اللعين، وأقسم الظالمون أغلظ الإيمان ألا يعودوا إلى ظلمهم، وبادروا فوراً لدفع ثمن الظلم الذي أذاقوه لسواهم...

وراح الناس يتعجّبون ويندهشون لما رأوا بعيونهم ولما سمعوا بآذانهم، ولم يصدّقوا ما يحدث أمامهم وعلى مسامعهم، فهم ومنذ أن غادر السيد له المجد هذه الأرض لم يسمعوا بمثل ما سيسمعون به الآن، ولم يروا مثل ما يرونه الآن يحدث أمامهم!

وأيقن أكثرهم أن النهاية قد دنت، وما هي إلا سويعات ويطلّ علينا راكباً السحاب وممجّداً صاحب الشأن الأول والأخير، ألف الكلّ وياء الكلّ!

وعاد الكثيرون إلى المهود الأولى وإلى أحلام الصبا والطفولة، وإلى عهود البراءة والإيمان المطلق الهادئ المطمئن، واعتكف كثيرون في دور العبادة، ورجع الغاوون عن غيّهم، والضالّون عن ضلالهم، حتى أنّه أصبح البائع ينتقص من السعر والمشتري يزيد فيه، وأصبح صاحب الحقّ يتنازل عن حقّه، وينافسه الخصم في التنازل عن حقّه هو الآخر، وساد الزمان والمكان من الخير والبرّ والإحسان ما لم يسبق له مثيل!

أظهر الفرقاء جميعاً والأطراف كلّها الآخرون النوايا الحسنة والرغبة الصادقة الأكيدة في الوفاق والاتّفاق، ومدّ كلّ طرف يديه الاثنتين ليصافح أولئك الذين اعتبرهم خطأ ووهماً خصوماً وأعداء وليصالحهم، وبادر كلّ فريق إلى التواصل مع غيره وتصفية القلوب وإزالة الضغائن والأحقاد والترسّبات المقيتة، وشهد الناس الكلّ يسعى إلى الخير والفضيلة، ولكي يطبّق قول السيد أن أحبوا بعضكم بعضاً، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وباركوا لاعنيكم...

وتنازل الكثيرون من الأقطاب والربابنة عن كبريائهم المزعوم، وألقوا وراء ظهورهم العنجهية والعنفوان، وترفّعوا عن رذائل الأنانية والاستئثار والإيثار والطمع والجشع، وهدأت النفوس واطمأنّت القلوب وسكنت الأرواح...

وتواعد الأقطاب والربابنة والأساطين واجتمعوا في لقاءات متتالية ومكثّفة لتصفية الأمور العالقة وإزالة منا تبقى من شوائب تفاقمت وتضخمت عبر الزمان، واكتشف الجميع أن ما حسبوه جبالاً عالية وأسواراً من البغضاء والخلاف والشقاق ليس سوى أوهام وخيالات وظلال جعلها الغضب والضلال تبدو وكأنها لا يمكن عبورها ويستحيل تجاوزها!


وعزم أقطاب وربابنة "أمّ الكنائس" على التبكير إلى أبواب أقطاب وربابنة الكنائس الأخرى، ليعرضوا عليهم الوحدة المرجوة والاتّحاد مجدّداً، وما كادوا يتركون مقارّهم ليقصدوا مقارّ الآخرين من الأقطاب والربابنة حتى فوجئوا بمشهد لم يروه لا هم ولا سابقوهم خلال مئات وآلاف السنين، حيث أنّهم رأوا الأقطاب والربابنة الآخرين يسيرون وسط حشودهم الكثيفة وجماهيرهم الغفيرة في اتّجاه بعضهم بعضاً، ويسر الجميع في اتّجاه الجميع، وتوسّط الأقطاب المرج الفسيح، وتصافحوا وتعانقوا، وتلتهم جماهيرهم الغفيرة وحشودهم الكثيفة محاكية إياهم، وكان مشهداً مؤثّراً تصافح فيه الجميع وتعانقوا معلنين توحيدهم وتآخيهم وتآلفهم، كخطوة أولى في السعي إلى التآلف والتآخي مع الآخرين، كلّ الآخرين!

وهكذا التقت الكنائس مع "أمّ الكنائس" ومع بعضها البعض، وكان أوّل قرار اتّخذته الجموع أن يتمّ توحيد تواريخ الاحتفال بالأعياد المجيدة والمقدّسة، وتوحيد الكنائس كلّها في كنيسة مقدّسة واحدة، والأناجيل التي استنسخها كثيرون في إنجيل واحد مقدّس، ومن ثمّ توحيد "الأجهزة" المختلفة، وتوحيد المكاتب والمؤسسات والإدارات والمشاريع وما إلى ذلك من مصالح وورش وأبنية...

وراح الجميع يجثون ويركعون ويصلّون صلاة الشكر والتمجيد لله تعالى على هذه النعمة العظيمة التي وهبهم إياها الله تعالى ويستعدّون لتقديم القرابين المقدّسة...

وفي تلك اللحظة رنّ جرس الهاتف، فأفاق الرجل من نومه يكتنفه شعور عظيم بأن هذه الرؤيا ليست سوى تمهيداً لما قد يحدث لاحقاً...