كنوز نت - بقلم : د. منعم دحدّاد


رؤى أرثوذوكسية وهمية

  • بقلم : د. منعم دحدّاد

وغربت الشمس ذات يوم وأظلمت الدنيا، ولم تظهر في السماء نجمة ولا أنار هلال ولا قمر ولا بدر، وحلّ ليل طويل ثقيل، وأرخى سدوله غير عابئ بشيء أثقل من ليل امريء القيس!!!
وطال الليل وطال وتثاقل، وأبى أن ينجلي...
وسرق "الكرى عين الخليّ السالي"، وأخذت الناس سنة من النوم، وسرعان ما تحوّلت الإغفاءة إلى نوم عميق...!
ورأى الرجل فيما يراه النائم رؤى أو أحلاماً لم يقف لها على معنى، وراح يحدّث الناس كلّ الناس، وعلى وجه الدقّة كلّ من كانت له أذنان للسمع ويسمع بهما...
ورأى وهو يغطّ في نوم عميق أن كلّ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة تنشر على صدر صفحاتها الرئيسية والفرعية وفي بداية نشراتها الإخبارية الأخبار المتعلقة بالطائفة الأرثوذوكسية في هذه البلاد!
وكانت الغالبية العظمى من هذه الأخبار لا تتحدّث إلا عن الاتّفاق والوفاق والتنازلات والمهادنات والتسامح والتصالح والتصافي الذي يميّز هذه الطائفة، ويغمرها "من قمّة رأسها وحتى أخمص قدمها"...

وتتحدّث الأخبار عن صفقات حقيقية مكتملة أو شبه مكتملة عن زيادة أملاك الطائفة الوقفية بشكل ملحوظ لم يسبق له مثيل، وعن ازدياد ريع هذه الأوقاف ومداخيلها ومردوداتها، وعن قضايا تعجّ بها المحاكم تدور للتسريع في تسجيل أملاك وقفية جديدة على اسم هذه الطائفة الكريمة النبيلة... مما يثير التقدير والإعجاب لدى الأصدقاء وهم الأكثرية الساحقة، وربما يثير الغيرة والحسد لدى الحسّاد و"العواذل" وهم قلّة قليلة!!!.
وأكثر هذه الأخبار هو ممّا يُكسب هذه الطائفة العريقة المزيد من الطمأنينة والسكينة، ولا يبقي مجالاً لأيّ تساؤلات أو شكوك ولا يحمل توجيه أيّة أسئلة عن أيّة مواضيع مختلفة تتعلّق بأيّ شأن من شؤون هذه الطائفة وما يميّزها من صدق وإخلاص وتضامن وتعاضد ومحبّة وإخاء!
ورأى أنّ الأكثرية الساحقة من الأورثوذوكس هم "اسم على مسمّى":مستقيمون وليس أكثر منهم استقامة، وأنّهم نعمة (لا نقمة) للطائفة وللأورثوذوكسية وللطوائف المسيحية الأخرى وللطوائف الأخرى غير المسيحية على حدّ سواء!
ورأى الرجل كبار المسؤولين وذوي الشأن وأولي الأمر من الأورثوذوكس يخوضون المعارك القضائية والنضالية المشروعة الضارية ليستردّوا ما ضاع (أو بالأحرى ما سُلِبَ أو ما بيع أو قُويِضَ به من قِبل أناس انتهازيين واستغلاليين وغير مسؤولين وجهات مغرضة في الماضي السحيق) من حقوق العاملين وغير العاملين من المسيحيين وسواهم ومن أورثوذوكس وغيرهم من عطل أعياد وإجازات وفاة ومن حقوق أخرى!
وانبرى الكثيرون منهم يقدمون الدعاوى في المحاكم وعلى حسابهم الخاصّ ليستعيدوا الحقوق الأخرى المسلوبة إلى أصحابها الشرعيين، تضامناً معهم وتأييداً لهم، وليؤمّنوا لهم المساواة وليحصلوا لهم على حقوقهم كاملة غير منقوصة!

كما راحوا يعقدون الندوات النافعة المجدية ويأتمرون بالمؤتمرات (لا المؤامرات) ويتنادون إلى اللقاءات ويجلسون الجلسات الطويلة الشاقّة ويجتمعون الاجتماعات الناجعة المفيدة وكلّ ذلك من أجل إعلاء شأن الأورثوذوكسية والمسيحية والإنسانية قاطبة ورفعتا لما فيه خير البشر والبشرية جمعاء!
ورأى هؤلاء القادة الأفاضل والوجهاء والذين يمثّلون الأورثوذوكس يصلون الليل بالنهار في مساع حميدة وحثيثة لتصفية الأجواء في داخل الطائفة وإزالة الضغائن والأحقاد ونبذ الخلافات والعنف والشقاق والنزاع والخصام، وإلى تقريب القلوب والتسامح والمغفرة والصفح والتنازل والابتعاد عن الأنانية والانتهازية كما يبتعد المرء عن الوبأ، والتخلّق بالأخلاق الحميدة وبالوداعة والتواضع الجمّ وبمحبّة القريب والإحسان إلى العدوّ والتقرّب من المبغضين، حتى غدت الطائفة كلّها وكأنها أسرة واحدة متّفقة على الخير متضامنة على البرّ متكاتفة على الإحسان جاهدة في السعي إلى كلّ ما يُحسن وينفع ويجدي للناس أجمعين!
كما رأيتهم يصلحون ذات البين وعندما يصطدمون بمشكلة عويصة تبدو وكأنه لا حلّ لها أو بخلاف مستعصٍ عجز الجميع عن حلّه بادروا إلى بذل الغالي والرخيص لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة ولجسر الهُوى وللتسوية والمصالحة وتحمّلوا النفقات كلّها ودفعوا "الغرامات" وما شابهها على حسابهم ومن جيوبهم الخاصّة لأن "الصلح سيّد الأحكام" كما يقال ويبذلون من أجل تحقيقه كلّ ما ملكوا دون تردّد!
وتعدّت حدود نشاطاتهم هذه حدود الطائفة الضيقة فراحوا يعملون على توسيع رقعة نشاطاتهم وتعميم مبادراتهم فغدوا وسطاء خير وسفراء صلح ومندوبي تفاهم ومحبّة بين الطائفة وبين الطوائف المسيحية والطوائف غير المسيحية الأخرى!
وأسهموا بهذا الشكل في فضّ النزاعات وحلّ الأزمات المستحكمة، ونشر العدل والتفاهم والرفاه والرفاهية والبحبوحة في المجتمع بكامل أقسامه وانتماءاته وأذواقه ومشاربه!

وكافأهم الآخرون فعاملوهم بنفس الكيفية التي عاملهم بها هؤلاء "الزعماء"، فتوثّقت العلاقات بين الطوائف وتصافت القلوب وازدادت الثقة والمحبّة والتآخي والتفاهم، وحتى أصبحت لا تميّز بين ذوي الانتماءات المختلفة ما لم يصرّحوا هم بذلك جهاراً فالكلّ شعب واحد ومجتمع واحد وأسرة واحدة كبيرة متكاتفة متكافلة متضامنة...
وشاركوا بعضهم بعضاً وشاركوا الآخرين في مناسباتهم، وفي أعيادهم ومواسمهم واحتفالاتهم، وفي أفراحهم وأتراحهم، وليس من باب المجاملة ولا من باب النفاق ولا الرياء، وردّ عليهم الآخرون "تحية المشاركة" هذه بأحسن منها، وخُيّل لكثيرين أن العهود الغابرة قد انقضت كلّها إلى غير رجعة، وأن السيّد له المجد ها قد عاد فعمّ السلام وانتشرت المحبّة والتآخي،وهرول الناس لاستقباله والترحيب بمقدمه والتبارك به...

وأسرعت أجرى مع الجارين لأنال شرف الترحيب به...وسرعان ما رنّ جرس الساعة المنبّهة...فاستيقظت من نومي، وضاعت الرؤى...