كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد

ليليّة أو ليليث...

· سألقاك في النهار وحذار من اللقاء في الليل يا صديقي!
· ممّ أحذر؟ أم تريد أن تخيفني فقط؟
· تحذر من الليل وشياطينه!
· شياطين الليل؟ وهل لليل شياطين وللنهار شياطين أخرى؟
· ألم تسمع ب"ليليّة" كما أسمّيها أنا، أو "ليليث" كما يسمّيها الآخرون؟
· لا، ومن هي ليلية أو ليليث وما حكايتها؟
· كلّ إنسان وكلّ شعب يا هذا يبحث عن الخير والشرّ وعن أسبابهما، ليبرّر أعماله وأفعاله، وليسيّرها (على الغالب!) في اتّجاه الخير، وهكذا بحث السومريّون، وهم من قدماء سكان بلاد ما بين النهرين عن السبب، وهداهم حدسهم إلى أنّ سبب الشرّ الذي يتربّص بالإنسان هو ليليث نفسها، فهي سبب البلاء كلّه!

· توصّل إلى هذا الاستنتاج بالطبع رجال شرقيّون تقليديون لأنّ ليليث أنثى والشرقيّون عادة يحمّلون الأنثى وِزر كل مصيبة تقع!
· وتحكي أسطورة أن ملكة السماء كانت تتنزه على ضفاف نهر الفرات يوماً، فرأت شجرة استحوذت على اهتمامها وإعجابها، فأخذتها معها، وغرستها في حديقة قصرها المقدّسة، وتعهّدتها بنفسها لتنمو وتكبر وتتّخذ من خشبها بعد نموّها سريراً وكرسيّاً!
· وكبرت الشجرة، و...
· ولم تستطع الملكة أن تستفيد من خشبها!
  • · ولم؟
· لأنّ حيّة لا يؤثّر السحر فيها اتّخذت من جذعها مسكناً لها، وابتنى طير "الزو" في أعلاها عشّاً له، وفي وسطها شيّدت ليليث منزلاً لها واستوطنت فيه!
· مسكينة تلك الملكة، فقلبي يتقطّع حزناً عليها!
· حزنت هذه الملكة المرحة الضاحكة وراحت تذرف دموع الحزن والأسى على خيبة أملها، وظلّت الليل بطوله تبكي!
· وعندما طلع الصباح؟
· عندما طلع الصباح سمع "جلجامش" البطل السومري العظيم بكاء "الملكة"، فارتدى درعه وتناول فأسه وهوى بها على الحية فقتلها، أما طير (الزو) فقد هرب مع فراخه إلى الجبل، واقتلعت (ليليث) بيتها وطارت هاربة إلى الأرض المقفرة التي اعتادت التردد عليها.
  • · وانتهت الحكاية؟
· ليس بعد، فيبدو أن هذا التحليل جاء لأن " ليليث كلمة بابلية - آشورية بمعنى أنثى العفريت"!
· وهل بين العفاريت ذكور وإناث...؟
· يبدو الأمر كذلك...والمهمّ أن ليليث كانت "تسكن الأماكن المهجورة"، وأنّه "قد تحول هذا اللفظ بعد ذلك من ليليث إلى ليل وهي ما أصبحت تظهر ليلاً وعرفت بالجنية ليل، تسكن الأماكن الخربة وموارد المياه وتظهر كخارقة ليلية"، وأنّها "كانت سبباً لجلب الشؤم"، و"انتقلت فكرة ليليث بعدئذ إلى التراث العبري والإغريقي وبنفس المضمون ولكن بأسماء مختلفة" وكان لها شأن في الخرافات العبرية!
· وأي شأن؟
· يعتقدون أن آدم ولد خلال المئة والثلاثين سنة الأولى من حياته وبعد طرده من الفردوس أنجب ليليث والجنّ والعفاريت ليس إلا، وبعد ذلك فقط أطفالاً بشريين...
· يا سلام!
· وتروي الخرافات أن سليمان الحكيم استدعي الجن والعفاريت (مع الطيور والحيوانات) لاستقبال ملكة سبأ عندما زارته ورقصت ليليث أمامها وأمام المدعوين الملكيين الآخرين...
  • · وماذا بعد؟
· يحذّرون السائر وحده في الليل أو النائم وحده من أن تفتك به ليليث... خاصة في ليالي الأربعاء والجمعة، حيث منعها أحد الحكماء من التجوال إلا في هاتين الليلتين...
· تذكّرني هذه الحكاية – مع الفارق الكبير بالطبع - بحكاية خالد بن الوليد عندما هدم "العُزّى" التي عبدها البعض قبل الإسلام، "وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم"(ابن سعد،الطبقات الكبرى،300)، و"خرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها"...!

· إذن تعرف ما لا أعرفه وتسكت عنه، ها؟ فاسمع إذن: ويذكر أشعياء النبي ليليث (الإصحاح 34) ويقول إنّها مجنّحة وتعشّش في جوف شجرة، وليليثو الأكدية كانت مخلوقاً ليليّاً مجنّحاً مرافقاً دوماً لعشتاروت، آلهة الجنس والحبّ، وسمّاها السومريون أيضاً باسم ليله أو ليلك، ورفيقها كان ليلو، وكلاهما من الأرواح الضبابية والظلاميّة، ينتميان إلى مجموعةٍ تقوم على خدمة سيّدة الرياح والهواء!
· وهل تحسب أنّك بهذا الكلام تستحوذ على عقلي؟
· تريّث... ليليو تعشّش في عرش زفاف آلهة الخصوبة، لأنها الجانب الضبابي المظلم من المتعة الجسدية، واعتقد الأكديون أنها تنقضّ على الرجال الذين يستهوونها وهم نيام وتغويهم... وهكذا تطوّرت شخصيتها وانتقلت إلى أساطير جميع شعوب


  • د. منعم حدّاد