
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
مدينة الخلود!
مدينة الخلود هي تلك المدينة التي خلقها الله قبل كلّ الدهور، وحتى قبل أن يقول في البدء "ليكن..."، فكانت أول ما خلق وسابقة لكل ما خلق من بعدها.
أحاطها الله بأسوار شاهقة، وطوّقها بدعاء لا يفقهه إلا من أنعم الله عليه بما احتجب عن السواد الأعظم من البشر...وذلك ليضمن عدم تسلّل الخطاة والأشرار إلى داخلها.
أسوارها الرفيعة الشاهقة لا يدانيها مخلوق، وهي أعلى مما تستطيع نسور لقمان الحكيم مجتمعة من أن ترقى إلى ما فوقها.
أما سماؤها فمنبع النور ومبعث الضياء...
ولم يحطها الله بخنادق لحمايتها، بل أحاطها داخل اسوارها بأنهار من الماء العذب السلسبيل، وبأنهار من اللبن والعسل، ليشفي الظمآن غليل ظمأه منها، وليعبّ منها العطاش ما يرويهم، وليستقي منها الناس ما شاءوا ان يستقوا.
وهذه الانهار تروي مزارعها المفتلحة داخل الأسوار، فأهل هذه الم[ينة فلاحون مجتهدون، يعملون بجد ونشاط، يكدّون ويجّدون ليستنبتوا مزروعاتهم التي يقتاتون منها بعرق جبينهم، دون أن يلجأوا إلى أحد.
ويعيش أهلوها إجمالاً في رغد عيش وبحبوحة، لا ينقصهم شيء ولا يفيض عن حاجتهم شيء، سعداء باكتفائهم الذاتي، يرزقهم الله ما يكفيهم من خيراته، ويغدق عليهم من نعمه ما يكفيهم، بل يفيض عما يحتاجونه أحياناً.
وليس ما أنزل الله في صحراء سيناء على بني اسرائيل أثناء خروجهم من مصر بعد دهور من منٍّ وسلوى سوى محاكاة باهتة لما كان عليه هؤلاء!
لا يعرف أهلها الطمع ولا الجشع، ولا يعرفون الحقد ولا الكراهية، ولا يسمعون عن الحسد والنميمة والدسائس والمؤامرات، ويجهلون الخبث واللؤم.
نواياهم نقية خالصة لامعة، أفكارهم براقة لألاءة كالبلور الجلي الصافي، يندر أن يجد المرء في من خلقهم في اليوم السادس من يشبههم أو يدانيهم أو حتى يذكّر بهم مجرّد تذكير...
وعاش أهلوها حياة يا لها من حياة، فبعد دهور راح البدوي يتمنى بقوله ليت لنا "قمر دائم، وربيع دائم، وحياة بلا موت" ويتمنى سواه كأحسن ما يصبو إليه ألا وهو "الماء والخضراء والوجه الحسن"، فهم قد منحهم الله كل ما تمنى الناس فيما بعد...
فأرض مدينة الخلود ومزارعها خضراء دائمة الخضرة، ربيعها لا ينتهي، وماؤها العذب السلسبيل لا ينضب، وقمرها لا يغيب ولا يخسف إذا غابت شمسها أو كسفت...
أما نساؤها فهن حوريات كحوريات الجنة التي فاق وصفهن فيما بعد كل وصف، ورجالها كالملائكة الذين على شكل بني الإنسان...
وأفاض الله نعمائه عليهم، فوهبهم الخلود...أجل، الخلود الذي لا يعرف الموت...
وعاش أهل مدينة الخلود حياة النعيم هذه، ومرت الأيام وكرّت السنون، وحتى العقود والقرون...لكنهم من أصل البشر، وراحت تبرز بين ظهرانيهم نزعات بشرية، أحداها التساؤل عمّا بعد هذه الحياة السعيدة الخالدة التي لا تنتهي...وأولاها عمّا تخبيء هذه الأسوار الشاهقة وراءها...
وأدرك عزّ وجلّ ما يدور بخلدهم، وبعد تفكير عميق ودراسة مستفيضة وجادّة، قرّر جلّ جلاله أن يرضي غرور البشر، وبحثهم عن الورائيات، فكان ما كان...
إذ أفاق القوم ذات صباح وقد توجه كثيرون منهم صوب أبواب أسوار المدينة الموصدة، ولما أدركوها راح البعض يفكر فيما عسى يجده خارج الأسوار...
وما أن خرج أولهم وعبر بوابة السور حتى سقط صريعاً، إذ دنا أجله وحان وقت رحيله...
ومثله ثان وثالث ورابع...
فأدرك القوم ساعتها أن الحياة الأبدية لا تكون إلا في داخل مدينة الخلود هذه، أما من يغادرها ويجتاز بوابات أسوارها فمصيره واحد ووحيد، وهو المصير الذي لا ينجو منه أحد...
09/12/2021 03:50 pm 1,755
.jpg)
.jpg)