
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
كاسر مزراب العين!
- د. منعم حدّاد
كاسر مزراب العين! وحدث ذات يوم أن أمر سبحانه وتعالى أن كوني فكانت...وانبثقت مياه عين عذبة من وسط أجمة ملتفة مكتظة بأنواع من الأشجار والشجيرات والأشواك، التي منها الأشجار المنتصبة القامة كرماح ردينة، والشجيرات القصيرة "السمينة" الدائرية التي تلتفّ على كل شيء لتبتلعه، كفيلة أفريقيا، أو أن مثله مثل "دبب مصر، لا طول ولا خصر"، ومنها القائم على نفسه بنفسه، ومنها المتسلق الذي لا ساق له، بل يستند على سواه ويتعمشق على جذوع غيره، ويأكل زاده ويمتصّ دمه، بعد أن يهرقه عن خبث وسوء نية، ومنها ما كان كالإمعة، لا وصف له، ومنها ما يملك من صفات الماء أن لا شكل له ولا لون، و"كم رجل يعد بألف رجل، وكم رجل يمرّ بلا عداد..."
وطارت أخبار العين إلى كل مكان، وطبقت شهرتها الآفاق، فتسارع الناس يروون ظمأهم من مائها العذب السلسبيل، ولا يروي الظمأ مثل الماء القراح.
وحاكوا الحكايات ونسجوا الأساطير حول النبع ومائه.
فقال بعضهم إن هذا رافد من روافد أنهار الجنة، شاء المولى عزّ وجلّ أن ينعم على ساكني هذه الأرض، فأمر هذا الرافد ان يروي ظمأهم.
وقال آخر إن هذا النبع انبثق من جليد القطب السرمدية، إنزاحت من مكانها بفعل عوارض ألمّت بها، وشقّت لها طريقاً إلى هذه البقعة المباركة.
وقال آخر إنه سمع بأذنيه- وكأنّه هو الذي كشف عنه الحجاب- هاتفاً من عالم آخر يؤكد أنها فعلاً من مياه الجنة.
وقال آخر إنها فرع نهر يمر تحت هذا الجبل، وبسبب الضغط تتفجر الينابيع.
وقال آخر إن المياه تتجمع في هوة عميقة حسبوها ذات مرة أنها هي هي جهنم السحيقة، وتجد طريقها من هناك إلى هنا مباشرة...
وأفاق الناس ذات صباح على صوت المنادي ينادي...
وهرولوا إلى حيث دعاهم صوت المنادي...
ورأوا، ويا لهول ما رأوا، رأوا مزراب العين مكسوراً!
وتشاوروا فيما بينهم، وتسارّوا بعضهم مع بعضهم، واستقرّ رأيهم على أنه هو الذي كسر مزراب العين!
ووجّهوا إليه اتّهاماً رسمياً بذلك، ممهوراً بأختام ومذيلاً بتواقيع المخاتير الجدد!
ولما رأى هو نصّ الاتّهام والأختام التي تمهره والتواقيع التي تذيله وقف في الناس خطيباً وقال لهم:
أيها الناس! هكذا اتهام يحتاج إلى هكذا مخاتير وأختام وتواقيع!
- وأنتم يا مخاتير آخر زمن:
أجل، أنا هو الذي كسر مزراب العين!
فهيا حاكموني أيها "القضاة العادلون"!
لكن دعوني قبلها أفضي لكم بسرّ، بسرّ خطير رهيب، فقد يسهّل هذا عليكم مهمتكم!
ولن أطيل عليكم كثيراً، ومن حقّي أن تسمعوني حتى النهاية!
لأنني لن آخذ من وقتكم سوى دقائق معدودات، أما انتم فلقد سبق أن أخذتم من سواي ومني الكثير الكثير!
استلبتم الإحترام بدجلكم وتأبلسكم وقلة حيائكم!
كذبتم على الله وعلى الناس دون أن يندى لكم جبين!
أكلتم الميتة وشربتم الدم واضطجعتم على الروث وتمرّغتم في الوحل!
فصبراً يا هؤلاء لأقول كلمتي، ومن ثمّ حاكموني كما شئتم!
- وأجيبوا على سؤالي: من هو الذي أعطاكم حقّ التسلّط على رقاب العباد؟
أم أنه مجرد مراء حاله مثل حالكم؟
أم أنه مجرد وثن أو صنم أصمّ أبكم؟
أم أنه منافق مراء حاله مثل حالكم؟
وما مدى أهليتكم للقيام بما تدّعون أنكم تقومون به؟
فهيا حاكموني!
أنا من قال للجاموسة يا جاموسة عينك حمراء!
وأنا الذي لاطم بكفّه المخرز وكسره!
وأنا الذي أطفأ نار سقر بنفخة من أنفاسه!
وأنا الذي أنزل المطر!
وبسببي اختلّت نظم الكون والأفلاك والأكوان!
- أتدرون أيها الـ...؟
لا، لن تدروا، فهذه لن تعرفوها!
فأنتم تعرفون تلك التي لا يعرفها سواكم!
لا، ليس التي يعرفها العالم المستقيمون!
لا، ليس الناس الأنقياء القلب والضمير!
بل من هم من أمثالكم وعلى شاكلتكم!
أجل، لقد كسرت مزاريب عيونكم كلها!
وقلبت عوالمكم رأساً على عقب!
لأنني أرغمتكم أن تنظروا إلى الشمس!
وأن تتطلعوا في المرايا!
وتروا وجوهكم!
وتعاينوا قبحكم وشروركم!
05/12/2021 03:06 pm 1,830
.jpg)
.jpg)