كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


التجارة شطارة، والشطارة...؟

  • د. منعم حدّاد
وحياة اسكندر اللي وما في غيره
هل صحيح أن "التجارة شطارة"؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما هي الشطارة بالضبط؟ أهي الاستقامة والالتزام بالضمير وقول الصدق والحقيقة؟ أم غير ذلك؟ وهل قول الصدق والحقيقة يدرّ على التاجر الربح الوفير؟ أم أن الجهر بالحقيقة وقول الصدق قد يجعلان مهمة البيع والشراء أحياناً مستحيلة أو مسببة للخسارة أو على الأقل الكساد، وتقود إلى الإفلاس والدمار، وذلك بسبب إلحاح الزبائن وطمعهم وجشع التجار؟
والشطارة في القاموس المنجد هي الاتّصاف "بالدهاء والخباثة"، والشاطر هو "المتّصف بالدهاء والخباثة" أي أن التاجر يجب أن يكون ذا دهاء وخبث، أكثر دهاء حتى من معاوية بن أبي سفيان وأشدّ خبثاً من الحيات والأفاعي السامة!
الكتاب المقدس הושע יב الكنعانيين وهم الذين يمكن اعتبارهم رواد التجارة في العالم القديم (حتى ربما قبل الفينيقيين) أي أجداد أجداد تجار اليوم بأنهم يحملون بأيديهم ميزان الخداع والتضليل (والخبث والدهاء)!
أما الدهاء أو اللباقة أو الحنكة أو الحكمة أو الذكاء في المفاوضات التجارية فكانت بادئ ذي بدء من نصيب عفرون الحثّيّ، معاصر ابراهيم الخليل كما في سفر التكوين!

ويخبرنا سفر التكوين أن سارة زوجة ابراهيم الخيل ماتت عن عمر مئة وسبعة وعشرين عاماً، في "قرية أربع" (الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ)، ولم يكن ابراهيم يملك هناك أرضاً ولا مدفناً، لأنه "غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ"، وطلب قبراً من الحثيين، فعرضوا عليه أن يدفن سارة في أفضل قبورهم، لكنه "وجّههم" (جاهة) على عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ لكي يعطيه "مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِل" يُعْطِيه إِيَّاهَا "مُلْكَ قَبْرٍ".
ولم يردّ عفرون "الجاهة"، فوهب الحقل والمغارة التي فيه لابراهيم وأمام جميع الشعب "هدية ما من وراها جزية" كما يقولون!
ويبدو أن ابراهيم كان يعلم أن "الهدية بليّة"، فقال لعفرون على مسامع الشعب:"أُعْطِيكَ ثَمَنَ الْحَقْلِ. خُذْ مِنِّي فَأَدْفِنَ مَيْتِي هُنَاكَ"!

وعفرون ليس أقل ذكاء ودهاء وحنكة من ابراهيم كما يبدو، فأبلغه – بطريق غير مباشر - بالثمن الذي يريده قائلاً له: "يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. أَرْضٌ بِأَرْبَعِ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ، مَا هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَادْفِنْ مَيْتَكَ"، غير مُبقٍ لابراهيم مجالاً للمناورة والمساومة...واضطر ابراهيم ساعتئذ أن يدفع لعفرون الثمن الذي طلبه،" وَوَزَنَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ الْفِضَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا... أَرْبَعَ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ جَائِزَةٍ عِنْدَ التُّجَّارِ".
وفي الأدب العربي القديم حكاية أو أكثر عن النباهة واللباقة والخبث والدهاء في التجارة، ويحكى أن أحد أبطال الحكايات أو الأساطير (مثل جحا أو أشعب أو غيرهما) ذهب إلى السوق ليبيع جملاً وقطّاً (أو كلباً)، وراح ينادي بأعلى صوته:

بما من يشتري جملاً بدرهم (أو دينار) وقطاً بألف درهم (أو دينار)، فطوّقه المشترون وأحاطوا به من كل جانب، وكل واحد منهم يرغب في راء الجمل، لكن جحا او أشعب اشترط عليهم شراء الجمل واقط معاًن، لأنه لا يبع أحدهما دون الآخر!
ومثل ذلك في أيامنا بغض الحملات التجارية حيث يعدونك بشراء سلعة والحصول على الثانية مجاناً، بينما يقومون بمضاغفة سعر السلعة فتكون وبشكل غير مباشر دفعت ثمناً لكاملاً للسلعتين!

والأسوأ والأنكى عندما تريد أن تشتري سلعة باهظة الثمن، فيستعجلك البائع لأن الوقت ينفذ بسرعة والحملة تشارف على الانتهاء كما يدغعي ويزعم زوراً وبهتاناً وكذباّ وتضليلاً ولا يمكنك من قراءة الاتفاقيات والعقود وتكون في العادة ملأى بالاستغلال والدجل والكذب، ولكن عندما تستطيع قراءة ذلك في وقت لاحق وتوقن أنك وقعت في فخ غادر وتحاول الاعتراض يكون الوقت فد فات ولا يمكنك إلا الإذعان والقبول بما وقعت عليه في عجلة من أمرك ودون قراءته، وهذا ديدن الكثير من الوكالات والباعة المعاصرين وإن لم يكن كلهم.

ويبدو أن هذه "الفلسفة" التجارية ما زالت سارية المفعول حتى في أيامنا هذه، فكثيراً ما تسمع عن حملة تخفيضات لا مثيل لها، أو عن بيع سلعتين اثنتين (أو ربما ثلاث سلع) بثمن سلعة واحدة كما يعرضونها أمام الجمهور، لكن من يمعن النظر ويجيد الحساب وينفذ البصيرة سرعان ما يدرك أن هذه مجرد لباقة أو خدعة تسويقية لبيع أكبر عدد من السلع، إذ يضاعفون ثمن السلعة الواحدة ويوهمون المشتري أنه يحصل على السلعة الثانية مجاناً، أو يزيدون ثمن السلعة الواحد بنسبة الثلث، ثم يوهمون المشتري أنه سيحصل على السلعة الثانية بنصف ثمن الأولى، وكل ما شابه من ألاعيب تسويقية تعتمد كلها على مزايا وخصائص الرياضيات!

وحدث أحدهم قائلاً: كنت في دكان جزار عندما سمعت رنين نواقيس الكنيسة، فقمت بشكل تلقائي برسم علامة الصليب على وجهه وترديد اسم المخلص له المجد، وقام بنفس الأمر ابني الذي كان يرافقني، أما الجزار فلم يقم بذلك. فسأله ابني قائلاً لماذا لم يرسم علامة الصليب؟ فقال له الجزار: إن الصليب والتجارة لا يتفقان يا بني!
فقال الولد: وكيف ذلك؟ ولماذا؟ فردّ الجزار: الصليب يا بني هو رمز يسوع المسيح له المجد والخلاص، ويسوع الحبيب والخلاص لا يتفقان مع التجارة والتجار...
ولماذا لا يتفقان؟ لأن التاجر يضطر أحياناً ألا يقول الحقيقة!

يضطر؟ ولماذا يضطر؟

عندما يأتيك "زبون" مصرّ على شراء كمية كبيرة من اللحم الطازج (ذبح النهار نفسه)، وليس لديك مثل هذه الكمية، فهل ترفض طلبه وتصرفه عنك وتخسر ربحاً وفيراً؟ أم تتجاهل ساعتئذ كل شيء وتؤكّد له أن اللحم المكدس في ثلاجتك منذ أيام خلت طازج ومن ذبح النهار نفسه؟