كنوز نت - الطيبة  - بقلم : سامي مدني


يُقالُ؛ كَفى بِالمَوتِ واعِظاً! 

  • وَإني لأَرَى نُورَ عِلْمِ اللُّغةِ وَالقُرآن مُنْقِذَاً وَيَفِي بِالغَرَضِ!


أَعزَّائي السَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!
إنَّهُ مُصْطَلَحٌ يَميلُ قَلْبُ كُلِّ أنسانٍ مِنَّا أنْ يَقَعَ عَليهِِ، لِيُقالَ عَنْهُ يا مِنْ يَحِبُّهُم اللهُ، "حَكِيمٌ"، وَهَذا مُنْذُ الأجلِ الماضِي إلى اليَومِ هَذا، والسُّوأَلُ يا جَماعَةُ الخَيْرِ، هَلْ الحِكْمَةُ شَيْءٌ مَوْلُودٌ فيهِا مِنَ الوِِراثَةِ أَمْ إِنَّها تَحْصِيلٌ لِتَجارُبٍ وَدِراسَاتٍ أوْ خِبراتٍ فِي الحَياةِ، والأَكيدُ لَنا أنَّها مَواقِفٌ وَخِصالٌ مُمَيَّزَةُ مِنْ قَوْلٍ وعَمِلٍ لحالَةٍ فِي وَضْعٍ مُناسِبَ فِي مَكانِ وَزَمانٍ ما! وهِيَّ قُدْرةٌ بَشريةٌ ذِهْنيةٌ تُقَدِّمُ الحُلُولَ بَعْدَ التَّمَعُنِ والتَّحْليلِ الوَضْعي لاِستِخلاَصِ عِبْرَةً تُلائِمُ المَوقِفَ، وَهِيَ عَطاءٌ وَخَيْرٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَاللهُ جَلَّ وَعَلا يَقُولُ: "يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ".
فَإذا إجْتَمعَ الذَّكاءُ والإِرادَةُ والمَعْرفَةُ عِنْدَ صاحِبِها، وَيكونُ على قُدْرةٍ كبيرةٍ مِنَ الهُدُوءِ النََّفْسي والتفاؤلِ بِالحياةِ، وعلىَ تَمَكُّنٍ من رُؤْيةِ الصُّورةِ الشَّامِلَةِ للأُمُورِ، وبالتَّالي يَمْلُكُ الطَّاقَةَ عَلىَ تَفْسيرِ ما يَدُورُ حَوْلَهُ، يُعَدُّ حَكيمَاً فَيُأْخَذُ بأقْوالهِ وَسَكِينَتِهِ.
وَمٍن بابِ المُتْعَةِ اِسمَحُوا لِي أن أَسْرُدَ اليَوْمَ عَليكُمْ، قِصَّةً قَصيرَةً جميلةً وشيقةً، وَرُبَّما فيِها بَعْضُ الغُرورِ والكَبْرياءِ، تَستَنْبِطُونَ مِنْها الكَثيرَ علىَ كُلِّ حالٍ، فِيها شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ الحَكِيمُ المَرَّةَ صَغِيراً بِالجيلِ.
هَذا مَا اِستَشْعَرتُ بِشَخْصِهِ، وَإلَيكُمْ ……
كَانَ الأمرُ هذا أَيُّها الأخوةُ، زَمَنَ الحَجاجِ بْنُ يُوسُفَ عِنْدَما خَرَجَ لِلصَيْدِ، حَيْثَ إلتَقى بِصَبِيٍّ صَغيرٍ لَهُ ذوائبٌ( كَِلابٌ بَرَّيَةٌ مَصْدَرُها ذِئْبٌ) وَعُمرُهُ نَحْوَ عَشرَ سَنَواتٍ.




قَالَ له: ماذا تَفعَلُ هُنا أَيُّها الغُلامُ؟ فَرفَعَ الصَّبِيُّ طَرفَهُ وَقَالَ لَهُ: يا حامِلُ الأَخْبارَ نَظَرْتَ إلَيَّ بِعَينِ الاِحتِقارِ ِوكَلًّمْتَني بِالإفتخارِ وَكلامُكَ كَلامُ جَبَّار ٍٍوعَقلُكَ عَقلُ بِغالٍ! فَقَالَ لَهُ الحَجَّاجُ: أَمَا عَرفْتَني؟ فأجابَ لَهُ: عَرِفْتُكَ بسوادِ وجْهِكَ لأَنَّك أَتَيتَ بِالكَلامِ قَبْلَ السَّلامِ! فقالَ الحجاجُ: وًَيْحَكَ أنا الحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ! فَردَّ عليه الغُلامُ: لا قَرَّبَ اللهُ دارَكَ ولا مَزارَكَ، مَا أَكْثَرُ كَلامُكَ وأَقَلُّ إِكْرامُكَ! فََمَا أتَمَّ كَلامَهُ وإِلاَّ والجَيوشُ حَلَّقَتْ عَلَيهِ مِنْ كُلَّ جانِبٍ فَأَمَرَهُمْ الحَجاجُ أنْ يَحْمِلُوهُ إلى قَصْرِهِ، فَجلسَ الحجاجُ في مَجْلسِهِ والنَّاسُ مِنْ حَولِهِ جالسُون ومِنْ هَيْبتِهِ مُطْرِقُون (مُطأطئِ الرَأْسِ ) وَهُوَ بَيْنَهُمْ كالأسَدِ ثمَّ طَلَبَ إِحْضارَ الغُلامَ! فلمَّا مَثُْلَ بَينَ يَديهِ رَفعَ الغُلامُ رأْسَهُ وأَدارَهُ، فَرأَى بِناءَ القَصْرِ عالياً ومُزَيَّناً بالنُقُوشِ والفُسَيْفِساءِ وَهُوَ في غايةِ الإبداعِ والإِتْقانِ، فَقَالَ وهُوَ يَقتَبِسُ مَا قَالَهُ النَّبيُّ هُودٌ عَليهِ السَّلامِ لِقومِهِ ومَا جَاءَ مِنْ آياتِ في القُرآن وَهُوَ سَلْطُ اللِّسانِ : "أتَبنُونَ بِكُلِ ريعٍ آيةً تَعْبَثون وتَتَّخذُون مَصَانِعَ لَعلَّكُمْ تَخْلُدُون وإِذا بَطَشْتُم بطشتُمْ جَبارين"، فآسْتَوى الحجاجُ وَكانَ مُتَّكِئاً، وقَالَ: "هل حَفِظْتَ القُرآنَ"؟ فَأَجابَهُ: "وهَلْ القُرءَانُ هاربٌ مِنِّي حَتَّى أَحْفَظَهُ"؟ فَسألهُ الحَجاجُ: "هل جَمعَتَ القُرآن"؟ فَأَجابهُ: "وهل هوَ مُتَفَرقٌ حَتَّى أَجْمَعَهُ"؟ فَقَالَ له الحجاجُ: "أَمَا فَهِمْتَ سُؤالي"؟ فَأَجابهُ الغُلامُ: "يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقُولَ، هل قَرأْتَ القُرءَآنَ وفَهمْتَ ما فِيهِ"! فقالَ له الحجاجُ: "أَخْبرنِي عَمَّنْ خُلِقَ بالهواءِ؟ ومَنْ حُفِظَ بالهواءِ؟ ومَنْ هَلَكَ بِهِ"؟ فقال الغلامُ: "الَّذي خُلِقَ مِنْ الهواءِ سَيِّدنا عيسَ عَلَيهِ السَّلامِ، والَّذِي حُفِظَ بِهِ سَيِّدنا سُليْمان بنْ داوود عَلْيِهما السًّلامُ، والَّذِي هَلَك بالهواءِ فَهُمْ قُوْمَ هُود"، فَقَالَ له الحجاجُ: "أخْبرني عَمَّنْ خُلِقَ مِنَ الخَشبِ؟ والَّذِي حُفِظَ بالخشبِ؟ والذي هَلكَ بالخشبِ"؟ فقال الغلامُ: "الَّذِي خُلِقَ مِنَ الخَشبِِ الحيَّةُ، خُلِقتْ مِنْ عصا مُوسَى، والذي حُفِظَ بالخشبِ نوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ، والَّذي هَلَكَ بِهِ زكريا عَلَيهِ السلامُ"! فَقَالَ لَهُ الحجاجُ : "أخبرني من خُلِقَ من الماءِ؟ ومن نَجا مِنَ المَاءِ؟ ومن هَلَكَ بِهِ"؟ فردَّ عَلَيهِ الغلامُ: "الَّذي خُلِقَ من الماءِ أَبُونا آدم عليه السلامُ، والذي نجا منه مُوسى عليه السلام، أَمَّا الَّذي هَلَكَ بالماءِ فِرعَونُ"، فقال الحجاج: "أخبرني عَمَّنْ خُلِقَ من النَّارِ؟ وَمَنْ حُفِظَ من النَّارِ"؟ فَقَالَ: "الَّذي خُلِقَ إبْليسُ، والذي نَجا مِنْها إبراهيمُ عليه السلامُ"! فسألهُ الحَجاجُ: "أخبرني عن العَقْلِ وَالإِيمانِ والحياءِ والسَّخاءِ والشًّجاعةِ والكرمِ والشَّهْوةِ"؟ فقال الغُلامُ: "إنَّ اللهَ قَسَّمَ العَقْلَ عًَشرةَ أقسامٍ جَعَلَ تِسعةً في الرِّجالِ وَواحداً في النِّساءِ، والإِيمانِ عشرةً ، تسعةً في اليمنِ وَواحداً في بَقيَّةِ العالَمِ، والحَياءُ عَشرةً، تسعةً في النساءِ وواحداً في الرِّجالِ، والسَّخاءُ عَشرةً، تسعة في الرِّجالَ وواحداً في النِّساءِ، والشَّجاعَةُ والكرمُ عَشرةً، تسعةً في العَرَبِ وواحداً في بَقيةِ العالَمِ! والشَّهوةُ، عَشْرَ أقْسامٍ، تِسعَةً في النساءِ وَواحِداً في الرِّجالِ"، فقالَ له الحجاجُ: أخبرني عَنْ أَقْربِ شَيْءٍ إِلَيْك؟ فأَجابه الأَخِرةُ! ثم قَالَ الحجاجُ: سُبْحانَ الله يَأْتي الحِكْمَة لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ! ما رأَيْتُ صَبياً أتاهُ اللهُ العِلْمَ وَالعَقلَ وَالحِكمَةَ مِثْلَ هذا الغُلامُ، ثُمَّ سَألَهُ عَنْ النِّساءِ، فَردَّ عَليهِ! أتسألني عَنْ النِّساءِ؟: "فأَنا صَغِيرٌ لمْ أَطَّلعُ بَعْدُ على أحوالهِنْ ورغائِبِهنْ ومُعاشَرَتِهنَّ، ولَكِنْ سأَذْكُرْ لَكَ المشهور َمِنْ أُمُورِهنَّ، فَبِنتُ العشرَ سِنينٍ مِنَ الحُورِ عين! وبنتُ العشرين نُزْهةٌ لِلناظِريين، وبنتُ الثلاثين جَنَّةُ نَعيمٍ، وَبِنتُ الأَرْبعين شَحْمُ وَلِينٌ، وبنتُ الخمسين بناتٌ وبَنينٌ! وبنتُ السِّتين، مَا فِيها فائِدَةٌ لِلسائِلين، فَقالَ الحجاجُ: "أَحْسَنْتَ وأَجْمَلْت وقَدْ غَمَرْتَنا ببحرِ عِلْمِكَ، فَوجَبَ عَلينا إكرامَكَ، ثم أَمْرٍ لَهُ بألفِ دينارٍ وَكِسْوةً حسنةً وجاريةً وسيفً وفرسً، فقالَ الحجاجُ في نَفْسهِ، إِنْ أَخَذَ الفرسَ نَجا، وإِنْ أَخَذَ غَيْرَها قَتَلْتُهُ فَلَّما قَدَّمَها له قَالَ: "خُذْ مَا تُريدَ يا غُلامُ"! فقالَ الغلامُ: "إِنْ كُنْتَ تُخَيِّرْني فأَنَّني أَخْتارُ الفَرَسَ، أَمَّا إِنْ كُنْتَ إِبْنَ حَلالٍ فََتَعطيني الجَميعَ"! فقالَ لَهُ الحجاجُ: "خُذْهُمْ لا بَارَكَ اللهُ لكَ فِيهِم"! فقالَ الغُلامُ: "قَبِلْتُهُمْ وَلا أخلفَ اللهُ عَليكَ غَيْرَهُمْ ولا جَمَعَني بِكَ مَرَةً أُخْرى"! ثُمَّ خَرَجَ الغُلام من بَينَ يَدَي الحجاجِ سَالِماً غانِماً بِفَضلِ ذكائِهِ وفِهْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ وحُسْنِ إِطِّلاعِهِ.


إخوتي الأَعِزاءُ لا غريبُ إنَّ الحالَةَ هَذِهِ خاصَّةٌ فِيها الغُلامُ حَكِيماًً بِما أَعْطاهُ اللهُ بِفَضلِ عِلْمِهِ في أُمُورٍ الدِّينِ وَالقرآن، وَعامَّةً فَقَدْ تَمَيَّزَ العَرَبُ بِحِكْمَتِهِم وَدِرايَتِهِم بَعْدَ أنْ تَعَمَّقُوا بِاللُّغَةِ وَبِكِتابِ اللهِ حَالَما جَاءَ الإِسْلامُ!
فَرِسالَتِي لَكُمْ وَفَّقَكُمْ اللهُ! الرُّجوعَ إلى كِتابِهِ! لأنَّ الحكْمَةَ لا تَكْمُلُ إلاَّ بِهِ حَتَّى ولَوْ ظَنَنْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ! وَعَليْكُمْ تَعَلُّمَهُ أنْتُم وأَبْنَاؤُكْمْ لتَنْجْوا بأنْفُسِكُمْ من الصُعُوباتِ والعَراقِيلِ والمِحَنِ في الحَياةِ!
رَعاكُمْ اللهُ والسَّلامُ عَلَيْكُمْ!