كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


زيتونيات
د. منعم حدّاد

ما كتب وما قيل عن شجرة الزيتون خلال القرون يملأ المجلدات الضخمة دون شكّ والأغاني التي تشيد بها وتتغنى بها ليست قليلة، وقد كان الناس يقيسون ثراءهم بعدد "عروق"(أشجار) الزيتون التي يملكونها...
وفي النصف الثاني من القرن الماضي ازدادت حركة غرس الزيتون لأكثر من سبب، من ذلك محاولة الحيلولة دون مصادرة الأرض، ومنها الحصول على زيت زيتون نقي صاف للاستهلاك المحلي وما إلى ذلك، واقبل الناس على الغرس وكانت ثورة زراعية لم يسبقها مثيل لها...وكم غنوا للزيتون وكم تغنوا به وأبدع الشعراء شعراً في الزيتون وللزيتون.

وكبرت الأغراس وأينعت وازهرت وأثمرت، لكن الغارسين كبروا هم أيضاً، وشاخ الكثيرون منهم وهرموا وأصبحوا يعتمدون على العكاز في سيرهم، وأصبحوا عاجزين عن جمع ثمار زيتونهم، رغم "الفراطات الكهربائية" فالعمر له حقه، وليت الشباب يعود يوماً....وعجزوا عن جمع غلال زيتونهم.
في الماضي كانت تتساقط حبات الزيتون فيقومون بجمعها مرة واثنتين وثلاث (جوال) وكانوا يعصرون هذا الزيتون لصناعة الصابون بشكل رئيسي وللاستهلاك أيضأ إذا دعت الحاجة لذلك.
ويفرطون بالعصي الطويلة بعد أن يقسموا البلاد إلى مقاسم أو جهات او "هدّات" ولا ينتقلون من قسم لآخر قبل إنهاء القسم الأول، وكان الجيران يهبون لمساعدة الجار الكسلان والبطيء فيساعدونه على فرط زيتوناته وفقط بعد ذلك ينتقلون للقسم الثاني، وهنا كان يتجلى التكافل والتضامن الاجتماعيان في أجلى وأوضح المعاني الأصيلة.

ومع شيخوخة الغارسين بدأت تتفاقم مشاكل القطف، فإستئجار اليد العاملة يكلف المبالغ الطائلة، هذا إذا وجدت أصلاً مثل هذه الايادي.
وبدأ أصحاب كروم الزيتون يبحثون عمن يقطف لهم الثمار مقابل نصف الثمر...ووفق كثيرون إلى أناس شرفاء يتعاملون معهم بمنتهى الأخلاق والثقة والأمانة، لكن المجتمع لا يخلو من النصابين والكذابين والدجالين، وتقول إحدى النكت – وقد تكون صحيحة – اتفق صاحب كروم وآخر على قطف زيتونه مقابل نصف الناتج، فقم القاطف بقطف نصف الشجر وقال لصاحب الأرض: ها قد أخذت حصتي فاذهب واقطف أنت ما تبقى وهو كامل حصتك...


وسمعنا العجب العجاب عن أساليب السرقة والاحتيال / حيث كان أحد القاطفين يترك أكياس الزيتون في المساء في الكرم، ويأتي في ساعة متأخرة من الليل وعلى مصابيح السيارة يحملها ويذهب بها بعيداً...
وكان نصاب آخر يكذب في كمية الزيت التي خرجت من العصرـ فيخفى جزءاً كبيراً- قد يصل إلى النصف من الناتج الإجمالي، وصاحب الأرض المسكين لا يشك في امانته واستقامته...
ومن أطرف ما سمعته عن فراط زيتون قال لصاحب الأرض: ثمار هذه القطعة تصلح للكبس، فاذهب واقطفها بنفسك لكي تكبسها، وشكّ صاحب الأرض في الموضوع، فقال للرجل: لدينا زيتون مكبوس من العام الماضي، ولا ننوي أن نكبس زيتوناً هذا العام.
 الشجر "ليس حاملاً لأفرش الفل تحته وما بتوفي معي" قال الرجل؟؟؟

فقال صاحب الأرض: ما رأيك في أن تأخذ القطع الحاملة فقط وتترك ما ليس حاملاً كثيراً؟ وما رأيك في أن تقطف الشجر الحامل فقط وتترك الآخر لي...هيا انصرف وانقلع من هنا، واعذرني فقد فكرتك أدمياً ياديء الأمر...



وبعض هؤلاء اللصوص يستبق الأحداث مؤمنا نفسه من الشكّ في أمانته لأنه لصّ: فيدعي زوراًوبهتاناً سلفاً أنه وجد أن تلك القسمة قد سطا عليها أحدهم وقطف ما عليها من ثمار،،،واللصوص الأخبض والأكثر لؤماً وقذارة هم أولئك الذين يقسمون لك أغلظ الإيما أن القطعية (نسبة الزيت من وزن الزيتون) متردية وأن ما كان يعطي أربعين تنكة مثلاً(أكثر من سبع مئةكغم من الزيت) لا يعطي هذا العام أكثر من عشر تنكات (أي أقل من نمائتي كغم فقط) وذلك استباقاُ لعصر زيتونك وسرقة أكبر كمية منه!
ويحمل هذا الوضع المزري وسلوك لصوص الزيتون أن يبقى الثمر على الشجر فخير من أن يسرقوه عينك عينك...