كنوز نت - د. منعم حداد


أكان حلماً...؟


  • د. منعم حداد

وأحسّ وكأن سنة من النوم حلّت عليه، وكأنه غارق في لجج من الأحلام، فرأى نفسها واقفاً أمام ما حسبه قطعة من السماء، هبطت من عل لتسدّ عليه المسالك والمنافذ، وسرعان ما لاحظ اختفاء ما حسب، وانفتاح باب سرمدي على مصراعيه لكي يلجه برفق ودعة.
ودخل إلى حيث يفترض أن يدخل، فإذا به أمام لألاء وهّاج ناصع البياض، يكاد يعشى العيون والأبصار، ويفقد الوعي والإدراك.
نظر يمنة ويسرى، واتخذ له مقعداً يريح جسده الواهي عليه، غرق في تأمل عميق، ينتظر ولا يدري ماذا ينتظر...
وفجأة لاحظ شبحاً يلج المكان، تبيّن تفاصيل قامته بشيء من الصعوبة، لأن الشبح كالزجاج شفافية أو كالبلور، يخترقه النظر أو يرتدّ عنه فلا يتبين الناظر منه إلا القليل، وفي حالات نادرة ليس إلا.

تحرّك الشبح هنا وهناك، وعينا الرجل تتبعان خطواته وكأنه انتدب لمراقبته، ثم أوى إلى ركن قصّي واتخذ له فيه مجلساً.
ومرت الدقائق متثاقلة، وبعد لأي انتصب الشبح واقفاً، وبدا وكأنه يخلع عنه إزاراً...
وسرعان ما ألقى نظرة ذات مغزى على الرجل...
فشعر هذا وكأن نيزكاً ارتطم به، أو برقاً صعقه، فقضى على كينونته أو كاد، وأحس بفقدان وزنه، وكأنه يسبح في الفضاء الخارجي، بعد أن غادر السفينة التي أقلّته في رحلة إلى مجرّة أبدية خلف النجوم...
وتساءل الرجل عن هذا الشبح، فمن وما عساه يكون؟
وهل هو إنسان، مجرّد إنسان من لحم ودم؟
أم أنه يرى ما يرى لخلل في بصره ووهن في بصيرته؟
أم هو مخلوق آت من مجاهل الكون أو إحدى المجرّات البعيدة؟
أم هو ملاك أرسله الله عزّ وجل ليواسيه ويفرج عنه كربته؟
واحتار الرجل في القرار الذي يتخذه بشأن ما ومن يرى!
وازدادت حيرته لانعدام من قد يقف إلى جانبه في محنته هذه!
ونظر إلى الشبح نظرة مستعطف مسترحم...
فقام الشبح منتصباً على رجليه ودنا منه بخطوات قصيرة وسريعة...
وألقى صوبه بنظرة لا يلقيها إلا ملاك سماوي...
وقبل أن يعي الرجل ما يدور حوله دنا الشبح منه...
ولم يبق أمام الرجل إلا أن يدنو هو الآخر...

وما أن اقترب منه حتى رأى وميضاً وهّاجاً أعشى بصره وسمع ما يصمّ الآذان...
نظر الرجل حوله بعد أن تلاشى كل ما حوله باحثاً عن الشبح...
فلم ير غير ما يشبه سحابة بيضاء مشرقة لامعة لألاءة كالشمس في عزّ ظهيرة نهار قائظ.
وبحث عن الشبح في كل ركن ولم يقف له على أثر.
فاحتار أكثر من ذي قبل.
ولم يكن أمامه غير الاستسلام...
فخرج كالمجنون يصيح في كل من يلقاه في طريقه سائلاً عن الشبح... والناس يصرفونه عنهم ويصفونه بالجنون وينعتونه بفقدان الاتزان والتعقل.
ووصل إلى حيث جلس كهل مسنّ طويل اللحية أبيضها، فهم من نظراته أن الشبح هو لا محالة ملاك أرسله الله تعالى ليفرج كربته ويزيل عنه همومه!
واستغرب الرجل...فالشبح لم ينطق ولو بحرف.
فهل الملائكة لا تتكلم قطّ وتكتفي بإغراق البشر بالغبطة والسعادة وتعمل دون أن تتكلم؟
أم ماذا؟

وثاب الرجل إلى رشده وصوابه بعد أن فقدهما أو كاد.
ورنّ جرس الهاتف فجأة، واستيقظ الرجل من نومه!
وتساءل الرجل: أكان هذا حلماً؟ أم واقعاً؟ أم وهماً؟ أم خيالاً؟ أم سراباً؟
وها قابلت ملاكاً...؟

أو ربما شيطاناً...؟