كنوز نت - بقلم هناء عبيد


طبيبة عراقية

  • بقلم هناء عبيد

من الخطأ الحكم على أي أمر علمي من خلال الحدس أو الرأي الشخصي، لكن للأسف هذا ما حصل مع اللقاح الذي أعد على عجلة للقضاء على فيروس كورونا اللعين الذي أبى إلا أن يزورنا في عدة أشكال مختلفة.
حينما أعلنوا عن نزول هذا اللقاح لم أعتقد أنني سأتلقى هذا اللقاح، ليس لأن حدسي حاول إقناعي أن لا فائدة منه أو أنه مجرد لقاح تجريبي أو لأن البعض اعتبره مؤامرة، بل لأمر آخر تمامًا، فأنا أجبن كثيرًا أمام اللقاحات ومنظر الإبرة، دومًا كانت تعني لي رعبًا، أي منذ أيام الطفولة وأنا أخشاها، ربما يعود ذلك إلى جهل البعض الذي كان يستخدم الإبرة كتحذير للأطفال حينما كانوا يخطئون، فقد كان البعض يهددهم بتلقّي إبرة كعقاب لهم على ارتكاب الخطأ.
لهذا كانت تمثل لي رعبًا ويبدو أنها ما زالت رغم أنها تطورت كثيرًا عن السابق، فقد أصبحت قصيرة، ورفيعة جدًا، بل وأصبحت غير مؤلمة، فهي كشكة الدبوس كما نقول.
  • لكن يبدو أننا لا نتخلى عن بعض معتقداتنا الطفولية.
توجهت اليوم إلى العيادة بعد عمل موعد لتلقي الجرعة الأولى من لقاح كورونا، ليس بإرادتي، بل بإرادة العلم، وإرادة المنطق وإصرار أحبتي الذين ألحوا علي أن أتلقى اللقاح.

عند وصولي إلى العيادة قمت بتسجيل اسمي على لائحة القادمين، وما هي إلا خمس دقائق حتى ظهرت طبيبة شابة حسناء، ذات شعر أسود فاحم وعينين سوداوين واسعتين، تقدمت مني للحديث معي، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي بها في العيادة،جلست بجانبي، وبدأت بالاعتذار، إذ أن الطبيبة التي كان من المفترض أن تأخذ مسؤولية اللقاح لم تأت لظروف طارئة، ولهذا لم يكن اللقاح قد أخرج من الثلاجة ليكون جاهزًا" للاستخدام.

تحدثت لي بالإنجليزية المهجنة باللهجة العربية، التقينا عند تلك اللهجة، فأنا حديثي بالإنجليزية مزركش باللهجة الفلسطينية أيضًا، بادرتني بالسؤال بالإنجليزية: من أين أنت؟
فأجبتها بالعربية: من فلسطين، ثم قلت، أنت عراقية أليس كذلك؟!
ابتسمت وقالت: أتشرف بمعرفتك فأنتم أهل فلسطين أهلنا وأحبتنا، عسى أن تعودوا إلى بلادكم، وتصلّون ونحن بمعيتكم في المسجد الأقصى قريبًا إن شاء الله، ولكني أتساءل: كيف عرفت أني عراقية؟
أجبت: لأن العراق حاضرة دومًا في قلبي، وأستطيع تمييز لهجتها المحببة إلى أذني.
قالت: لكني لم أتحدث بالعربية!
قلت: يا عزيزتي، نحن نسمع أشعار المتنبي في لهجتكم حتى لو تحدثتم بلغة أهل الفضاء، ونطرب لعذب أصواتكم من مجرد سماع حرف واحد منكم.
ضحكنا عاليًا. ثم قالت :وأنتم أيضًا مكانكم محفوظ في القلب.
قدمت اعتذارها مرة ثانية عن عدم جاهزية اللقاح، وتمنت لي كل السعادة، وغادرتني.

بقيت بسمتها الجاذبة ووجهها الحاد الملامح في ذاكرتي طوال اليوم، تمنيت لو أن الحديث طال بيننا، لكن وقتي ووقتها لم يسمحا بذلك، كنت أود أن أسألها عن كل شبر في العراق، هذا الوطن الجميل الذي احتضن كل عربي بكل حب وود ودفء، بلد النخيل الشامخ بأهله، العريق بحضارته، الأصيل بشهامته.
عدت إلى المنزل وقد حصدت كل أنواع الحلوى التي يحلم بها أي طفل، حلوى عدم تلقي اللقاح.


 الجميلة العراقية اعتذرت، وأنا سعدت ولو ليوم واحد بتأجيل هذا الرعب الوهمي الذي أعادني إلى أيام الطفولة، وبالتحديد حينما حاولت الاختباء في أحد الأيام في إحدى أزقة المدرسة للتهرب من أخذ أحد اللقاحات، محاولتي باءت بالفشل، حيث وشت بي إحدى الطالبات المعروفة بالوشاية حينها، وأعلمت المديرة بمكاني، فأخذت قطعة الشوكولاتة (اللقاح) كما أطلقت عليه معلمتي؛ فكانت شوكولاتة بطعم العلقم.

يبدو أنه لا مهرب من اللقاح سواء إن اختبأت في أزقة المدرسة، أو إن لم يكن معدًا بعد، وصدقت عبارة "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين".
عدت في اليوم التالي إلى العيادة، كانت في استقبالي الطبيبة الحسناء العراقية بابتسامتها التي أعادت إلى روحي السلام، اعتذرت لي ثانية عن التأخير. ثم أعطتني الجرعة الأولى من اللقاح، فكانت قطعة من الشوكولاتة الفاخرة الحقيقية، هكذا شعرتها، كأنني شعرت بوخزة في قلبي أحيت مشاعري فعدت لأحاديث أبي رحمه الله عن العراق، وكأن بروحي تريد استعادة تلك الذكريات الجميلة منها، سألتها عن بغداد وجمالها ونخيلها وأهلها وشوارعها، فقد كانت ذاكرة والدي معبأة بعبق تراثها، وأصالة أهلها وشموخ نخيلها، أردتها أن تعيدني إلى ذلك الحلم الذي راودني في شبابي، حلمي الكبير في زيارة العراق، لكنها تحدثت بأسى، كأن صوتها أخذني إلى الصوت الشجي الذي أستمع إليه كل يوم، المواليل العراقية التي تثير شجوني، أي عشق هذا الذي اجتاح قلبي؟! حتى أنينك يا عراق له سحره الخاص.

قلت لها: لا أريد أخبار الحزن يا عزيزتي فكل مدننا تئن بالوجع، حدثيني عن جامعاتٍ احتضنت أكبر الأطباء، حدثيني عن أصالة ضمت بين ذراعيها أعظم الشعراء، حدثيني عن تراث جمع كل الحضارات، أبي كان هناك، في يوم ما كان هناك، وحدثني عن كل ما تتوق أن تسمعه الأذن، وتصبو له العين، ويتشوق له القلب، حدثيني عن تلك النخلات الشامخات التي تنحني برحابة فقط لكل زائر يعانقها، حدثيني عنكم، عن شهامتكم وأصالتكم، حدثيني عن خيراتكم، حدثيني عن جمال الصبايا وهن يتنسمن هواء الصباح في طريقهن إلى مدارسهن، حدثيني عن الأمهات الماجدات اللاتي ربين السواعد الفتية، حدثيني عن الشهامة التي أبت إلا أن تقف لنصرة الحق.
يا لتلك الآه التي أطلقتها، لقد أخرجتني من ذلك الحلم الذي زرعه في وجدي والدي رحمه الله.


قالت بحزن: كم أحن إلى العراق، وكم أتوق لزيارته، فهناك القلب المعلق بالأرض، هناك الجذور، لكن الظروف لم تعد تسمح بذلك، قاطعتها، "كأنني لا أريد أن يغتال الحزن ذاكرتيً، هي تحدثني عن الحرب وأنا أسألها عن جمال العراق وشوارعه وحضارته وشعره وأدبه وأدبائه وعراقته وتراثه.
 قلت لها: العراق يا عزيزتي محفوظ في رعاية الرحمن، قد يصيبه الإعياء حينًا كباقي المدن، لكنه سيعود فتيًا كما كان بل وأقوى. ابتسمت بهدوء وقالت: الله كريم
ودعت الطبيبة الحسناء، بعد أن أعطتني موعدًا بالعودة لأخذ قطعة أخرى من الشوكولاتة بعد أربعة أسابيع.
 وأصبحنا فيما بعد صديقتين لا نفترق.