كنوز نت - بقلم: شاكر فريد حسن


                      

"خريف" الدكتورة تغريد يحيى- يونس

  • بقلم: شاكر فريد حسن
عرفنا الأخت والصديقة الدكتورة تغريد يحيى- يونس، أكاديميّة ومحاضرة في علم الاجتماع ودراسات الجندر، وكاتبة لها مقالات في النسوية، وكتابات في الأدب والسياسة والنقد المجتمعي والثقافي، ونشرت البعض منها باللغة العربية في عدد من المواقع الالكترونية وبعض الصحف الورقية والمجلات المحلية كمجلة "الإصلاح"، لكن في السنوات الأخيرة عرفناها تكتب القصيدة ولها تجارب شعرية. ليس غريبًا على تغريد التي تعشق لغة الضاد، وتتمتع بقدر كبير من الوعي والذوق الأدبي والثقافة والمعرفة، وتملك الحس الإنساني والأدوات الفنية والجمالية.

لقد اتحفتنا د. تغريد يحيى يونس في الآونة الأخيرة على صفحتها الفيسبوكية بمجموعة من النصوص الإبداعية التي تتراوح بين الشعر والنثر، وتبدو فيها عفوية مرهفة الحس والوجدان. تدعو نصوصها الشعرية إلى وقفة متمعنّة، لكني سأقتصر هنا الوقوف على أجملها واعذبها ما كتبته عن فصل الخريف، الذي وصفته وصفًا بديعًا، وأسبغت عليه جمالًا رغم سقوط الأوراق وتناثرها، وبقدرة فائقة في السبك والصياغة وبراعة في التعبير والتوصيف، فتقول:


نسمات طريّة تنبعث في الأجواء
تطوّقُني في شرفات بعض الأمسيات
على مصيفٍ يُشرف على بديع اللّوحات
وسطَ سكينة لحارة وادعة
أو هكذا يُخال
في أطراف ريف منزوع السّمات
تتسلّل الطّراوة إلى الصّباحات
يعلن حلولُ أيلول تناثر الأوراق
وقد لا تكون علاقة سببيّة بين هذا وذاك
فالتناثر ابتدأ في لهيب آب
بضع أيام سابقات
ويأبى الشّعور إلّا أن يربط
بين الموعد من السّنة وما يحلّ بالأوراق
وحده حلول أيلول
يُجري هذا الرّبط عبر الأزمان بثبات
في أذهان الكائنات
*****
تتناثر أوراق أشجار في حديقتنا
تودّع غصونها
تهوي
تعود إلى حضن الثّرى
تستقبلها الأم الكبرى بلهفة
تسمع حفيفَها الآذان
بين لوعة وداع الشجرة
وحنين لقاء أديم مشتاق
يعتصرها الألم إذا ما مررت بالجوار
أستذكر القصائد المجدِّدات الخالدات
*****
تتعرّى الأشجار في دورة الحياة
تدخل في غفوة لبضع أشهر قادمة
تشحذ طاقاتها، تستجمع قواها
وتعود إلى الحياة باسقات
إن التخلّص من المعيقات
سُنّة في التّجدّد وثبات
كذا تُعَلِّمُنا الطّبيعة
لكن، تكبّلُنا ثقافة الإنس وقوانينه البائسات
تبًّا، كم هي ظالمة
في وجه نواميس الطبيعة الراسخات

إنه نص رومانسي بمنتهى الجمال والروعة، ناصع البياض، لفظًا ومعنى ومضمونًا، يعيد إلى أذهاننا قصيدة "أوراق الخريف" للأديب اللبناني ناسك الشخروب ميخائيل نعيمة. وكم نحن بحاجة للشعر الذي يمتعنا ويفرحنا ويجعلنا نتمسك بالأمل ونتشبث بالحياة رغم مآسيها وآلامها وهمومها واوجاعها، وفي هذا النص الذي تحافظ فيه تغريد على الموسيقى الداخلية والقافية، تبث فينا الحياة رغم ما يعرف عن الخريف أنه فصل أفول أوراق العمر.


لقد كتبت د. تغريد ووصفت الخريف، فأجادت الوصف والتعبير. وما يميز كتابتها الإبداعية السلاسة والنداوة والتصوير الشاعري الجذاب، واللغة الحسية والحية، وقوة الأسلوب، وبراعة المعاني، فهي تحسن اختيار الكلمات المعبرة، والمفردات الجميلة والقوافي الخلّابة. فلها التحية والتقدير، وننتظر منها المزيد وما هو جميل من نصوص شعرية ونثرية تخلب الوجدان، وهي آتية بلا شك.