كنوز نت - د. منعم حدّاد


خبط عشواء؟؟؟

  • د. منعم حدّاد
ما أكثر ما قالوا في الموت، وقد يكون اضعاف اضعاف ما قيل في الحياة، فمنذ أن جاء في الكتاب المقدس أن الإنسان من تراب خلق وإلى تراب يعود، إذ أن الله سبحانه وتعالى أخذ تراباً وجبله وخلق آدم منه، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم قيل الكثير الكثير في خلق الإنسان وموته، وأقل ما فيه أن الموت حقّ، وأنه قضاء وقدر، وقسمة ونصيب، ولا أحد يعرف ساعة وفاته، ومثل ذلك الكثير.
ووجدت الديانات المختلفة الحل في التسليم لله سبحانه وتعالى، فمشيئته هي التي تكون، لا مشيئتنا نحن، ولا أحد يعرف ما ينتظره ولا وقت وفاته ومماته...وهكذا أراحت الناس من عناء الفكر والبحث عن السبب في الموت والدوافع التي تقف وراءه...
لكن الناس كانوا وما زالوا حتى اليوم يبحثون عن أجوبة شافية لظاهرة الموت دون أن يفلحوا في ذلك...
وهذا مثلاً زهير بن ابي سلمى المزني قال ما ذهب مثلاً وأصبح قاعدة للموت وشرحاً وتفسيراً له، حيث يقول:



رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطيء يعمّر فيهرم
فهو لا ينكر ولا يناقض ما قيل قبله، لكنه يرى أن الموت كحاطب ليل، فهو يضرب ضرب عشواء، والعشواء في اللغة هي التي تسير على غير هدى أو العمياء...
فالموت يضرب دون بصر أو بصيرة وعلى غير هدى، وهذا أسوأ ما في الأمر وأسوأ ما في الموت والحياة، فهكذا يتقرر من يموت ومن لا يموت ويستمر في الحياة؟؟؟
إذا فأين الوصايا والحسنات والبرّ والتقوى والسيئات والخطايا والآثام؟
ولماذا تجنب الخطايا والافعال الشريرة ولماذا التقوى والصلاح ما دام الجميع متساوين أمام المنايا العشواء وتخبطها الأعمى؟
وهل يا ترى يخاف الموت من الأشرار ويهابهم ويتجنبهم و"يتمرجل" فقط على الأوادم الأتقياء الورعين الودعاء الذين لا يؤذون أحداً ولا يرتكبون معصية ولا خطيئة؟؟؟
والله سبحانه وتعالى هو العادل، والعادل من أسمائه، فهل من العدل أن يقصّر أعمار الذين لا يؤذون ولو حتى نملة ولم يرتكبوا ولو خطيئة واحدة في حياتهم، ويطيل أعمار الأشرار والجناة والفاسقين والمهربين ومروجي المخدرات وسفاكي الدماء؟
أهذا هو العدل الإلهي؟
حاشا لله أن يقبل بمثل هذا الظلم والحيف!!!
ولكن لماذا يحدث مثل هذا الأمر ويعزو الناس ذلك إليه جلّ جلاله؟؟؟
ونحن نؤمن به جلّ جلاله إيمانا مطلقاً وراسخاً، لكن أليس من المناسب السؤال لماذا خلق الله المنايا وسمح لها بمثل هذا الخبط العشوائي؟ أليس هو الخالق وفوق كل شيء؟ فلماذا يسمح لها بذلك؟ وما قيمة الصلاح والطلاح والخطايا والرذائل إذا كان كل شيء يتم في تخبط وجهل مطبق؟؟؟
ثم هل أن زهير ابن ابي سلمى المزني الشاعر هو الذي يقرر ماهية الموت وأسبابه وكيفيته أكثر من واضعي الديانات وأساطينها ممن يقولون ولا أحد يشك في كلامهم إنه القضاء والقضاء أو
أن العمر محدود وأن الموت لا يبكر لحظة ولا يتأخر دقيقة؟
فمن الذي يقرر كل ذلك؟ أهو الله سبحانه تعالى أم سواه؟
لكن ألم ينشروا ويقنعوا العالم بأسره أن الله جل جلاله فوق الكل وأعلى وأسمى من الجميع وأن قوله هو وحده القول الحق وأن قراره هو الفيصل والذي يعلو ولا يعلى عليه؟


وتبقى الأسئلة الكثيرة الحائرة دون جواب شاف ودون ردّ مقنع، أللهم إلا إذا استذكرنا سفر أيوب والذي يحكي حكاية الصديق الذي يعاني ويكابد الأمرّين بينما الشرير الذي يستمتع بحياته وبكل شيء ولا ينقصه شيء ولا يشكو من شيء؟ فإن كان الأمر كذلك فلم الصلاة والصوم والصلاح – وليسامحنا الله على هذا الكلام لكنه سؤال وجيه يطرح نفسه!
أما أن ندفن رؤوسنا كالنعام في صحراء الجهل ونرضى بتفاسير ركيكة يطلقها بعض صغار رجال الدين فليس في هذا شيء من العدل والمنطق! خاصة "فلسفة" بعض صغار الكهنة الذين يرهقون سامعيهم بمواعظ ليست بذات شأن ولا تساهم إلا في إبعاد الناس عنهم!
بل هو أسخف السخف ومجرد منطق هزيل واه!!!