كنوز نت - كتب : سهيل كيوان


  • "البحث عن مدينة تائهة" الدكتورة كلارا سروجي-شجراوي في روايتها الجديدة: رواية تتحدى القارئ، ثورة أم فوضى!


  • كتب : سهيل كيوان

"البحث عن مدينة تائهة للدكتورة" لكلارا سروجي-شجراوي، رواية ليست لقارئ متعجِّل.. إنها مزيجٌ من الرُّؤى والكوابيس والخيال والواقعيّة والسُّرياليّة. هي رواية اجتماعية، إنسانية، فيها سياسة وتاريخٌ مستتر من وراء الشخصيات التي تتحرّك في مساحات زمنية متشابكة، فيها أساطير، وميثولوجيات، وألغاز وشطحات إبداعية.

عندما تكون كاتبة الرواية مثقَّفة وباحثة في الأدب العربي الحديث والفلسفة الإسلامية، وتحاضر وتدرّس التفكير النقدي في قسم الفلسفة في جامعة حيفا، فهذا يعني أن روايتها تحمل من هذا الفكر ومن هذه الثقافة العريضة والعميقة والمتنوِّعة، وبأنها تقصد كل كلمة تكتبها. إلى جانب دراساتها، فهي تكتب القصة القصيرة والقصيرة جدًا، فصدرت لها مجموعتان قصصيّتان عن مكتبة كل شيء في حيفا: "طواف - خربشات قصصية بحجم راحة اليد" (2018) و"ميلانخوليا الوجود – رجفات ولوحات قصصيّة قصيرة" (2019)، كما صدر لها دراسة بعنوان "نظرية الإستقبال في الرِّواية العربية الحديثة، دراسة تطبيقية في ثلاثيتيّ نجيب محفوظ وأحلام مستغانمي" (2011).


تخوض كلارا تجربتها الثانية في كتابة الرواية، بعد روايتها الأولى "حكايات اللِّيدي ندى" (2019) التي لاقت ترحيبًا وحضورًا لافتًا، فقد صدر لها مؤخَّرًا رواية "البحث عن مدينة تائهة"، عن مكتبة كل شيء في حيفا. تهدي روايتها "إلى جميع الذين ظُلموا وانتُهك وجودُهم، ولا يزالون تحت نير قوى الظلام في المشرق، إلى الحضارات الإنسانية الأصيلة، على أمل أن تصير ذات حضور بهيّ في الكون". كتب المقدّمة الأستاذ. د. ياسين كتّاني من كلية القاسمي، وقد أضاء بعض زوايا النّص، ومنح القارئ بعض كلمات السِّر، إذ يقول: "يستشعر القارئ منذ البداية أن كلارا تريد تقويض الثابت، اليقينيّ والمعروف بهدف خلق حالة من العبث واللامعقول"، إلى هنا الإقتباس.

خلال قراءتنا لأيّ عمل أدبي روائيّ نحاول ربط خيوطه بعضها ببعض، مهما بدا عبثيّا أو غريبًا أو معقّدًا، كذلك، فنحن نربطه بما له علاقة مع الواقع، مهما تسامى في الخيال وابتعد عن المحسوس، فهناك عناصر أساسيّة جُبل عليها الإنسان، مثل البحث عن الخير والجمال والمتعة في الأعمال الفنية، أي أنه يبحث عن مبرّر وجودِها وخلقِها، وعلى رأسها المتعة الجمالية، وعادة ما يسعى إلى ربط ما يقرأ مع واقعه، أو مع واقع الكاتب والمنطقة الجغرافية والظرف التاريخي والحالة السياسية التي عاشها أو يعيش فيها الكاتب عندما كتب روايته.


 تنجح الكاتبة في إثارة فضول القارئ منذ المشهد الأول، إذا صحّ أن نسمّيه مشهدًا، فهي تبدأ ب"رؤيا" وكأنَّه مشهد سينمائي؛ مطرٌ غزير في يوم صيفيّ من تموز، في مدينة اختارت أن تسميها (ن)، قد تكون الناصرة، أو نينوى، وبعد أن تمطر وتغدو السَّماء صافية، يظهر طائر خرافيّ بحجم طائرة، عيناه مخيفتان لكبر حجمِهما، يخبر الناس بأنهم فشلوا في امتحان العدالة، ثم يختفي. هذه البداية تضع القارئ أمام مهمّة البحث عن العدالة المفقودة التي قصدتها الكاتبة، على لسان هذا الطائر الخرافي.

 نعرف أن الرّاوِية هي "نجمة"، تحكي قصّة (مجد) التي تقمّصتها، ومجد هذه "لم تكن تعرف من الحياة سوى سيرة جدّتها"، التي حملت جدَّها على أكتافها لتنقذه من الموت، بعد أن أصيب برصاصة.

 هل كانت هذه الرصاصة حقيقية؟ وإلى ماذا ترمز؟ فجدُّها عندما سأل أين أنا؟ قالت له بأن البيوت والبلاد متشابهة، وبهذا قصدت الكاتبة أن الرواية ليست قضية محلية بل إنسانية عامة.


تقول "نجمة" (وهي الأخرى لها علاقة مُمَيّزة مع جدّتها): "أطلق عليَّ والداي اسم "وطن". لم أحبّ هذا الاسم أبدًا، فهو مثل الطنين في الأذن، يوجعك ولا يكفّ عن لكزك بأنّك مقصِّر تجاهه، وتحتار ماذا تفعل كي تحمِيَهُ، لذا غيّرتُ اسمي لأصبح (نجمة). وجدتي هي عناتا.. أنا نجمة عناتا. هكذا تمثُل أمامنا شخصيّة داخل شخصية مثل الماتر يوشكا الرُّوسية؛ "نجمة" هي تنطق باسم مجد، التي تقمّصتها ومجد متقمّصة للفتاة التي سماها والداها وطن. مجد تخبرها بأنها تعيش في مكان لا فساد فيه. بعد ذلك نكشف سر هذه الشخصية متعددة الوجوه عندما نعلم أنها موجودة في مستشفى للأمراض النفسية، فهي تعيش حالة من التشظي، ليخلتط الواقع بخيالاتها، إنها أيضا مجد (التي تعيش في كوكب نينوى) وهي وطن وهي نجمة. إذن، نجمة ووطن ومجد شخصية واحدة.. بمرايا متعدّدة الزوايا والجوانب. نجمة إنسانة مثقّفة تعمل في الصحافة، لكن، يُدخلونها إلى مشفى للأمراض النفسيّة، بينما هي تحاول على امتداد الرّواية إثبات بأنّها عاقلة ولا تعاني من أيّ مرض نفسيّ.

شخصية أخرى في الرّواية، اسمه (جي)، يرى "مجد" بأنّها أجمل ما في الكون، ولكنه عندما يصفها لا يصف امرأة، بل يقول "بأنها أولى الحضارات"، لنفهم أن مجد التي هي وطن وهي نجمة عناتا، ليست امرأة حقيقية، بل هي رمز للوطن. الشخص الذي تسميه (جي) يمثّل روحًا مثاليّة، فهو يتحدّث عن مكان فيه العدل المطلق، لا ظلم فيه ولا اغتصاب ولا جريمة، ترقص له مجد.


 تنقلنا الرواية إلى مشهد تبدو فيه مجد راكضة في كل الإتجاهات، تخشى النظر إلى الوراء، كلّ الشوارع متشابهة، أين البحر الذي حلمت به؟ شعرت باختناق، عاودت الجري، فوجدت نفسها داخل صهريج مياه معتم تكاد تغرق، المياه فاضت بغزارة ولطَّختها بلزوجتها، انتفضت بقوة لتراه رابضًا فوقها، وهو زوج والدتها الذي كان يتحرشُ بها ويغتصبُها، وبتواطؤ مع والدتها، هذه الأمّ اختارت الأقوى والأجمل والأكثر استبدادًا وتركت زوجها لأجله، فهي لا تحبُّ الثّبات ولا الاستقرار. وبهذا تشبه الوطن الذي يفضل الأقوياء وليس الضعفاء.

 (جي)، شخص يأتي من عالم غريب مثالي يريد تخليص (مجد) من أرضيتها، وكأنه السَّيد المخلِّص، فتعبّر له عن عشقها له، ترقص له، قالت له إن الحبّ هو أجمل ما في الحياة، وقال لها سيكون لنا أبناء كثيرون ومميزون.


تَعْبُرُ الكاتبة بين عدد من الأزمنة، من الحاضر إلى الماضي السحيق إلى المستقبل، بين ذكريات وتنبؤات وواقع مُعاش، سواء في أجساد أبطالها أو في أرواحهم ونفسيّاتهم، بين خرافة وفلسفة وخلَلٍ نفسي، تخبرنا الراوية بأنه لا فاصل بين النَّفس والجسد، كأنما لتساعد القارئ في فهم ما ترمي إليه. بطلة الرواية حاضرة وغائبة في الوقت ذاته، وهي التي تروي وفي الوقت ذاته هي المروي عنها، هي عابرة للزمن وحتى للأجساد وللأرواح، هي جنين في الرحم، وهي طفلة في العاشرة يتحرّش بها زوج والدتها، ثم شابة مثيرة، تنتقم من والدتها بالتغنج أمام زوج أمها.

لنجمة شقيق اسمه "يوسف" الذي يمثل هجرة المسيحيين العرب من المشرق، يهاجر من وطنه بحثًا عن مكانة أفضل، ولا تغيب كلمات رسالته لأمّه الموجوعة عن شريط ذكريات نجمة وهي في "المشفى" الأقرب إلى السِّجن في حقيقته.


لا تسلِّم الرواية نفسها بسهولة، بالضبط كما شاءت الكاتبة، فهي تطمح إلى التحرّر من قيود العمل الشكلية، والفكرية، فبطلة القصة تحاول التحرُّر من أي تشابه مع ما سبق من كتابات حول الوطن. لا تكاد تلمس السِّياسة، ورغم هذا نجد السياسة في ومضات تشبه البرق الذي يضيء النصّ للحظات، ثمّ تعود الظلمة على المسرح بنسب متفاوتة مرّة أخرى، فهي تتساءل كيف أصبحت "عناتا" كفار أدوميم؟ وهذا يربط القارئ بواقع الاحتلال للأراضي الفلسطينيّة.
تأخذنا الكاتبة إلى عوالم داخلية كما لو كانت سراديب مظلمة، تنتظرنا فيها مفاجآت تبدو عشوائية من غير نظام، الأمر الذي يحثّنا على البحث والحَفر عمّا تقصده الكاتبة. هي ومضات وانفجارات وفوضى مدروسة تشبه كلمات السِّر، يتداخل فيها الواقع الاجتماعيّ، الذي يتجلى في الاعتداء الجنسيّ والاغتصاب بالوطن المغتصَب، المريض الذي يعاني تشظيات نفسية. رموز وإشارات إلى أمَم مضت في سالف الأزمان.

 كلّما تقدّمنا في القراءة، لامسنا أو انتبهنا إلى خيوط تجمع هذه السجادة الغريبة، إنها تشبه عملية تركيب صورة البازل، ولكنه بازل فيه أكثر من طبقة، وفيه فراغات واسعة، وقطع هلامية متحوّلة من شكل إلى آخر.

 تترك الكاتبة فراغات واسعة للقارئ، كي يفسّرها ويملأ فجواتها، كلٌ حسب ثقافته وإرادته في البحث، فهي لم تُكتب لقارئ متعجّل، أو لمن يبحث عن متعة سريعة، بل لقارئ ناقد.


وجود البطلة "نجمة" في مستشفى الأمراض النفسية، يفسّر لنا حالات الهذيان التي تعيشها، فما أن تظن بأنك قد أمسكت بطرف الخيط الذي سيوصلك إلى الصورة الكاملة، حتى يتحوّل فجأة إلى مسار مختلف ويأخذ لونًا آخر.

 تنوِّه الكاتبة أكثر من مرة، بأنها لا تريده نصًا شفّافًا، وهو ما فعلته حقّا. فهو سرد يشبه الرؤى والمنامات التي تكون واضحة أحيانًا فنذكرها تمامًا، وفي أحيان أخرى لا نذكر منها سوى ملامح، أو أنّها غير منطقية، إذ تتكسر الأزمنة وتختلط الأمكنة وتتشوَّه الصّور.

بعد أن نعيش مع "نجمة"، نُفاجأ بمريضة أخرى في المستشفى اسمها ماري، الصَّليب يلوح في عنقها، تُغتصب هي الأخرى حتّى الموت، فإلى مَن ترمز؟ هل يُمكن أن توحي إلى إفراغ المشرق من المسيحيّين وتهجيرهم بعيدًا عن أصولهم وجذورهم؟

نجحت الكاتبة بتجنّب تكرار روايات سبقتها، فهي لا تريد الحديث عن وطن الضجيج والشعارات والهتافات، وتطمح إلى وطنٍ واسعٍ في روحانيّته، يعيش أهله بسلام فوق القوميات والديانات وأي اعتبارات أخرى، لا يجمعهم سوى الحب.


 يتكرّر موتيف الاغتصاب والاعتداء الجنسيّ، ولكنه يحدث بتواطؤ الأم، وكأنما تقول بأن الوطن اغتصب بتواطؤ الأمَّة.

 تقترب النهاية بحمل مجد بواسطة رجل آلي، ويخبرها (جي) بأنها ستنجب الطفل الحلم، ويحكي لها أسطورة هندية، عن طفل يولَد ثعبانًا، ولكنه في الواقع يكون شابًا جميلا جدّا بعد التخلّص من جلد الثعبان.

 تُختتم الرّواية برؤيا، عالم خال من العنف، يسود فيه العدل والمساواة بين الناس، إلا أنه ليس عالما أرضيّا، وكأنما تقول إنّ العدل مستحيل في الأرض، ولن يكون إلا في الخيال، وفي عالم غير هذا الذي نعرفه، والذي يقدس القوة.

لا أدّعي أنّني فككت كلّ رموز هذه الرواية، وهي مكتوبة برشاقة وبلا مطوّلات إنشائية، ولكنّها لا تسلّم نفسها تماماً، فهناك ما يجب أن يسعى القارئ إلى تفسيره أكثر، وقد لا يُفسَّر، إنها تتحدى القارئ.