كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"حـنـك فـوقـانـي"!

  • عن المغرورين الذين يوهمون انفسهم أنهم هم الصفوة بينما هم في الحضيض!

د. منعم حدّاد


الحنك الفوقاني كما يعلم الجميع هو الفكّ العلوي للإنسان، وهو عظم ثابت في الجمجمة لا يتحرك أبداً، على عكس الحنك التحتاني (الفكّ الأسفل) الذي يتحرك كلما أكل المرء أو شرب أو تكلم أو حتى تنفّس!
هذا في علم "الصحتلوجيا والطبيعتلوجيا والتشريحولوجيا" وبقية العلوم المشابهة، أما في علوم الحياة كما يقول العارفون فالحنك الفوقاني يعني المتكبر المتعجرف، والذي شعاره كبرياء ولو على خازوق...بل من هو أكثر من ذلك بكثير!
فتعبير الحنك الفوقاني يطلقونه على كلّ من "لا يحطّها واطية" ولا يعترف بالحقيقة مهما حصل، وفي عرفه أنه لا توجد أية حقيقة سوى حقيقته هو!
ولو جاء علماء الأرض كلها وحاولوا أن يثبتوا له مثلاً أن الأرض تدور، لن يصدّق وسيقول لهم حتماً إن باب بيتهم يُفتح إلى الشرق منذ أن ولد وحتى اليوم ولم يجده يفتح ولو مرة واحدة إلى الغرب!
وهو عنيد يابس الرأس: يقولون إن "حنكاً فوقانياً" رأى ذات يوم "سواداً" جاثماً على الأرض، فسأل عنه فقيل له إنه طائر، وقد يكون نسراً أو عقاباً أو غراباً أو أية طائر آخر ذا جناحين...
لكنه أصرّ على أن ما يراه هو "عنزة" وليس طائراً!
واقترب أحدهم من السواد الجاثم ونفّره فطار محلقاً بجناحيه في أعالي السماء... فقال الناس للحنك الفوقاني:
•أنظر... وهل تطير العنزة؟
•إنه عنزة... ولو طارت! قال الحنك الفوقاني!
والحنك الفوقاني غالب أو مغلوب – غالب دائماً، أي أنه لو قدر لك أن تباريه في أي لعبة كانت (حتى ولو كانت لعبة الورق أو الشيش بيش أو الشطرنج مثلاً) وغلبته وفزت عليه بفارق نقاط كبير جداً فلن يعترف بالهزيمة والغلبة، وسيدّعي حتماً أنك لم تهزمه إلا لأنك تلاعبت بالورق أو عملت كذا وكذا، وسيجد دائماً العذر والمبرر المصطنع وغير الحقيقي ليبرر هزيمته ويحوّلها إلى انتصار باهر!
وقطّ الحنك الفوقاني يساوي جمل غيره! وكوخه يساوي ألف قصر وقصر! وحجره الصغير يساوي جوهرة ولؤلؤة وحجراً كريماً مجتمعة ممّا لغيره!
والويل كلّ الويل لك إن جاورته: فهو يلقي قمامته أمام بيتك وتحت نافذتك وعلى درجك!
أما إذا حمل النسيم إحدى بتلات ورد حديقتك إلى جوار منزله فالويل لك لأنك لوّثت المنطقة!
وإذا تساقطت زهرة من شجر بستانك على قارعة طريق مجاور فالويل لك، لأن أوراق الزهر سدّت الطريق!
أما أشواك بستانه وفروع أشجاره فلتربض آمنة مطمئنة وتسدّ الطرق والسبل كلها فهذه خير وبركة!
ولو ألقى بالقاذورات والنفايات في أرضك فعليك أن تشكره! لأن أكياس النايلون والنفايات المعدنية وسواها ستتحلّل بعد عمر طويل (مليون سنة؟) وتتحوّل إلى مواد عضوية تفيد التربة، وما عليك إلا أن تشكره أو حتى تنقده مالاً مقابل هذا "السماد"!
وأنت "تواسعه" فيمرّ بجرّاراته وسياراته في أرضك وحتى على بلاط ساحة منزلك فيتلفها وهو معذور في ذلك (فهل يتلف بلاط ساحة منزله هو؟ أليس هذا حراماً وبلاطه يكلّف مالاً، وكأن بلاطك أنت مجاني وتأتي به الرياح!) والويل لك إذا خطوت بقدمك راجلاً في أرضه!
وماء المطر من شأنه أن يجرف تراب أرضه فيفقدها خصوبتها! لذا ينقله في شبكة من الأنابيب لينساب في أرضك أنت!
وإذا وقع ظلّ شجرة في أرضك على أرضه – أو حتى لو خُيّلَ له أن أمراً كهذا قد يحدث في المستقبل البعيد - قام باجتثاث الشجرة من جذورها أو على الأقلّ عمد إليها فقطع أوصالها ومزّق ما يمكن تمزيقه من أحشائها زاعماً أنّه قلّمها وشذّبها وهذّبها، ولولا بقية من حياء – وبالأحرى لولا خشيته من ردّك - لطالبك بالأجر والثناء على ذلك!
ولا تستغرب ولا تحتجّ ولا تنبس ببنت شفة، وهل تدري لماذا؟
لسبب بسيط بسيط: إنه "حنك فوقاني" ويحقّ له ما لا يحقّ لغيره!
ولماذا هو دائماً حنك فوقاني؟
لسبب بسيط: لأنه ضعيف هزيل حقير تافه!
"ألحنك الأنانيّ"!
  • د. منعم حدّاد
وإذا ما جاورت "حنكاً فوقانياً" مضطرّاً ومرغماً – أو حتى إذا جاورك هو رغم اشمئزازك منه - فسوف ترى العجب العجاب!
فإذا تكدّس في أرضك من قاذوراته ما يكوّن جبلاً فلا يحقّ لك أن تحتجّ أو تعترض!
أما إذا سقطت بتلة من بتلات وردك في أرضه فقد صنعت مكرهة صحّيّة وبيئية وهدّدت بتوسيع "ثقب الأوزون"!
والويل لك إذا دخلت عينك ذرة هباء لأنه سيعيّرك بها ويقول لك أخرج الذرة من عينك!
ولن يرى بالطبع الخشبة التي تسدّ عينيه الاثنتين فتحجب رؤيته ولا يرى سوى أنانيته!
وإذا طار طائر لك ومرّ فوق أرضه فقد أساء إليه وآذاه!
أما إذا امتلأت أرضك من جيف طيوره وحيواناته فإياك أن تفتح فاك لأن هذا من حقّه!
وأين تريده أن يذهب بجيفه؟ هل يأكلها؟ (ربما كان سيفعل ذلك لولا خشيته من أن يعلم بذلك الناس فيعيّروه!)
وهو انتهازيّ وطفيليّ حقير يهرول إلى أيّ منزل حالما يشتم منه رائحة اشتعال الغاز لأنه يستنتج أنهم يعدّون قهوة أو شرابأ آخر أو طعاماً في المنزل إياه ولن يفوّته، أما الذباب الأزرق وكلّ البصّارات والبرّاجات فلن يعرفوا باب بيته!
وهو متفلسف: يفلسف كل شيء ويعمل من الحبّة قبّة، ليداري بتفلسفه جهله وسطحيته وضحالته، وإذا فتح فاه في مجتمع سرعان ما يجنّد بعض أمثاله لنصرته وتأييد كلامه،حتى ليخيل للسامع أن الحصان يطير وأن للحية قوائم وأن الجمل يسوق سيارة!
والحنك الأنانيّ إذا ما دخل معترك الحياة السياسية فمن أول واجباتك أن تدعمه وتصوّت له وتدعو الناس لتأييده حتى دون أن يسألك!
أما إذا دخل سواه – كائناً من كان - معترك السياسية فسيفشل حتماً ولن ينجح في مسيرته لأنه لا يملك "المواصفات المطلوبة" وليس مؤهلاً مثله مثل الحنك الأنانيّ حتى ولو كان حكيم الإغريق والرومان معاً!
وهو في قرارة نفسه لا يحبّ أحداً ولا يشاطر أحداً أفراحه ولا حتى أتراحه!
فإذا مرض الناس كافّة أو حلّت على رؤوسهم مصائب الكون كلّها وأصابتهم كلّ الأوبئة المعروفة والمجهولة فهو لا يكلف نفسه عناء السؤال عن أحد، لأنه جُبل - كما خُيّل إليه وكما أوهم نفسه وحاول أن يوهم سواه - من طينة غير طينة هؤلاء البشر بل أفضل وأنبل منها، وصيغ من معدن أثمن وأرقى وأنقى من المعادن التي صيغ منها باقي البشر، رغم أن العكس هو الصحيح!
أما الناس فمُلزمون بمشاركته كلّ شيء: فإذا أصيب مثلاً ولو بمغص خفيف فمن حقّه كما يعتقد على جميع خلق الله أن يهرولوا إلى منزله لعيادته للاستفسار عن صحّته والاطمئنان على سلامته، وإذا توجّه إلى عيادة الطبيب فعلى الجميع
أن ينتظموا في صفين متوازيين على الجانبين ليمرّ من بين الصفين مرحّباً به ومبجلاً، وهو يدخل دون استئذان ولا ينتظر بالدور لأنه مشغول دائماً وأبداً ووقته ثمين، أما وقت الآخرين فلا قيمة له!

والحنك الأنانيّ ليس أنانياً كما يزعم بالمرّة، وصحيح أنه إذا سافر ولو إلى أقرب مكان فمن واجب الجميع أن يأتوا لتوديعه ولاستقباله، وهو معفي من توديع واستقبال سواه، وإذا سافر غيره فمن واجبه أن يعود له بهدّية ثمينة وقيّمة، أما هو فليس من مستواه أن يهدي أحداً شيئاً، ويكفي الآخرون أن يتشرفوا بمصافحته من آن لآخر، وبالمثول بين يديه تباركاً بطلعته البهية، وهذه تكون أثمن هدية يحظون به، وأعزّ شرف ينالونه!
وإذا لحقه ضيم ولحق الآخرين نفس الضيم فضيمه غير ضيم سواه، بل أهمّ وأشدّ و"أزعم"، ولو سألته عمّا نال سواه من ضيم لأنكر ذلك الضيم وتجاهله حتى ولو كان أشدّ إيلاماً من الضيم الذي لحقه هو، وجرّب واسأله عن "زملائه" في الضيم وفي ما لحقهم من إساءة فيردّ عليك بشكل قاطع محدّثاً إياك عن نفسه وعن نفسه فقط، ومكرّرأ بين الكلمة والأخرى كلمة:أنا، أنا، أنا...
"أنا... أنا...أنا..."
وإذا خانك الحظّ واضطررت ذات يوم أن تحادث أحدهم فهو سيقاطعك دائماً – لأنه الأزعم كما يوهم نفسه - ولا يدعك تكمل جملة مفيدة واحدة.
وسيردّد على مسمعك بين كلّ كلمة وأخرى أنا...أنا...أنا...وأنا... بمناسبة وبدون مناسبة، حتى ليُخيَّل للسامع أن الأرض أقفرت من ساكنيها ولم يبق على ظهرها إلا هذا "الأنا"!
وتقف حائراً أما أحد أمرين اثنين لا ثالث لهما: فإمّا أن تضبط أعصابك وتكتم غيظك بل اشمئزازك منه ومن أنانيته، أو أن تلعنه وتبصق في وجهه لأنك لست منافقاً مثله وتلعن آباءه وأجداده معه...
والحنك الأنانيّ كريم سمح مفتوح اليد لا مقبوضها ولا مغلولها كما يزعم، وهو لا يطلب شيئاً من أحد، لكنه لا ينكر على أحد مبادرته لتقديم المال له ديناً ولحين ولأجل، أما إذا "نسي" ذلك الدين أو تناساه وتقادم الزمن وأكل الدهر عليه وشرب ولم يفطن الحنك الفوقاني الأناني إلى تسديد ما عليه من دين وإيفائه ما عليه من حقوق فلا تثريب في ذلك، فالكمال لله وحده وجلّ من لا يسهوّ!
أما إذا عصفت أزمة خانقة بأقرب الناس إليه واحتاج لمدّ يد العون والمساعدة فالحنك الفوقاني الأناني يتهرّب "بلباقة"، بل بخبث وضِعة وحقارة، لأنه كما يقولون "حِلِس مِلِس طاهر نجس!" و"يتمسكن حتى يتمكّن"، فهو يقسم أغلظ الإيمان كذباً أنه لا يملك من المال شيئاً ليقف بوساطته إلى جانب أقرب الناس إليه، لأنه لا يريد أن "يواسع" أحداً لخجله من المطالبة بالربا والفائدة ولبخله وتقتيره وغروره!
وإذا ادلهمّ الخطب وأصاب المقرّبين للحنك الفوقاني الأنانيّ أسرع يبتعد عنهم وكأنه أصبحوا في غمضة عين وانتباهتها موبوئين بوبأ خطير قاتل فتّاك، وأفضل "علاج" لهذا الوبأ هو الهروب وترك حتى المقرّبين يعانون الأمرّين، ويمرّون بأقسى تجربة حياتية مرّوا بها، وأشدّها إيلاماً هروب الحنك الفوقاني الأنانيّ الذي دعموه طيلة حياتهم من جانبهم وتركهم لوحدهم يواجهون مصيرهم، أما إذا سألوه عن ذلك فإنه يقدّم لهم عذراً أقبح من ذنبه بكثير!
لكن مثل هذه التجربة القاسية من شأنها أن تفتح عيونهم على الواقع الذي يعيشون فيه واهمين أنه أفضل ما في الحياة!
والحنك الفوقاني الأنانيّ ليس استغلالياً ولا انتهازياً كما يزعم... ولكن ماذا إذا نصب نفسه ملكاً متوّجاً وطالب الجميع بخدمته؟ فهل في ذلك أيّ عيب يا ترى؟ ولماذا لا يستفيد من ولائهم وإخلاصهم وتفانيهم وتضحياتهم ويجيّر كلّ هذا لحسابه هو؟ أليست الحياة ميدان سباق؟ "ألا يفوز باللذة الجسور"؟ أم هل يحمل وزر سواه وآثام غيره؟

أما في الأفراح فالحنك الفوقاني الأنانيّ "ذيبك"، أي أنه بارع ومتفوّق في النفاق والرياء، وهو لا يفوّت مناسبة لا يشاطر الناس أفراحهم فيها، فتراه يستبق الجميع ويسير في المقدمة فهو الطليعة و"الوجه والوجيه والتوجيهة"، وما أعظمه عندما يتداعى القوم إلى الطعام، فهو يثب وثوب النمر ليكون أول الجالسين إلى المائدة، ويلتهم الطعام بشراهة كالكلب الجائع، ويتطلّب أكثر من الجميع، فهو يطلب من كلّّ صنف ولون، فما دام أصحاب الفرح قد (أخطأوا و) دعوه لوليمتهم فعليهم القيام بواجبه وتأمين كل متطلباته واحتياجاته وخصوصياته وامتيازاته، فإذا طلب حتى "لبن العصفور" كما يقال فعليهم تلبية الطلب وتأمينه فوراً، وإلا فسيعتبرهم مقصّرين في الضيافة وسينشر فضائحهم في كلّ مضافة ومنتدى لتصبح سيرتهم على كلّ لسان...
ولا تستغرب ولا تحتج ولا تنبس ببنت شفة، وهل تدري لماذا؟
لسبب بسيط بسيط: إنه "حنك فوقاني" ويحقّ له ما لا يحقّ لغيره!
ولماذا هو دائماً حنك فوقاني؟

لسبب بسيط: لأنه ضعيف هزيل حقير تافه!
"ألحنك" في الفرح والكره!
وإذا "تنازل" الحنك الفوقاني وشارك في فرح أحدهم - وكان قد سبق أن فضّل هذا "الأحدهم" على الحنك الفوقاني وعلى آبائه وأجداده من قبله – فحينئذٍ سيرى العجب العجاب!
لأنّ الحنك الفوقاني لا بدّ وأن يسير في المقدمة (فهو يحسب نفسه زعيماً - وكما يقول المثل- تماماً كما يحسب الكلب الأسود نفسه من قطيع الماعز الذي يحرسه!)
وعندما يريد الجلوس فعلى الجميع أن يُجلسوه في الصفّ الأول أو حتى على المنصة التي يجلس عليها العروسان، وأن يُخلوا له مجالسهم وأن يقدّموا له كراسيهم!
وما أن يحين موعد "النقوط" وتقديم الهدايا حتى يروح يُخرج من جيبه مظروف النقوط، ويعرضه ببطء شديد أمام كاميرا المصورين "لتوثيقه"، ولكي يراه الجميع لاحقاً في الفيديو وهو ينقّط...
والنقوط كما يعلم الجميع ليس استغلالاً ولا انتهازية ولا طمعاً ولا جشعاً، وإنما تكافل اجتماعي قيمته المعنوية أهمّ وأعظم من قيمته المادّيّة ألف مرّة!
والنقوط - مهما بلغت قيمته صعوداً أو نزولاً - لا يُغني العريس ولا يُفقر المُنقِّط، لكن قيمته المعنوية لا تُقاس لا بمال ولا بلآلئ ولا بجواهر ولا بماس!
نعم، ينقّط الناس بعضهم لكي يساعدوا صاحب الفرح على تغطية نفقات فرحه دون أن يضطرّ إلى بيع ممتلكاته أو رهن بيته ليغطي النفقات الباهظة التي تكلّفها لإقامة فرح عظيم "لم يُقِم مثله أحد في الماضي"(!) لكنّ الأهمّ أنه يُكسب المرء الشعور بأن المنقّط يشاركه الإحساس بالفرح والبهجة والسرور، وهذه المشاركة الوجدانية لا تُقدّر بثمن ولا يعدلها شيء!
وعندما ينقّط الحنك الفوقاني لا بدّ وأن يراه الناس وهو يُدخل المظروف في الخزنة أو في صندوق النقوط، ولو أتيحت له الفرصة لكرّر إخراج المظروف من جيبه وإدخاله في الخزنة عشرات المرّة، ولنسخ شريط الفيديو ووزّعه على كلّ الذين لم يشاركوا في الفرح، أو لنسخ صورة عن هذا "المشهد العظيم" واتّخذ منها بطاقة شخصية تحمل اسمه وعنوانه!

أما بماذا نقّط وبأي مبلغ فهذا ليس من شأن أحد... سوى العريس بالطبع، الذي سيصاب بمفاجأة مذهلة قد تعقد لسانه عندما يعرف بكم نقطّ هذا الحنك الفوقاني، ولا يلبث أن يبدأ يحرق الإرم ويلعن آباء هذا الحنك الفوقاني وأجداده وأجداد أجداده...
أما إذا حلّت كوارث "الكره والأحزان" لا سمح الله، فالحنك الفوقاني "قدّها وقدود"، وهذه فرصة ذهبية تناسبه فيقتنصها ويغتنمها ولا يفوّتها...
ولأنّ الحنك الفوقاني مطبوع على كراهية الناس، ورضع الحقد والضغينة مع حليب أمه التي أرضعته - والتي من الجائز أنها لم تكن إنسانة أبداً - وهو الذي يتحاشى أن "يعبس" في الأيام "العادية" لئلا يكتشف أحد دناءته، يستغلّ مواسم الحزن والأسى ليعبس ويكشر ويتظاهر بالحزن العميق، ليوهم الناس أنه يشاركهم في مشاعرهم وأحاسيسهم، والحقيقة هي لأنّ هذا الوجه وهذا القناع يناسبانه جدّاً...
وتبلغ به قحّته وصلافته حدّاً يصعب وصفه وهو عصيّ على التصديق، ويحدّث القوم عنه أنه يتقرّب من العائلة المنكوبة، في محاولة لاكتساب الكرامة والجاه، فهو يُكرم بتكريمهم هم، ويشرف بشرفهم هم، ويزداد جاهاً بجاههم هم!
ولكي ينال مثل هذا الجاه والكرامة والشرف قد يلجأ إلى أكثر الأساليب والألاعيب دناءة وحقارة، دون أن يردعه رادع من ضمير، وأن يوقفه وازع من خلق كريم!
فهو يندسّ بين المعزّين، ويحمله خبثه على التقرّب من ذوي الشأن وأولي الأمر ليوهم الناس أنه معهم ومنهم، تكسّباً للشرف واستجداء للكرامة، علماً أنّه في سريرته لا يحبّ أحداً ولا يحبّ حتى نفسه!
وهو عندما يشارك في المآتم يتظاهر بالحزن والأسى، لكنّ مشاركته "على عيون الناس" ومن باب "شوفوني يا ناس" ليس إلا... و"كُبرا ولو على..."
وهو معقّد ويشكو من عقد نفسية وربّما جسدية أيضاً ومن مركّبات نقص كثيرة، ولكي يعوّض عن هذه العقد والنواقص يسلك ويتصرّف وكأنه حنك فوقاني ليغطّي ويداري علّة ضعفه وهزاله وذلّه ونقصه وعقده، ولأنّه يشكو من أكثر من مركّب نقص - لا تؤاخذوه، ولا تلوموه، وتغاضوا عن كلّ ذلك ولا تنحدروا إلى مستواه!

وكما يقول المثل: هل إذا عضّك الكلب تعضّه؟ والردّ عليه: بالطبع لا!
ولأن المنافس عند الخنافس، فلا تستغربوا كبرياءه وعجرفته!
ولأن الكبرياء على المزابل، فلا تلوموا كبرياءه!
ولأن السنبلة الملأى بحبوب القمح الذهبية تحني رأسها إلى الأسفل، أما السنبلة المريضة الفارغة الخالية الخاوية فتنتصب بساقها شامخة ب"سفّيرها" لتغطي على نقصها!
فلا تأبهوا بالحنك الفوقاني!
أتراني أبالغ؟
أنظروا حولكم، أنظروا في محيطكم، فقد تجدوا هناك "حنك فوقاني" أو أكثر من شخص واحد ممّن هم "حنك فوقاني"!
أو... تعالوا إليّ أنا لأدلّكم عليه!