كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


جـــيـــران!

  • د. منعم حدّاد
ما أكثر ما قالوا عن الجيرة والجيران وحفظ الجار واحترامه وتأدية الواجب نحوه، فجارك القريب (أفضل، أعزّ، أقرب إليك) من أخيك البعيد، وهو الذي يحمل همّك ويتألم لألمك ويفرح بفرحك ويسعد بسعادتك قبل كل أهلك البعيدين عنك!
وقالوا إن الجار موصى بجاره حتى سابع جار، والجيران أهل!
وما زالت الأكثرية الساحقة من الناس تحترم هذه الأقوال وتؤمن بها وتحافظ عليها إلى حدّ التقديس، وإلى حدّ مشاطرة الجار أفراحه وأتراحه فقط، بل حتى لقمة العيش إذا عضّه ناب الجوع يوماً!
وفيما يلي نخبة صغيرة من أخبار الجيران...
 ***
احتاج الرجل أن يمر في أرض جاره وإلى ما لا نهاية، فهكذا اقتضت الضرورات الهندسية، لذا راح يتمسكن حتى يتمكن: جعل من نفسه عبداً رقيقاً لجاره أو ما يقارب ذلك، وراح يخدمه بعينيه ويقدم له من الاحترام والمعاملة ما لم يحلم به إنسان، إلى أن...
إلى أن وافق الجار على مد خط انابيب في أرضه لصالح جاره المهذب الودود...كما حسب!
وأفاق الجار الثاني ذات يوم فإذا بالجار الأول يقتحم حدود أرضه...
وما أن سأله الجار الثلني عن فعلته الشنيعة حتى ثار هذا وأرغى وأزبد، "عاتباً" على جاره قائلاً: أو تطعنني في شرفي وكرامتي؟
لم أطعنك في شيء يا هذا، لكن قل لي بربك كيف تقتحم أرضي بعد كل ما فعلته من أجلك وتنازلت معك اكثر من أهلك؟؟؟
لا، لقد طعنتني في شرفي وكرامتي وهما أغلى ما عندي...
وهل عندك شرف او كرامة؟؟؟ قال الجار الثاني للجار الأول، لو كنت كذلك لما سرت على نهج: خيراً تعمل شراً تلقى...
أنا عملتا معك خيراً، فكافأتني بالشر والنكران والرذية يا قليل الشرف عديم الكرامة...
 ***
ويحكى ان راح أحدهم يحفر أساساً لدار يبتنيها لنفسه ولعائلته!
وقصد المكان ذات فجر صيفي، ليباشر العمل، فإذا به يجد جاره الأول وقد سبقه هناك، يحمل بيده متراً ويقيس البعد بين حد أرضه ومكان الحفر.
خجل الجار وأرد أن ينصرف، فابتدره الرجل سائلاً عما يفعله في أرضه، فأجاب متلعثماً:

أ-_أ_- أ-_قيس المسافة بين الحد وبين الأساس...
اطمئن يا هذا، فلست من ذوي العيون الفارغة من أمثال حضرتك ولا من الطامعين الجشعين ولا الحاسدين، فقد بدأت أحفر حيث حقي ويمنحني القانون ذلك، أما أنت فلن تتغير ولن تتخلى عن حقدك وجشعك وسوء جيرتك حتى يتغير الغراب ويبيض لون جناحيه!
وتوجس الرجل شراً من مثل هذا الجار ولم يطمئن قلبه إليه...
وبالفعل، فقد قصد المكان في الصباح التالي ليجد أن "أحدهم" قد اقتحم المكان وعاث فيه فساداً...لحطّنه وخسّته...والأنكى والأسوأ أنه يدعي الظهور أمام الناس بمظهر الجار الوفي الكريم، ولا يفوّت صلاة لا يشارك فيها، ولا مناسبة إلا ويظهر فيه ليوهم الناس أنه من "روس الأوادم"!
 ***
وفي صباح اليوم التالي قصد الرجل أرضه ثانية ليواصل عمله، وما هي إلا سويعة حتى أقبل الجار الآخر، ومالك الأرض المجاورة من الجهة الأخرى!
ألقى الجار الثاني التحية على الرجل، ودنا منه وسأله عن حاله وأحواله، وتمنى له التوفيق فيما هو عازم عليه.. ومن ثم فتح فاه وقال:
أستحلفك يا جاري بكل ما هو عزيز وغال عليك أن تقترب من أرضي، وأن تحفر ليس على الحد وإنما أن تحفر في أرضي وتضيف لأرضك بضعة أمتار منها، فأرضي أكبر من أرضك بكثير، والجار موصى بالجار" ولا يأخذ المرء معه شيئاً ساعة الرحيل، وأستحلفك أن تضع الأساس في ارضي، فلن يضيرني شيئ إن تواسعتك" ببضعة أمتار يا جاري العزيز، أستحلفك أن تفعل هكذا...
اغرورقت عينا الرجل بالدموع ولم يقو على أن يحير جواباً، لكنه على ما هو حق الجوار من هذا الرجل الفقير الرقيق الحال، وتأكد من أن الفقر والغنى ليسا في الملك والأرض والمال، وإنما في الأخلاق والنفوس والجيرة الحسنة والأخلاق الكريمة...
 ***
اشتهر الرجل بكسله وعدم تحمسه للقيام بألأعمال الزراعية الشاقة المضنية، وبخاصة في ايام الصيف الشديدة الحرارة وأثناء عملية حصاد القمح المضنية الشاقة.
وراح الرجل يحصد ما استطاع إليه سبيلاً يوماً بيوم، وكل ما حاولت زوجته أن تستعجله كان يرد عليها قائلاً: أنظري وراءنا جيداً، وأخبريني: هل ترين أحداً يتبعنا بعصا ويحثنا على العمل يهددنا بأن يلهب ظهورنا بالسياط؟ علام العجلة والعجلة كما تعلمين من الشيطان...
وأدرك جاره النشيط بذلك، وهو الذي يعرفه جيداً..
توجّه الفلاح الكسلان ذات صباح صوب حقله ليواصل الحصاد، وما كاد يبلغه حت فوجئ بجاره النشيط وزوجته وأولاده يحصدون قمحه...
ما هذا أيها الجار الطيب؟ لماذا غلبت نفسك أنت والسيدة زوجتك والأولاد الكرام؟ لماذا يا جاري؟
ليس في هذا أي غلبة يا جاري، فقد رأينا أنك تأخرت في إنجاز الحصاد، وقلنا لنأتي لنساعدك قليلاّ!
وشكر الفلاح الكسلان جاره النشيط، وأكد له ان عمله هذا سيكون طوق محبة وتقدير في عنقه أبد الدهر...
أليس الجار للجار؟ قال الرجل.!