كنوز نت - بقلم : نبيل عودة

اندثار الحضارات

  • د. أفنان القاسم
الشمسُ على أرضِ مِصْرَ كانتِ الذهبَ والرملَ والنيل
كانتْ مِصْرَ العظمى في الزمان
وكانتِ الفكرةَ عنِ الوعيِ في سنِّ الطفولة
هلْ يُصْنَعُ الرملُ مِنَ الذهبِ والذهبُ مِنَ الماء؟
كانَ لا بدَّ مِنَ البرهانِ على الغيبِ في سنِّ الرجولة
تماهتِ السلطةُ بالذهب
ومِنَ الرملِ كان انعكاسُ الأشعةِ في السماء
فهِمَ إينشتاينُ هذا ولمْ يفهمْهُ إخناتون
بعد أن قضى إخناتونُ بهامشيةِ الأشياءِ التي هي كُنْهُ الوجودِ لا كما قضى إينشتاينُ بجوهريةِ الذراتِ في الأشياء
لنْ نؤسسَ للأفلاكِ مِنْ فلكِ نوح
في ذلكَ الزمنِ البعيدِ كانَ التحدي بالمومياء
حضارةُ المومياءِ كانتْ بعدَ حضارةِ الحجر
فالقبورُ يبنيها الأحياءُ للأمواتِ قبلَ أنْ يموتوا
لهذا كانتِ الأهرامات
وكانَ الحُلْمُ الخالد
كان البحثُ عنِ الذاتِ في الذات
بينما مِنْ موجِ النيلِ كانَ الحُلْمُ الزائل
ومِنْ عواصفِ الرمال
في مرايا الرملِ أجسادُ البشرِ بعدَ أنْ تخلوا عَنْ أفكارِهِمْ للفكرةِ في "طيبةَ" مركزِ الكونِ آنذاكَ ثمَّ انقلبوا بقوةِ الأضدادِ ليتخلوا عَنِ الفكرةِ للأفكار
لحظةُ التخلي هذهِ هي التي قيدتِ الزمنَ فيها بقيودِ عدمِ التخلي إلى يومِنَا هذا
اللحظةُ في السماءِ هِيَ الأزمان
وعلى الأرضِ سقطتْ مِصْرُ في حِضْنِ مومياءِ الوقت
لمْ تكنْ تعلمُ قدرةَ الخرابِ في الأديان
ْ
في روما كانَ التاريخُ يُصْنَعُ مِنَ الكَذِبِ وبقيَ التاريخُ يُصْنَعُ مِنَ الكذبِ حتى اليوم
الحضاراتُ تُبنى على أنقاضِ أفكارِنَا عنها
نحنُ البرابرة
نحنُ أبناءُ إشاعاتِ العظمةِ أو الانحطاط
نحنُ أبطالُ الثرثرة
نسقسقُ فنكونُ العصافيرَ لأنفسِنَا
في الأقفاص
نكونُ التسلي لغيرِنَا
ولغيرِنَا يكونُ الاحتمال
يكونُ البقاءُ لسلطةِ المتجبرينَ مِنْ جيلٍ إلى جيلٍ إلى جيلٍ متعةَ روما لروما وكلُّ عاصمةٍ هِيَ روما في كلِّ زمن
العقلُ بطيخٌ أو شمَّام
آهٍ مِنْ لذائذِ المِحَن
نيرونُ لمْ يحرقْ روما
روما هِي التي أحرقتهُ في الأذهان
يكونُ الطغاةُ في البدن
ليكونَ الطغاةْ
نحتتِ التماثيلُ أشباهنا
لنقطعَ العصور
ولا يكونُ السقوطُ سقوطَنا
نطقَ ثديُ فينوسَ وقالَ ما لا يقولُهُ المؤرخون
كلُّ شوارعِ روما حقيقةٌ للكَذِبِ ما عدا شارعِ المومسات
شارعُ المومساتِ كَذِبٌ للحقيقة
العناقُ فيه ملحمةُ الإنسان
في هذا الشارعِ وُلِدَتِ المسيحية
لتبريرِ الموبقات
ْ
هولاكو أحرقَ بغدادَ لا لأنَّ هناك مَنْ باعَ بغدادَ لهولاكو
لأنَّ الأسماكَ في دجلةَ كانتْ أفكارَ البشرِ عنها
فأكلَ البشرُ بعضَهُمْ بعضا
حضارةُ الإسلامِ بعدَ أن كانَ البشرُ أفكارَ الطيورِ عنها
فعلتِ السمواتُ فوقَ بعضِهَا بعضا
سكنَهَا اللهُ ولمْ يتركْهَا
طِوالَ قرونٍ بطولِ سيقانِ النساء
لهذا حَجَّبَهُنَّ محمد
فأحسنَ فعلا
وما انتظرَ أنْ يُنزلَ هولاكو اللهَ مِنْ عليائِهِ ليأخذَ بدلاً منهُ المكان
ارتضى بما بينَ النهرين
وفي الانحطاطِ بعدَ ذلكَ تحتَ قدمِهِ الأمريكيةِ كلُّ الحكامِ العربِ الأحياءِ الأمواتِ والأمواتِ الأحياء
هولاكو كانَ تاريخَنَا الحقيقيّ
والباقي مزيف
الباقي بهيميّ
الباقي هدمٌ للبناء
محمد عليّ كانَ هدما
عثمان كانَ هدما
عبد الناصر كانَ هدما
لتكونَ حربُ الستةِ أيام
اندثرنا في الإشارةِ حتى
حتى في الأوهام
ْ
الملكةُ فيكتوريا في التراجيديا التي لمْ يكتبْهَا شكسبيرُ تبكي على نمطِهَا المعماريِّ في كلِّ ناحيةٍ من نواحي شوارعِ لندن
لأنها كانتْ روحَ البناءِ الإنجليزية
بعدَ أنْ نسيَ الإنجليزُ روحَهُم (الروح استعارة لما ارتكبوا مما ارتكبوا)
ولأنها كانتِ التاجَ الحاكمَ لمليار نَسَمَةٍ مِنَ سكانِ الكرةِ الأرضية
وفي نفسِ الوقتِ كانتْ وحيدةً ومِنْ حولِهَا المئاتُ من خَدَمِهَا وحاشيتِهَا في قصرِ باكنجهام
شعورُهَا بالوحدةِ دمَّرَ الإمبراطورية
لمشاعرِ الملوكِ مدنٌ وشعوبٌ وأممٌ تنهار
عندما تنهارُ مشاعرُهُم
الممالكُ والإمبراطورياتُ ليستْ أبدية
يدارُ الحكمُ رغمَ طولِ الحكمِ في الخيال السياسيّ
في عوالمَ نهلستية
تقومُ في الانهيار
لكنها لمْ تكنْ ترى الانهيارَ القادمَ البطيءَ الأكيدَ المعتلي ظهرَ حصانِ الوقتِ ويسيرُ ويسيرُ خطوةً خطوةً خطوةً بحوافرِهِ الأربعةِ على حجارةِ الإمبريالية
الملكةُ فيكتوريا
لأنها وحيدةٌ بالمئاتِ بالآلافِ الذينَ كانوا حولَهَا
الملكةُ فيكتوريا
لأنها وحيدةٌ لا لقوانينِ الطبيعة
لعشقِ الذاتِ لا لعشقِ الجاه
ضَرَبَ وليُّ عهدِهَا ضربتَهُ بعدَ وفاتِهَا
فأسقطَ تاريخَهَا الخاص
كان تاريخُهَا الخاصُّ التاريخَ الحقيقيَّ لبريطانيا
وضعَ ولدُها التاريخَ العامَّ على هواه
الجريمةُ كاستراتيجيا للجريمةِ مِنْ وراءِ جريمة
لعشقِ الجاهِ لا لعشقِ الذات
ْ
بوشُ نيرونُ روما الذي لم يكنْ للروم
أشعلَ النارَ في الجحيمِ الأمريكيِّ الذي هُوَ كلُّ أمريكا في شتاءِ الحضارة
وأحرقَ البشرَ حريقَ البشرِ في رؤوسِ الإنجيليين
والربُّ يجرعُ البيرةَ بمرارة
كانَ السقوط
لكنَّ الربَّ لمْ يكنْ يريدُ أذى الأمريكيين
جاءهمْ بإفريقيّ
أشعلَ النارَ في الجحيمِ العربيِّ الذي هُوَ كلُّ الشرقِ الأوسطِ في خريفِ الحضارة
وأحرقَ البشرَ حريقَ البشرِ في رؤوسِ الإسلاميين
والربُّ يرسمُ الصورةَ ببراعة
كانَ السقوط
لكنَّ الربَّ لمْ يكنْ يريدُ أذى الإسرائيليين
جاءهمْ بإنجيليّ
أشعلَ النارَ في الجحيمِ الفارسيِّ الذي هُوَ كلُّ الشرقِ الأوسطِ في صيفِ الحضارة
وأحرقَ البشرَ حريقَ البشرِ في رؤوسِ الشيعيين
والربُّ يفجِّرُ براكينَ النارِ بالنارِ كالأعمى
كان السقوط
لكنَّ الربَّ لمْ يعدْ يريدُ الأذى وقدْ فهمَ معنى السقوطِ في دورةِ السقوطِ السورياليّ
جاءَ بإستبليشمنتيّ
عصى الربَّ
أشعلَ النارَ في الجحيمِ الغزاويّ الذي هُوَ كلُّ أرضِ الهلاكِ مِنَ البحرِ إلى النهرِ في خراءِ الحضارة
وأحرقَ البشرَ حريقَ البشرِ في رؤوسِ البشرِ العاديين
كانَ السقوط
.........
.........
  • ما قبلَ الأخير
د. افنان القاسم - محاضر متقاعد من جامعة السوربون في باريس، اديب موسوعي في نتاجه الإبداعي الذي يشمل كل اشكال الأدب والفكر والسياسة.
منطقة المرفقات