كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


الطبيب الـ"عبقري"!

  • د. منعم حدّاد

ورأيت صديقي ذات يوم وقد ذكرني مرآه بمقولة خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما قال (على وجه التقريب) إنه لم يبق شبر في جسده دون ضربة سيف أو طعنة خنجر، ذلك لأن الضمادات كانت تغطي باطن ساعديه وظاهر كفيه وداخل رسغيه، فسألته مداعباً: أي حرب وأي طعان خضت يا هذا؟؟؟
فردّ ضاحكاً:

لا تقلق يا أخي، فليس في الأمر ما يخيف ويقلق...وكل ما في الأمر أنني وقعت بين يدي دعيّ طبّ عاد من الخارج بعد سنين قضاها في بلاد واق الواق، يحمل شهادة دكتور، كما زعم، لكنه – وكما يبدو - نسي الشطر الأول من لقب الدكتور وأبقاه عن سبق الإصرار والترصّد في الخارج، وعاد بالمقطع الثاني فقط من الكلمة، أي أنه عاد ثوراً لا دكتوراً لا يفهم ولا يحسن شيئاً...

المهم أنه عاد يحمل تلك الشهادة التي تجعله يتولى شؤون صحة كثيرين، وسيلجأ حتماً للوساطة والمحسوبية ليتبوّأ منصباً رفيعاً خلال فترة قصيرة.
من حسن حظ مجتمعنا وفرة طالبي علم الطب في الخارج من أبنائنا وبناتنا مما يرفع مستوى مجتمعنا طبياً وصحياً وعلمياً واقتصادياً ويسير به قدماً وهو في أمس الحاجة لمثل هذه الطفرة النوعية الرائدة في ظل حكومات تميز ضدنا وتهضم حقوقنا وتظلمنا... قلت، فرد علي قائلاً:

أنت على حقّ لو كان جميع هؤلاء أو على الأقل أكثرهم يحصلون على شهاداتهم ومؤهلاتهم عن جدارة واستحقاق، وليس عن طريق الوساطة والمحسوبية والرشاوى والبراطيل، كما يفعل الكثيرون منهم، أو على الأقل بعضهم، لأنه والحال هكذا يسيئون أكبر إساءة للمجتمع وللناس ولا يفيدون أحداً سوى أنفسهم...
  • وماذا تقصد؟ قلت!
أقصد أن تقرأ عن آلاف حالات الإهمال والأخطاء الطبية التي يرتكبها أمثال هؤلاء بحق آلاف المرضى الذي يسيئون معالجتهم ويوردونهم موارد الهلاك بسبب غبائهم وجهلهم والأخطاء الطبية القاتلة التي يرتكبونها وحصولهم على شهاداتهم بالغش والخديعة والاحتيال والرشاوى...
وكيف عرفت ذلك؟
  • من قراءاتي ومن تجربتي الشخصية!
تجربتك؟ أجل، فقد اضطررت لإجراء فحص معين في أحد أكبر وأهم المراكز الطبية، ولما وصلته وقدمت الأوراق دعيت إلى إحدى الغرف، حيث استقبلني شبه فيل أو ربما دب قطبي على شكل إنسان، وما أن قدمت له الأوراق حتى قدم نفسه قائلاً:

أنا الدكتور فلان، وخطيبتي هي الدكتورة فلانة (رغم أنني لم أسأله عنها ولا عمن تكون، فيا للتواضع!!!)
وكان لا بد من إدخال إبرة في الوريد لضخ بعض الدواء العاكس لإجراء الفحص، فمددت يدي الأولى أمامه، وبحث وبحث ولم يجد وريداً كما قال!
لكنني أجريت فحصاً قبل يومين وكانت يدي تعج بالأوردة، فأين اختفت؟ قلت!

وإزاء اختفاء الأوردة قدمت له اليد الأخرى في أعلى الساعد من الداخل، وأدخل رأس الإبرة وبحث وبحث فإذا بالأوردة تختفي كلها في هذه اليد أيضاً...

وأعدنا الكرة في ظهر الكف الأيمن، ومن ثم في ظهر الكف الأيسر، ودون جدوى، فيا للأوردة كيف اختفت كلها فجأة، ومن ثم بحث في باطن الرسغ الأيمن ثم الرسغ الأيسر...

وهكذا اضطررت لتحمل وخز الإبر ست مرات حتى أفلح الدكتور العبقري من تثبيت رأس الإبرة في الوريد، وهي عملية تقوم بها الممرضة من أول مرة وخلال ثوان...

وقبل أن تركته سألته: ألست أنت من خريجي جامعات بلاد واق الواق؟
  • وكيف عرفت؟
من "عبقريتك"... ثم قلت في نفسي:
من المؤكّد أن هذا الدكتور العبقري قد عاد بالمقطع الثاني من لقب الدكتور وترك المقطع الأول هناك..