كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


الجمعة الحزينة!

  • د. منعم حدّاد

ولما عاد الفتى في ذلك المساء إلى المنزل، فوجيء بباقات الورد من كل صنف ونوع تملأ البيت على سعته، فلم يبق فيه مكان لم تحتله باقة ورد أخّاذة...
ولاحظت الأم دهشته وتعجبه، فابتدرته قائلة:
لا تستغرب يا بني، فهذه الورود معدّة لنهار غد...
وماذا في الغد يا أمي...
إنه...إنها الجمعة الحزينة!
الجمعة الحزينة؟
أجل!

لكنهم يسمونها في الإنجليزية GOOD FRIDAY أي الجمعة الجيدة، فهم يعتبرونها جيدة وربما مفرحة ايضاً، أما نحن فنعتبرها حزينة؟
طبعاً يا ولدي، فهم – أي هؤلاء الغربيون الأعاجم الدخلاء المستعمرون – قد صادروا منّا كل شيء في المسيحية تقريباً، ومسخوه مسخاً، واستولوا على مقدراتنا واوقافنا وحياتنا الدينية وشوهوا كل شيء شرقي جميل كان فيها...وعاثوا فيها فساداً...
المهم ماذا تفعلون بهذه الورود يا أمي...؟
لقد صلينا اليوم قداس خميس الأسرار وقدمنا القرابين واستذكرنا موتانا السابق انتقالهم، وسنقوم غداً صباحاً بزيارة قبورهم حيث يرقدون ونضع باقات الورد عليها...ونشارك في المساء في قداس الجناز، ونضع الورود على السرير الذي يرمز إلى جنازة السيد المسيح له المجد...
ومع فجر الغد كانت جموع النسوة تملأ المدافن لتستذكر السابق انتقالهم، وكن يبكين ويذرفن الدموع الساخنة على الذين سبق أن فقدنهم، ومن ثم يضعن أكاليل وباقات الورود على القبور ومن ثم يعدن إلى منازلهن.

وكان الصمت والهدوء والحزن يسيطرون على البيوت وبل يخيمون على القرية بأكملها، فلا تسمع صوتاً ولا جلبة، وكل شيء هاديء وساكن ينتظر الجنازة المهيبة التي سيقيمونها في قداس المساء...
وكانت تسمع بين الفينة والأخرى دقات الحزن الصادرة عن نواقيس الكنيسة: ثلاث ضربات ثم سكون، وهكذا دواليك!
وكان كبار السن عندما يلتقون بالآخرين إن كان على نبع الماء أو في الساحة العامة أو في الطريق أو السوق يتبادلون التعازي وكأن المتوفى أقرب قريب لهم...

وما أن مالت شمي ذلك النهار الشاحبة (حزناً) إلى الغروب حتى راحت الجموع تتدفق على الكنيسة حتى كادت الكنيسة تضيق بهم..
وكان كلهم يحمل الأكاليل وباقات الورود والبخور والزيت والشموع...
وما أن تصل المرأة باب الكنيسة حتى تسدل منديلها الأسود وتغطي وجهها فيه حزناً وحداداً، ويخلع الرجال العقال عن رؤوسهم ويحملونه بأيديهم، رمزاً للحزن والحِداد...

وانطلق القداس بل الجناز، جناز السيد له المجد...
كاهن يصلي يعاونه كوكبة من الشمامسة والمرتلين ذوي الأصوات الشجية والألحان المبكية، وآخرون ينفّرون السامعين بأصواتهم النشاز وألحانهم المفقودة.

وطاف المتقدمون بالسن بالسرير المغطى بالورد، وما أن أشرفت صلاة الجناز على نهايتها حتة اصطف كبتار السن رجالاً ونساء في باحة الكنيسة ليتقدم منهم الآخرون ويقدمون التعازي وكأنهم في مأتم حقيقي...


وما أن انتهت الطقوس والمراسيم حتى هرول كل واحد إلى منزله ليستعد لنهار الغد، نهار سبت النور، ليعد العدة للانطلاق إلى المدينة المقدسة لإحضار النور من على قبر السيد المسيح عندما يفيض النور السماوي المقدس من على القبر المقدس بطريق سحرية لا يدرك أحد كنهها...

وهي سرّ يحرص البطرك عليه فلا يدري بكنهه غيره، ولا يحظى بهذا الشرف الرفيع العظيم المتمثل في احتضان النور المقدس سوى طائفة الروم الاورثوذوكس، على خلاف الطوائف المسيحية الأخرى، وكأنهم هم وحدهم – ولا أحد سواهم - المسيحيون...